الفصل 143 - بداية الخطة
كان ضجيج الساحة الأبدية مختلفاً هذه المرة.
ليس فقط في الحجم — بل في النوع. كان فيه شيء أكثر جوعاً من المعتاد، كأن الآلاف المحتشدين على المدرجات يشمّون دماً مختلفاً في الهواء ولا يعرفون لماذا يستثيرهم هذا بشكل لا يستطيعون تفسيره. أصوات المراهنات تتصاعد وتتداخل، رائحة العرق والحديد والتوقع المريض المعلّق في كل زاوية — ذلك الحماس الذي لا يظهر إلا حين يكون الناس على وشك مشاهدة شيء لا رجعة منه.
وقف دارون داخل الممر الحجري المؤدي إلى الحلبة.
السلاسل الثقيلة لا تزال حول معصميه، بردها يتسرب إلى عظامه، لكن نظرته كانت هادئة بشكل لا يتناسب مع المكان ولا مع اللحظة — هدوء لا يشبه اللامبالاة، بل يشبه الشخص الذي يعرف ما سيفعله ويأخذ ثانية أخيرة يجمع فيها نفسه.
خلفه مباشرة كانت سكارليت تُحكم قبضتها على لا شيء — عادة قديمة حين يكون الخنجر بعيداً وجسدها يطلبه. أما يوجين فصمت تماماً لأول مرة منذ عرفوه، وهذا الصمت وحده كان مقلقاً بطريقة ما.
وألبرت — كان يحدّق في الأرض الحجرية أمامه بعيون لا ترى ما أمامها.
ثم رفعها.
“إذا واجهته مباشرة… ستموت.”
قالها بصوت منخفض، دون مقدمة، كمن يُسقط حقيقة لا يجد فائدة في تأخيرها.
رفع دارون نظره نحوه في هدوء.
“فالريك ليس مقاتلاً طبيعياً.” أكمل ألبرت. “قمع النية لا يُضعفك تدريجياً — يتضاعف مع كل خطوة تقترب فيها منه وأنت تحمل رغبة في إيذائه. كلما أردت قتله أكثر، أصبحت أثقل. حتى التنفس يصبح عملاً مُضنياً قربه.”
توقف. ثم رفع عينيه بالكامل.
“لا تُفكّر بإسقاطه. فكّر بالنجاة فقط.”
ساد الصمت لحظة وجيزة.
ثم ابتسم دارون — ابتسامة خفيفة جداً، من النوع الذي يجعل المرء يتساءل عمّا يعرفه الشخص الآخر.
“ومن قال إنني سأقاتله؟”
تجمّد ألبرت. فتح فمه ليسأل —
وانفتح باب الحلبة بعنف.
وانفجر الهدير.
كانت الساحة الأبدية ضخمة بما يكفي لتجعل كل شيء داخلها يبدو أصغر مما هو عليه — بما في ذلك البشر. أعمدة سوداء عملاقة تحرس محيط الميدان كحرّاس حجريين لا ينامون، والرمال تحت القدمين بلون داكن لا تُفسّره الإضاءة وحدها.
وفي الأعلى، على العرش الزمردي — جلست إيفيلين بساق فوق الأخرى وابتسامة المتفرج الذي يعرف أن العرض لن يخيّب ظنه. نظرتها للأسفل كانت نظرة الإمبراطورة لا المشاهدة — لا تترقب، بل تُراقب. فرق دقيق لكنه يقول كل شيء.
ثم اهتزت الأرض.
خطوة واحدة. ثقيلة. ثم أخرى.
خرج من الجهة المقابلة رجل كأن الساحة صُنعت لاستقباله. تجاوز المترين بسهولة مريحة، جسده نسيج من الندوب القديمة التي يرويها كل واحدة منها معركة بقيَ منها وحيداً. شعره الرمادي القصير لم يجعله يبدو أكبر سناً — جعله يبدو كشيء تجاوز مفهوم السن بالكامل.
لكن العيون.
فارغتان. ليس بالطريقة التي تفرغ بها عيون الحيوانات المفترسة حين تصطاد — بل بطريقة أعمق وأكثر إزعاجاً. عيون شخص أنهى كل ما كان يشعر به منذ سنوات طويلة، ولم يجد سبباً ليبدأ من جديد.
فالريك.
ولحظة دخوله — قبل أن يتحرك خطوة واحدة نحو دارون — هبط شيء ما.
ليس جسدياً بالمعنى الكامل، لكنه أُحسّ بشكل جسدي تماماً. ثقل غير مرئي استقر على كتفيْ دارون ونزل ببطء نحو صدره. الهواء لم يتغير برودةً أو حرارةً، لكنه أصبح أصعب في الاستنشاق، كأن شيئاً ما في جوهره تغيّر دون أن تستطيع العين رصده.
“فالريك!” صرخت الجماهير. “الساحق! حطّمه! حطّمه!”
لم ينظر فالريك إليهم ولو للحظة. عيناه كانتا على دارون فقط — بلا غضب، بلا توقع، بلا شيء يُقرأ. مجرد تثبيت، كمن يُسجّل هدفاً ثم ينتظر.
“أنت سبب إزعاج كبير.”
صوته عميق وخشن كصخر يتكلم.
ابتسم دارون بخفة.
“وأنت تبدو كشخص ينام واقفاً.”
ضحك بعض المتفرجين. لكن فالريك لم تتحرك عضلة في وجهه.
ثم خطا خطوة واحدة للأمام.
مجرد خطوة واحدة.
وتضاعف الضغط على دارون بشكل مرعب ومباشر — كأن الهواء حوله صار أكثف فجأة وضغطه بكامله نحو الأرض. تشقّق الحجر تحت قدميه. ارتجفت عضلاته رغمه — رغم كل إرادته على عدم ذلك.
هاه.
حتى التنفس صار يحتاج قراراً واعياً.
في الأعلى، مالت إيفيلين للأمام قليلاً على عرشها — أول حركة حقيقية منها منذ جلست. اهتمام حقيقي، لا مجرد متابعة.
وفي الممر، أطبق ألبرت قبضته حتى ابيضّت عظام أصابعه.
“أشعر بها.”
قال فالريك وهو يخطو خطوة أخرى، صوته لا يحمل انتصاراً ولا استفزازاً — مجرد ملاحظة، كعالم يُسجّل نتيجة تجربة.
“رغبتك بالقتال.”
ازداد الضغط. انخفضت ركبة دارون قليلاً نحو الأرض — لا بقرار منه، بل لأن وزن ما يحدث بدأ يتجاوز ما يستطيع جسده مقاومته وقوفاً.
لكن عينيه بقيتا ثابتتين.
ثم — ابتسم.
اتسعت عينا ألبرت.
شيء خاطئ. شيء خاطئ جداً هنا.
توقفت الجماهير عن الصراخ تدريجياً، كأن شيئاً في المشهد تغيّر دون أن يعرفوا ماذا بالضبط لكنهم أحسّوا به غريزياً.
وللمرة الأولى — ضيّق فالريك عينيه.
“إذن هذا هو الخطأ في قدرتك.”
قال دارون بهدوء.
ثم فرد ذراعيه ببطء. لم يكن استسلاماً — كان شيئاً مختلفاً تماماً. شيء أصعب بكثير من الاستسلام.
أسقط كل شيء.
النية. الرغبة في الهجوم. الغضب. حتى المقاومة الغريزية التي يُطلقها الجسد حين يُهدَّد. أفرغ نفسه من كل ما يجعل الضغط يزداد، وبقي — لا شيء سوى حضور هادئ في منتصف الميدان.
“أنت لا تقمع القوة.” قال، صوته ثابت كأن الضغط لم يكن. “بل النية.”
وخفّ الثقل.
ليس تدريجياً — بشكل مفاجئ لافت، كأن يداً غير مرئية رُفعت. اعتدل جسد دارون. عاد التنفس طبيعياً.
وفي الممر، أخرج ألبرت نفساً لم يكن يعرف أنه كان يحبسه.
“أنا لا أريد هزيمتك.”
قال دارون، ونظر حوله على الساحة كلها بنظرة هادئة لا تُخفي شيئاً.
“أنا فقط… أريد الخروج.”
تجمّدت ابتسامة إيفيلين.
في تلك اللحظة بالذات — أغلقت سكارليت عينيها داخل الممر.
أخذت نفساً واحداً بطيئاً.
ثم همست بما لا يكاد يُسمع:
“صدى الموت.”
طنين خافت وعميق انتشر من مكانها كموجة غير مرئية تسري تحت الأرض، تتسلل نحو الجهة الشرقية من الساحة.
ثانية كاملة من الصمت.
ثم —
“النجدة!!”
“تمرد! تمرد في الممرات!”
“الحراس ماتوا! هناك وحوش!”
انفجرت الفوضى من الجهة الشرقية كحريق وجد الهواء. صرخات متداخلة، أصوات ركض، دوي انفجارات لا مصدر لها، استغاثات تتصاعد فوق بعضها حتى أصبح من المستحيل تمييز ما هو حقيقي مما ليس كذلك.
قفز الحراس من أماكنهم. نصفهم تحرّك نحو الشرق غريزياً قبل أن يتلقوا أمراً. الآخرون يتبادلون النظرات بذعر حقيقي لا يُخفى.
وفي الأعلى — اتسعت ابتسامة إيفيلين ببطء.
“ها قد بدأ الأمر أخيرًا.”
قالتها لنفسها، بنبرة من كان يعرف.
لكن في الأسفل، تحرّك دارون.
ليس نحو فالريك.
نحو البوابة الجانبية للحلبة.
“أوقفوه!” صرخ حارس من الأعلى.
تحرّك فالريك — بطيئاً في البداية، غير مقتنع بشيء ما.
قال دارون دون أن يلتفت، وفي صوته تلك النبرة الهادئة التي تصل قبل الصراخ:
“أنت لا تريد قتلي.”
توقف فالريك.
لحظة صغيرة جداً — قصيرة بما لا يكفي لأن تُلاحظها الجماهير. لكن كافية.
“أنت فقط تنفّذ أوامر.”
ارتجفت يد فالريك. شيء ما خلف تلك العيون الفارغة تحرّك — شيء لم يُرَ منذ وقت طويل، ولم يكن واضحاً ما هو.
لكنه كان كافياً.
قفز ألبرت من الظلال كأنه كان جزءاً منها طوال الوقت. مرفقه وصل إلى خوذة الحارس القريب من البوابة بقوة لا تُشبه إنساناً معصوب الإرادة منذ أسابيع. تحطم المعدن. انهار الرجل.
“الآن!”
انطلقت سكارليت ويوجين.
وبينما كانت الساحة الأبدية تغرق في فوضاها المُصطنعة والحقيقية معاً، وبينما الحراس يركضون في كل اتجاه، وبينما الخطة تتحرك أخيراً بعد أيام من الانتظار —
جلست إيفيلين على عرشها.
لم تُعطِ أمراً. لم تصرخ. لم تقف.
ابتسمت فقط.
ابتسامة امرأة لا تُفاجَأ لأنها كانت تنتظر هذا بالضبط.