الفصل 144 - الهروب
تحوّلت الساحة الأبدية إلى شيء يصعب تسميته فوضى — لأن الفوضى تعني غياب النظام، وما كان يحدث كان أقرب إلى نظام مختلف اندلع فجأة واشتعل في كل اتجاه. الحراس يتدفقون نحو الجهة الشرقية كنهر يجد ثغرة مفاجئة. المتفرجون يتدافعون على المخارج بصراخ لا يعرف أصحابه هل هو خوف حقيقي أم استجابة لخوف الآخرين. وبعض العبيد — أولئك الذين أمضوا سنوات ينتظرون لحظة بالضبط كهذه — بدأوا يتحركون بلا خطة سوى أن يتحركوا.
أما دارون ورفاقه، فكانوا يسيرون عكس كل هذا.
ركض ألبرت في المقدمة بخطوات سريعة ودقيقة لا تُشبه رجلاً خرج للتو من أسابيع في زنزانة — كأن جسده تذكّر شيئاً كان قد نسيه مؤقتاً. لكن وجهه لم يكن وجه من يقود. كان وجه من يهرب، وهو يعرف الفرق جيداً.
“يمين!”
انعطف الجميع داخل ممر ضيق بينما دوى خلفهم صوت انفجار — ليس خافتاً، بل بالنوع الذي تشعر فيه بالموجة في صدرك قبل أن تسمعه بأذنيك.
التفت يوجين بعيون واسعة.
“هل كانت تلك هلاوس أيضاً؟!”
ردّت سكارليت وهي تُبقي خطواتها ثابتة رغم التنفس المتسارع:
“لا. تلك حقيقية.”
اتسعت عيناه أكثر — لكنه لم يتوقف. تعلّم في هذه الأيام الأخيرة أن الخوف والركض يمكنهما التعايش.
كان دارون يُراقب ألبرت.
التوتر في كتفيه، في الطريقة التي يُلقي بها نظرات سريعة للجانبين — لم يكن توتر الهروب. كان توتر شخص يتوقع شيئاً لا يريد أن يُسمّيه.
“ما المشكلة؟”
سأله دارون مباشرة، بدون مقدمة.
تردد ألبرت خطوتين. ثم قال دون أن يُبطئ:
“هي هادئة أكثر من اللازم.”
ثم اهتز الممر.
ليس الجدران فقط — الأرض الحجرية بأكملها ارتجفت تحت أقدامهم كأن شيئاً ثقيلاً يتحرك تحتها أو فيها.
توقفوا في آنٍ واحد.
خطوة.
خطوة.
كل واحدة أثقل من السابقة، كل واحدة تجعل الحجر يبدو أكثر هشاشة.
ثم ظهر في نهاية الممر — فالريك.
وحيداً. بلا حراس وراءه. بلا سلاح في يده. فقط ذلك الجسد الذي يسدّ الممر الضيق من جدار إلى جدار كأنه لم يُصنع ليمرّ من بين الجدران بل ليكون هو الجدار.
شهقت سكارليت بخفة لا إرادية.
“كيف سبقنا؟!”
“يعرف الممرات الداخلية.” قال ألبرت بصوت مكتوم، وفي كلماته شيء يشبه الاعتراف بأنه كان يخشى هذا.
رفع فالريك نظره — تلك العيون الفارغتان اللتان تنظران دون أن تشعرا — واستقر على دارون.
“أمرتني السيدة الزمردية بإحضارك حيًا.”
“هذا لطف منها.”
قالها دارون بخفة، كمن يُعلّق على طقس الجوّ.
لم يتحرك فالريك. لم يهاجم. وقف فقط في ثقله الساكن، كصخرة تنتظر.
ثم قال:
“أنت محق.”
تجمّد دارون. تجمّد الجميع.
“أنا لا أريد قتلك.”
أدار ألبرت نظرة سريعة نحو دارون — نظرة “هل تسمع ما أسمعه؟” — لكنه لم ينطق. الرجل الذي أمضى سنوات كآلة قتل يعترف بهذا، في ممر، في منتصف هروب. لم يكن هذا في أي حساب.
أخذ فالريك نفساً بطيئاً وعميقاً، كمن يحمل شيئاً ثقيلاً منذ وقت طويل جداً.
“لكنني لا أملك رفاهية الاختيار.”
وتحرّك.
لم يكن تحركاً — كان اندفاعاً. في لحظة واحدة قطع المسافة كأنها لم تكن، وقبضته جاءت كمطرقة تريد أن تُثبت أن الجدار الحجري خلف دارون أرخص مما يبدو.
بووووم!!
موجة صوتية هائلة ضربت الممر من جميع الجهات في آنٍ واحد — انفجار سكارليت الصوتي، مُركّز، حاد، أقرب ما يكون إلى صرخة العالم نفسه.
ترنّح فالريك نصف خطوة للخلف.
نصف خطوة فقط. لكنها كانت الأولى منذ وقت لا يعرف أحد كم امتد.
“تحركوا!”
صرخت سكارليت.
انطلق يوجين. اندفعت سكارليت. أمسك ألبرت ذراع دارون وسحبه —
لكن فالريك رفع رأسه.
والدم يسيل من جانب وجهه — خيط أحمر يشقّ الندوب القديمة ويجد طريقه ببطء نحو فكّه. نظر إليه للحظة. كأنه يتذكر كيف يبدو هذا.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة.
صغيرة جداً. هادئة. من أكثر الابتسامات رعباً التي رآها ألبرت في حياته لأنها لم تكن تحمل سادية ولا غضباً — حملت شيئاً أشبه بالاستحسان.
“منذ سنوات…” تشقّق الحجر تحت قدمه ببطء كأن الأرض تشعر بثقل ما اشتعل فيه. “…لم يصبني أحد.”
اختفت ابتسامة سكارليت.
“تبًا.”
“لا تقاتلوه!” صرخ ألبرت.
اندفع فالريك نحو سكارليت بسرعة تُكذّب حجمه — بسرعة شيء لا تحكمه قوانين الأجسام الثقيلة.
لكن دارون كان هناك أولاً.
بووووم!!
اهتزّ الممر بالكامل وتساقطت حبيبات الحجر من السقف. انزلقت قدما دارون عدة أمتار على الأرض وهو يصدّ الضربة بكلتا يديه — يديه لا بسلاح، لا بدرع — مجرد جسد واقف في وجه شيء مُصمَّم لإسقاط الجدران.
نزل الدم من زاوية فمه.
لكن عيناه بقيتا على فالريك. ثابتتان. بلا رجفة.
نظر فالريك إلى قبضته. ثم إلى دارون. وفي عينيه الفارغتين تحرّكت أخيراً — شيء ما. غير واضح، غير قابل للتسمية، لكنه كان هناك.
“غريب.”
“لا توجد نية قتل.”
تنهّد دارون بهدوء — النوع الهادئ الذي يأتي من مكان عميق لا من الرئتين فقط.
“أخبرتك.”
ثم التفت فجأة نحو الجدار — ليس نحو فالريك، بل نحو نقطة بعينها على الجدار الجانبي. تحسّسها بأصابعه لثانية واحدة. ثم ضرب.
تشقّق الحجر. وانفتح خلفه فراغ — ممر مخفي ضيق، رائحة التراب والرطوبة تتصاعد منه كنفَس بارد.
“كيف عرفت؟!” اتسعت عينا ألبرت.
“الرطوبة في الحجارة.” قال دارون بسرعة. “الجدار الرطب يعني هواء من الجهة الأخرى.”
ثم صرخ:
“ادخلوا!”
اندفع يوجين أولاً دون تردد. تبعته سكارليت.
لكن ألبرت توقف.
التفت نحو فالريك. وعيناهما التقتا — عيون رجل يعرف ما هو الثمن وعيون رجل نسي منذ متى بدأ يدفعه.
“…أنت أيضاً سجين.”
لم يقلها اتهاماً. لم يقلها شفقةً. قالها بالطريقة التي يُقال فيها شيء صحيح ينتظر أن يُقال.
تجمّد فالريك.
وللمرة الأولى منذ دخل الممر — ظهر في عينيه شيء حقيقي. شيء لم يكن فارغاً. شيء يشبه الألم بالضبط — ذلك النوع المدفون الذي عاش تحت طبقات كثيرة من كل ما فعله ولم يعد يستطيع أن يسميه.
أغلق الباب الحجري.
وبقي فالريك وحيداً في الممر المظلم، والدم لا يزال يسيل ببطء من جانب وجهه، والصمت يملأ المكان من كل اتجاه.
ثم جاء الصوت.
ضحكة أنثوية خافتة، هادئة، تسري في الظلام كدخان يجد طريقه تحت الأبواب.
لم يلتفت فالريك.
كان يعرف من قبل أن يسمعها.
وقفت إيفيلين عند نهاية الممر — فستانها الزمردي يمتص ما تبقى من الضوء، ويداها تصفقان ببطء مدروس، كأن كل تصفيقة تعليق مستقل.
“مثير للاهتمام حقاً.”
رفعت عينيها الزمرديتين نحوه — نظرة الطبيب الذي يرى أعراضاً لم يتوقعها وهذا بحد ذاته يُثير فضوله.
“أنت ترددت.”
لم يُجبها فالريك. الصمت كان جوابه الوحيد منذ سنوات.
لكن إيفيلين لم تكن تطلب جواباً.
اقتربت ببطء، خطواتها بنفس الإيقاع الذي تتحرك به دائماً — لا مستعجلة، لا خائفة، كأن الزمن يُعدّل نفسه وفق خطواتها لا العكس.
توقفت على بُعد متر منه. ونظرت إلى الدم على وجهه بشيء يشبه الاهتمام العلمي.
“هل بدأت تتعلم الشعور مجدداً يا فالريك؟”
أغمض عينيه للحظة واحدة فقط.
واتسعت ابتسامتها.
“هذا سيجعل الأمر…” توقفت، وكأنها تتذوق الفكرة قبل نطقها، “…أكثر متعة بكثير.”