الفصل 142 - إيفيلين
استيقظ دارون على صوت خطوات.
بطيئة. منتظمة. كأنها لا تُخفي نفسها عمدًا.
فتح عينيه في الحال، دون مرحلة وسطى بين النوم واليقظة — تلك العادة التي يكتسبها الجسد حين يعيش طويلًا في أماكن لا تسمح بالاستيقاظ التدريجي.
الهدوء داخل الساحة الأبدية كان دائمًا من النوع الخادع. ليس هدوء الأمان، بل هدوء ما قبل الشيء السيئ — تلك اللحظة التي يحبس فيها العالم أنفاسه قبل أن يُطلق ما أخفاه.
كانت سكارليت نائمة قرب الجدار، ويوجين مستلقٍ بجانبها بذلك الاسترخاء الكامل الذي لا يجيده إلا من لا يعرف بعد ما يكفي ليخاف. أما ألبرت — فكان مستيقظًا بالفعل. جالسًا في زاوية الظلام بظهر مستقيم وعيناه مثبّتتان على الممر أمامه، كمن لم ينم أصلًا، أو كمن ينتظر شيئًا كان يعرف أنه قادم.
توقفت الخطوات.
ثم تسرّب ضوء أخضر خافت من بين القضبان — لون غير طبيعي، لا ينتمي لأي شمعة أو مشعل، بل لشيء آخر تمامًا.
انتفض يوجين واقفًا بفزع، عيناه مفتوحتان على اتساعهما. أمسكت سكارليت خنجرها قبل أن تفتح عينيها بالكامل.
ثم ظهرت.
امرأة ترتدي فستانًا زمرديًا طويلًا يكاد يلمس الأرض الحجرية دون أن يحتكّ بها — كأنه يعرف حدوده. شعرها الأسود منسدل فوق كتفيها بهدوء منضبط لا يشبه الإهمال ولا يشبه الاعتناء المفرط، بل يشبه امرأة لا تفكر في شعرها لأن ذهنها مشغول بأشياء أكثر أهمية دائمًا. وعيناها — تلك البرودة الملكية التي لا تنظر إلى الأشياء بل تفحصها، كأن كل ما تراه مجرد عينة تنتظر التصنيف.
إيفيلين.
خلفها وقف أربعة حراس فقط. لا أكثر. وهذا الرقم الصغير كان أكثر إرهابًا من جيش كامل — لأنه لم يكن رقم من يحتاج حماية، بل رقم من يعرف أنه لا يحتاجها.
اكتفت بالنظر داخل الزنزانة لثوانٍ، تُجري مسحًا هادئًا بعيونها على الوجوه واحدًا واحدًا. ثم وقعت عيناها على ألبرت — وظهرت على شفتيها ابتسامة خفيفة، من ذلك النوع الذي يُثبت للشخص الآخر أنك كنت تتوقعه.
“إذن الشائعة كانت صحيحة.”
لم يُجب ألبرت. بقي حيث هو كأنها لم تتكلم.
اقتربت خطوة.
“القديس الأبيض يجلس أخيرًا بين المجرمين.” قالتها بنبرة من يقرأ عنوانًا طريفًا على لوحة في متحف. “كم هذا… شعريّ.”
خفض ألبرت نظره بصمت مُعنَّد، وفكّه ضُغط بشكل طفيف لا يُرى إلا لمن يعرف أين ينظر.
“ماذا تريدين؟”
قال دارون بهدوء، دون أن يتحرك من مكانه، دون أن يرفع صوته.
حوّلت نظرها إليه مباشرة. وللمرة الأولى منذ دخلت، بدت كأن المشهد بدأ فعلًا.
“أنت.”
ساد الصمت.
ثم أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا — أسود اللون، تتخلله خطوط زمردية متوهجة تنبض بإيقاع بطيء، كأن في داخله قلبًا يتنفس.
لاحظ ألبرت المفتاح في اللحظة ذاتها التي أخرجته فيها. وتغيّرت ملامحه — تغيّرًا طفيفًا لكنه صارخ لمن يعرف وجهه. شيء ما وراء الهدوء المعتاد تصدّع بصمت.
المفتاح الأول.
لاحظت إيفيلين نظرته. كانت تلاحظ دائمًا.
“أوه؟” رفعت المفتاح بين إصبعيها وأدارته ببطء في الضوء الخافت. “يبدو أنك تعرف ما هذا.”
لم تكن سؤالًا.
تجمّد الهواء داخل الزنزانة. لكن دارون بقي ثابتًا بالكامل، عيناه على المفتاح دون أن يُعطيا أي شيء.
بدأت إيفيلين تمشي على طول القضبان ببطء، بلا هدف ظاهر، كمن يتجوّل في حديقته.
“أتعلم يا دارون… أكثر ما يعجبني في البشر؟”
لم ينتظر أحد إجابة — لم تكن تريد إجابة.
“أنهم ينهارون دائمًا.” قالتها ببساطة، كحقيقة علمية مُجرَّبة. ثم أدارت نظرها نحو ألبرت. “هذا مثال ممتاز.”
ضغط ألبرت قبضته حتى ابيضّت مفاصله، لكن لم يخرج من فمه صوت.
“البشر يحتاجون شيئًا يؤمنون به.” أكملت إيفيلين بنفس النبرة الهادئة المريحة التي تجعل كل كلمة تبدو كأنها حكمة لا كإهانة. “عدالة. انتقام. سامي. قديس. شيء ما يتمسكون به حين يصبح كل شيء آخر رمادًا.” توقفت، وعلت ابتسامتها قليلًا. “وحين يتحطم ذلك الشيء… لا يبقى منهم الكثير.”
“وأنتِ؟”
قاله دارون بهدوء، دون انتظار انتهائها.
توقفت.
التفتت إليه.
“ما الشيء الذي تؤمنين به؟”
نظرت إليه لثانية. ثانيتين. كأنها تقيس ما إذا كان السؤال يستحق إجابة حقيقية أم مجرد ردّة فعل مُعادة.
“القوة.”
“إذن أنتِ أكثر هشاشةً مما تتوقعين.”
تجمّد الحراس الأربعة في آنٍ واحد، كتماثيل ضُغط على مفتاحها في الوقت ذاته.
رفعت سكارليت رأسها بصدمة حقيقية.
أما إيفيلين — فحدّقت فيه بصمت طويل ومطوّل. لم يكن صمت غضب، ولا صمت مفاجأة. كان صمت من يرى شيئًا لم يتوقع رؤيته في هذا المكان، ويأخذ وقته في دراسته.
ثم ضحكت.
هادئة. باردة بشكل غريب — كضحكة صادرة عن شيء تعلّم تقليد الضحك لكنه لم يُتقنه تمامًا.
“لهذا لا أستطيع التخلص منك.” اقتربت من القضبان حتى أصبحت على بُعد خطوة واحدة. “حتى الآن، لم أستطع كسر روحك.” ثم انخفض صوتها درجة واحدة — ليس همسًا، بل ذلك الصوت المنخفض الذي يُجبر الآخرين على الإصغاء رغمًا عنهم. “وأريد أن أرى أين حدودها.”
أحسّ ألبرت بشيء ينقلب في معدته. كان يعرف هذا الصوت. يعرف هذه النظرة. لم تكن تنظر إلى دارون كعدو ولا كأسير — كانت تنظر إليه كما ينظر العالِم إلى عينة نادرة تُثير فضوله لأنه لم يفهمها بعد.
هذه المرأة لا تُدير الناس. تُجري عليهم تجارب.
“غدًا.”
قالتها فجأة، وأخذت الكلمة الهواء معها.
نظر إليها الجميع.
“سيقام عرض جديد في الساحة.” ابتسمت. ثم نظرت إلى دارون مباشرة بتلك العيون التي تحمل اهتمامًا أشبه بالجوع. “وأنت النجمة الرئيسية.”
تقلّصت عينا سكارليت.
“ستقاتل فالريك.”
وقع الاسم في الزنزانة كحجر في بئر عميقة.
قفز ألبرت واقفًا.
“هل جننتِ؟!”
نظرت إليه ببرود تام.
“اجلس.”
“فالريك سيقتله!” لم يجلس. صوته لم يكن صراخ غضب بل صراخ من يقول شيئًا بديهيًا لشخص يرفض سماعه.
“ربما.” قالتها إيفيلين بخفة، كأنها تعلّق على توقعات طقس. ثم نظرت نحو دارون، وفي عيونها ذلك الجوع الفكري ذاته. “لكنني أشعر بالفضول… هل ستنكسر أخيرًا؟”
بقي دارون صامتًا.
ولأول مرة منذ دخلت — كان في ذلك الصمت شيء أزعجها. شيء لا يُسمَّى لكن يُحسّ.
اتسعت ابتسامتها قليلًا، كردّ فعل لا تملكه.
ثم استدارت وبدأت تمشي نحو الظلام ببطء ملكي، خطواتها بنفس الإيقاع الذي جاءت به — منتظمة، لا مستعجلة، لا خائفة.
ثم توقفت.
ولم تلتفت بالكامل.
“آه، صحيح.” قالتها كمن يتذكر أمرًا ثانويًا نسيه عن طريق الخطأ. “إذا حاول أيٌّ منكم فعل شيء غبي أثناء العرض…”
توقفت نصف ثانية.
“…سأقتل الطفل أولًا.”
تجمّد يوجين في مكانه حتى كاد يتوقف عن التنفس.
انفجرت من سكارليت نية قتل — ليست مجازًا، بل شيء حقيقي يمكن الإحساس به في الهواء، كأن درجة الحرارة ارتفعت فجأة من مصدر واحد محدد.
لكن إيفيلين كانت قد اختفت بالفعل في الظلام. اختفى الضوء الأخضر معها. وعادت الظلال الثقيلة إلى ملء الفراغات.
لثوانٍ، لم يتحرك أحد ولم يتكلم أحد.
ثم ضرب ألبرت الجدار الحجري بقبضته بعنف يائس.
“تبًا!”
تنفّس بغضب مكتوم، عيناه على الأرض.
“هي تشك بنا.”
“لا.”
قال دارون، وكان قد اقترب من القضبان بهدوء لم يلاحظه أحد. نظر نحو الظلام الذي ابتلعت فيه إيفيلين، كأنه لا يزال يرى شيئًا هناك.
“هي متأكدة.”
ساد الصمت مجددًا — لكن هذه المرة بثقل مختلف.
رفعت سكارليت رأسها، وفي صوتها لأول مرة شيء يشبه العجلة.
“ماذا سنفعل؟”
بقي دارون ينظر إلى الظلام لثانية أخرى.
ثم قال، بهدوء يجعل الكلمات أثقل مما لو كان قد صرخها:
“سنبدأ الهروب. غدًا.”