الفصل 146 - فالريك
بدأوا بالتحرك فور انكسار آخر قفل.
امتلأت الممرات السفلية بأصوات لا تُشبه بعضها — خطوات مرتبكة، أنفاس خائفة، صوت سلاسل تُجرّ رغم أنها لم تعد تقيّد أحداً، لأن الأجساد تحتاج وقتاً أطول من الأقفال لتُدرك أنها حرة. بعض العبيد لم يستطيعوا المشي بشكل مستقيم من شدة الضعف المتراكم، تحمل آخرون أقل منهم قدرةً، وكان بعضهم ينظر حوله بذهول أشبه بمن يرى العالم لأول مرة بعد نوم طويل.
أما دارون فكان في المقدمة كالعادة. هادئاً. لكن عيناه لم تهدآ لحظة — تمسحان كل انعطافة، كل ظل، كل تغيّر في صوت الهواء.
“إذا وصلنا إلى النفق الأسود يمكننا إخراجهم على دفعات.” قال ألبرت وهو يدعم الرجل العجوز بكتف واحدة، الأخرى لا تزال تنزّ دماً خلف ما أحكم عليه من ضماد مؤقت.
“هذا إذا لم تقتلنا إيفيلين قبل ذلك.” ردّت سكارليت.
ثم توقفت فجأة.
رفعت رأسها.
‘شيء ما.’
في البداية لم يسمع أحد شيئاً. الصمت كامل. وهذا بحد ذاته كان علامة.
ثم —
دوم.
دوم.
دوم.
كل خطوة تجعل الأرض الحجرية ترتجف تحت الأقدام كأن ثقلاً يتحرك لا يخضع للقياسات المعتادة.
تجمّد العبيد في آنٍ واحد. غريزة قديمة أعمق من أي أمر صادر.
شحب وجه ألبرت.
“لا…”
وفي نهاية الممر — ظهر فالريك.
لكن لم يكن وحيداً هذه المرة. خلفه عشرات الحراس المدرّعين يملؤون الممر من جدار إلى جدار، وبينهم — تسير إيفيلين.
فستانها الزمردي ينساب فوق الأرض الحجرية في هدوء غير طبيعي، كأن الأرض تتنازل لها ولا تحتكّ بها. وابتسامتها — تلك الابتسامة الهادئة التي لا تُخبر بشيء لأنها تُخبر بكل شيء — لم تفارق وجهها.
توقفت على بُعد عشرات الأمتار.
وأجرت مسحها المعتاد ببطء — العيون التي تُصنّف لا تتفاجأ. الأقفاص المفتوحة. العبيد يقفون خلف من جاء ليحررهم. ثم ألبرت. وقفت عيناها عليه لثانية واحدة أطول من سواه.
“كم هو مؤثر.”
خفض ألبرت نظره قليلاً — لا استسلاماً، بل من ذلك النوع الذي يفعله المرء حين يسمع الحقيقة من مصدر خاطئ ولا يعرف كيف يتعامل مع ذلك.
“القديس الأبيض أصبح منقذاً الآن؟”
لم يُجبها.
لكن دارون تقدّم خطوة للأمام.
تحوّلت عيناها إليه بتلك الطريقة التي تتحوّل بها عيون الشخص المهتم فعلاً حين يجد أخيراً ما يستحق اهتمامه.
“أنت دائماً تُفسد ألعابي.”
“وأنتِ تُعاملين البشر كأدوات.”
ابتسمت. لم تكن مستفزّة ولا مُضطربة.
“لأن معظمهم كذلك.”
ثم رفعت يدها برفق، كإيماءة بسيطة لا تستحق جهداً أكثر من ذلك.
“اقتلوهم.”
تحرّك الحراس.
وتقدّم فالريك.
لم يتحرك نحو دارون. لم يتحرك نحو العبيد.
وقف في المساحة بين الطرفين. ظهره لدارون والبقية، وجهه نحو الحراس القادمين. جسده يسدّ الممر كجدار اختار أن يقف.
توقف الجميع.
حتى إيفيلين — وللمرة الأولى منذ جاءت — رفعت حاجبها.
“تراجعوا.”
قاله فالريك بصوته العميق المعتاد. لكن لهجته لم تكن لهجة الحارس الأعلى يُصدر أمراً — كانت لهجة رجل ينهي جدالاً انتهى في داخله من قبل.
ارتبك الحارس الأقرب، نظر خلفه نحو إيفيلين وعاد.
“س-سيدي فالريك؟”
“ابتعد.” قالتها إيفيلين بنبرة لا ترفع الصوت لأنها لا تعتاد على الحاجة لذلك.
لم يتحرك فالريك.
نظر أمامه. إلى الحراس. إلى الأسلحة. إلى وجوه أشخاص ينتظرون أمراً ليُنفّذوه لأن الانتظار أسهل من التفكير.
ثم قال، ببطء لا يُشبه خطابه ولا يُشبه صمته المعتاد، بل يُشبه كلام شخص يتذكر شيئاً كان يعرفه ونسي كيف يقوله:
“هؤلاء ليسوا مقاتلين.”
“ومنذ متى تهتم؟” قالتها إيفيلين بتقلّص خفيف في عيونها.
صمت فالريك.
وكان في هذا الصمت كل الوقت الذي أمضاه في هذا المكان — كل القتال، كل الأوامر المُنفَّذة، كل الليالي التي نام فيها دون أن يسأل لماذا. كلها انضغطت في تلك الثواني القليلة.
ثم قال:
“منذ أن تذكرت… أنني كنت واحداً منهم.”
تجمّد الهواء.
حتى دارون — الهادئ دائماً، الذي لا تتسع عيناه لأشياء كثيرة — اتسعت عيناه قليلاً.
ضحكت إيفيلين. ضحكة قصيرة وباردة، من تلك التي تصدر حين يُصبح شيء ما مثيراً للاهتمام لأسباب لم تكن متوقعة.
“آه… فهمت.”
نظرت إليه كما ينظر الشخص إلى شيء كان يعمل بإتقان ثم كُسر فجأة — ليس بغضب، بل بذلك الاستغراب الحارد الذي لا يعترف بالخسارة.
“إذن دارون حطّمك أنت أيضاً.”
بقي فالريك ثابتاً.
ثم التفت نصف التفاتة — ليس نحو إيفيلين، بل نحو العبيد خلفه. عيناه اللتان عاشتا فارغتين لسنوات طويلة — لم تكونا فارغتين بالكامل الآن. كان فيهما شيء يشبه الألم، لكن من ذلك النوع الذي لا يُشلّ، بل يُحرّك.
قال بصوت منخفض وثابت:
“قبل عشرين سنة…”
توقف. كأنه يُجرّب وزن الكلمات قبل أن يُلقيها.
“كنت عبداً في هذه الساحة.”
اتسعت عينا ألبرت.
بدأ الارتباك يظهر على وجوه بعض الحراس — ليس تمرداً، بل ذلك الزعزعة التي تحدث حين تتصدّع قصة كنت تعرفها وتعتمد عليها.
“قاتلت. قتلت. نجوت.” تابع فالريك بنفس الوتيرة، كل كلمة تقف وحدها وتحمل وزنها كاملاً. “وفي كل مرة كنت أقول لنفسي: سأهرب يوماً ما.”
توقف.
“لكنني لا أتذكر متى توقفت عن المحاولة.”
أغمض عينيه لثانية واحدة — ثانية واحدة فقط كانت تساوي كل شيء أمضاه في هذا المكان.
ثم فتحهما.
ونظر مباشرة إلى دارون.
“أنت… ذكّرتني.”
تقلّصت عينا إيفيلين.
لم يكن تقلّصاً من الغضب — كان من ذلك النوع الذي يسبق قراراً.
“فالريك.”
لكن فالريك رفع سلاحه الضخم ببطء. ليس نحو العبيد. ليس نحو دارون.
نحو الحراس.
وانفجرت منه نية قتل كانت أهدأ وأثقل من أي نية قتل أطلقها من قبل — لأنها لم تكن من غضب ولا من أوامر. كانت من اختيار.
تجمّد الحراس. حتى الأكثر جرأةً منهم.
وصمتت إيفيلين للحظة — ثانية واحدة من الصمت الحقيقي، ليس المحسوب ولا المؤدَّى.
ثم ابتسمت.
صغيرة جداً. باردة. لكن فيها شيء يشبه الإعجاب المُخيَّب.
“كم مخيّب.”
واختفى الضوء الأخضر من حولها في اللحظة ذاتها — لم يُطفأ تدريجياً، بل انسحب كالماء يُسحب نحو مصدر، وظهر مُركَّزاً أمام فالريك مباشرةً.
بووووووم!!
هزّت الضربة الأنفاق كلها من الداخل — ليس كانفجار بل كضربة من شيء مصمَّم للنهايات. تشقّقت الجدران الحجرية في خطوط غير منتظمة. سقط بعض العبيد أرضاً من شدة الموجة. وتساقط الغبار من السقف في سُحب كثيفة.
تراجع فالريك عدة خطوات — جسده يتلقّى ما لا يستطيع جسد عادي تلقّيه والبقاء واقفاً. الدم انفجر من فمه وسقط على الحجارة بكثافة.
لكنه لم يسقط.
ثبّت قدميه.
واستقام.
وعاد ليقف أمام العبيد كالجدار الذي اختار أن يكون.
“تحركوا!”
صرخ دارون.
وانطلق الجميع.
لكن ألبرت توقف.
ثانية واحدة. لم يكن يملك أكثر من ذلك وكان يعرف ذلك.
التفت خلفه.
رأى فالريك يتلقّى ضربة أخرى ويردّها — ليس بالسرعة المعتادة، بل بثقل الشخص الذي يعطي كل ما تبقى له. الحراس يتقدمون من الجانبين. وإيفيلين تراقب بابتسامة لم تتغيّر شكلها لكن تغيّر ما تحمله.
ثم التقت عينا فالريك بعيني ألبرت.
لم يقل له تحرّك. لم يقل له لا تنظر إلى الوراء.
قال شيئاً واحداً:
“لا تُضيّع الفرصة.”
قبض ألبرت قبضته حتى ابيضّت مفاصله.
‘أنت أيضاً سجين.’
قالها له في ممر آخر. وهو يعني كلمة من ثلاث كلمات — لكنه كان يقول شيئاً أكبر بكثير.
والآن فالريك يُعيد تلك الكلمات بطريقة مختلفة. بجسده هذه المرة لا بصوته.
أدار ألبرت ظهره.
وركض.
وخلفهم في الممر القرمزي الخانق، بينما الأنفاق ترتجف بكل ضربة —
بدأ الرجل الذي أمضى عشرين سنة يُنفّذ أوامر الآخرين،
يُقرّر لأول مرة ما يستحق أن يموت من أجله.