الفصل 141 - خطة الهروب
مرّت ساعات منذ انضمام ألبرت إلى الزنزانة، وكان الهدوء الظاهري فيها أشبه بسطح بحيرة متجمدة — ساكن تمامًا، لكن ثمة شيء ما يتحرك تحته.
سكارليت لم تُنزل حذرها ولو للحظة. في كل مرة يتحرك فيها ألبرت — حتى لو كان مجرد تغيير وضعية الجلوس — كانت عينها تنزلق نحوه غريزيًا، كعين صياد محترف لا يستطيع إيقاف نفسه عن تتبع الحركة.
أما يوجين، فكان الوحيد الذي تعامل مع الأمر بتلك البساطة المُقلقة التي يملكها الأطفال وحدهم.
جلس قربه دون استئذان، ثم سأل بنبرة من يسأل عن أمر بديهي تمامًا:
“هل قتلت تنينًا من قبل؟”
تجمّدت الزنزانة.
حتى دارون رفع نظره ببطء من الأرض.
بقي ألبرت صامتًا لثوانٍ — ليس من الارتباك، بل من النوع الصامت الذي يسبق إجابة يعرفها الشخص جيدًا لكنه يزن كيف يقولها.
“…لا.”
ابتسم يوجين بخيبة أمل صريحة لا تحتمل التأويل.
“أوه.”
ثم، دون توقف:
“لكن شكلك يبدو كشخص قتل تنينًا.”
نظر إليه ألبرت طويلًا. نظرة لا تُقرأ فيها دهشة ولا استهجان — فقط شيء ما بدأ يتحرك خلف عينيه ببطء شديد.
ولأول مرة منذ أيام، ظهرت على وجهه ابتسامة. صغيرة جدًا. حزينة بشكل يصعب تجاهله.
“قتلت أشياء أسوأ.”
اختفت ابتسامة يوجين فورًا.
لاحظ دارون شيئًا في تلك اللحظة — شيء أكثر أهمية من الكلام نفسه. لم يقلها ألبرت بفخر. لم يكن في نبرته غرور المحارب الذي يُسجّل انتصاراته. كان فيها شيء آخر تمامًا. شيء أثقل وأقدم.
ندم.
حلّ الليل تدريجيًا خارج القضبان. كانت ألسنة النار الخافتة في الممر تلقي ظلالًا طويلة تتمايل على الجدران الحجرية، تجعل كل شيء يبدو وكأنه يتنفس. رائحة العفن والحجر المبلل كانت ثابتة وثقيلة، ومعها دفء النيران الخافت — ذلك النوع من الدفء الذي لا يُريح.
اقترب دارون من القضبان، ووضع يدًا واحدة عليها ببرود.
“أخبرنا عن برج الحكم.”
رفع ألبرت رأسه ببطء. عاد إليه ذلك الهدوء القديم — لكن هذه المرة كان مختلفًا. أقل حدةً. أقل غرورًا. كأنه هدوء الخبرة لا هدوء الاستعراض.
“برج الحكم هو قلب الساحة الأبدية.” بدأ بصوت رتيب مدروس. “كل شيء يمر عبره. المراهنات. أنظمة الحماية. أوامر الإعدام. العبيد الجدد. حتى الحواجز الأثرية التي تمنع الهروب — مصدرها هناك.”
عقد دارون ذراعيه.
“عدد الحراس؟”
“في الوضع الطبيعي، ثلاثون.” أجاب ألبرت فورًا. ثم أضاف: “لكن بعد معركتك الأخيرة، تضاعف العدد.”
تنهّدت سكارليت بانزعاج لم تُخفِه.
“رائع.”
“هذا ليس الجزء السيئ.”
نظر الجميع نحوه. حتى سكارليت كفّت عن تقليب إبهامها.
“الحارس الأعلى موجود هناك الآن.”
ساد الصمت — من ذلك النوع الذي لا يُملأ بسرعة.
ضيّق دارون عينيه قليلًا.
“الحارس الأعلى.”
لم يكن سؤالًا. كان تأكيدًا يطلب منه الاستمرار.
هزّ ألبرت رأسه.
“اسمه فالريك.” توقف لحظة، كأنه يزن الكلمات. “وحش. حتى وأنا في أفضل حالاتي لم أكن واثقًا من الانتصار عليه.”
“قدرته؟” سأل دارون بالهدوء ذاته.
تردد ألبرت للحظة وجيزة — أقصر من أن تُلاحَظ لو لم تكن تراقبه.
“قمع النية.”
ارتبكت سكارليت. أما دارون فبقي ينتظر دون أن يُحرّك شيئًا في وجهه.
“أي شخص يقترب منه وفي داخله نية عدائية… تبدأ حركته بالتباطؤ تدريجيًا.” شرح ألبرت ببطء، كأنه يعيش الوصف وهو يقوله. “كلما ازدادت رغبتك في إيذائه، أصبح جسدك أثقل. ساقاك كالرصاص. ذراعاك مقيّدتان بشيء لا تراه. وفي النهاية، يصبح الهواء نفسه عدوك — تشعر وكأنه يتقلص من حولك ويسحقك من كل اتجاه.”
تغيّرت تعابير سكارليت. لأول مرة كان في عينيها شيء يشبه القلق الحقيقي لا مجرد الانزعاج.
“قدرة سخيفة.”
“لهذا هو مرعب.” قال ألبرت. ثم نظر إلى دارون مباشرة. “حتى لو كنت أقوى منه — وربما أنت كذلك — الاقتراب منه أثناء القتال أشبه بالغرق. كلما حاولت أكثر، غصت أعمق.”
ساد الصمت.
كانت إحدى الشعلات خارج القضبان قد بدأت تخبو ببطء، وأصبح ذلك الجانب من الزنزانة أكثر عتمة مما كان.
ثم قال دارون:
“إذن لن نقاتله.”
رفع الجميع أنظارهم.
“الهروب ليس معركة لإثبات القوة.” أكمل بنفس النبرة الهادئة التي لا تتزعزع. “بل اختبار للذكاء. ونحن لا نخسر اختبارات الذكاء.”
ظهرت على وجه ألبرت ابتسامة خفيفة — أقل حزنًا هذه المرة.
“لهذا قالت إيفيلين إنك خطير.”
“إذن ماذا سنفعل؟!” اندفع يوجين للأمام بحماس واضح كأن شخصًا ما أشعل فتيلًا في داخله.
انتزع دارون نفسه من القضبان واقترب من الجدار. بدأ يرسم بإصبعه فوق طبقة الغبار الرقيقة على الحجارة — خطوط وزوايا، خريطة مبسطة لمكان لا يراه أحد منهم الآن إلا في ذاكرته.
“نقسم العملية إلى ثلاث مراحل.”
انضم إليه الجميع دون أن يُؤمَر أحد.
“أولًا، نحتاج معلومات دقيقة عن تبديل الحراس — التوقيت، المسارات، الفجوات.” التفت نحو ألبرت. “هذا دورك.”
هزّ ألبرت رأسه مباشرة، دون تردد.
“أستطيع الحصول عليها خلال يومين.”
أشار دارون نحو سكارليت.
“ثانيًا، نحتاج طريقة لإبعاد الأنظار عن البرج تمامًا — فوضى حقيقية تجذب الحراس بعيدًا.”
ضيّقت سكارليت عينيها. ثم رأيت اللحظة التي فهمت فيها بالضبط ما يقصده.
“هلاوس صوتية.” قالت ببطء وكأنها تختبر الفكرة وهي تنطقها.
أومأ دارون.
“إذا تمكنتِ من خلق فوضى كافية في الجهة الشرقية، سيُسحب قسم من الحراس إليها غريزيًا.”
ابتسمت سكارليت. ابتسامة واسعة لا تُخفي شيئًا.
“يمكنني جعلهم يعتقدون أن تمردًا كاملًا اندلع هناك. ذعر حقيقي، أصوات، استغاثات. سيُفرغون نصف البرج.”
ثم نظر دارون نحو يوجين.
أشار الفتى لنفسه بكلتا يديه، عيناه تلمعان بحماس لا يصلح لمكان كهذا.
“وأنا؟!”
صمت دارون للحظة واحدة.
“ستبقى حيًا.”
تجمّد يوجين.
وانفجرت سكارليت ضاحكة — ضحكة حقيقية، مفاجئة، من تلك التي تخرج رغم الإنسان لا باختياره. حتى ألبرت أدار وجهه نحو الجدار، لكن كتفيه خذلاه.
“هذا ليس دورًا!” احتج يوجين بصوت أعلى مما قصد.
“بل أهم دور.” قال دارون، وانخفض صوته درجة واحدة فقط — لكن تلك الدرجة غيّرت كل شيء.
“إذا ساءت الأمور… سنحتاج شخصًا يهرب. شخصًا لا يعرفه أحد. شخصًا لا يُعتبر تهديدًا حتى اللحظة الأخيرة.”
اختفت الابتسامة من وجه يوجين تدريجيًا، كضوء يُخفَت ببطء.
فهم. ليس فهم الطفل الذي يُدرك قاعدة لعبة، بل فهم أعمق من ذلك وأكثر إيلامًا.
إن فشلوا، فأحدهم على الأقل يجب أن ينجو ليحمل ما حدث للخارج.
وقد اختار دارون أن يكون يوجين هو ذلك الشخص.
ساد الصمت بين الجدران الحجرية، وكانت الشعلة الأخيرة في الممر تتراقص بخمول وكأنها هي أيضًا تفكّر.
ثم قال ألبرت:
“هناك مشكلة أخرى.”
رفع دارون نظره نحوه.
“إيفيلين.”
تغيّر الجو بالكامل — بشكل لا يُفسَّر منطقيًا، لكنه يُحسّ. كأن الهواء نفسه تذكّر شيئًا.
“هي ليست غبية.” قال ألبرت، وفي صوته لأول مرة شيء يشبه الحذر الشخصي — ليس الحذر من الفشل، بل الحذر ممن يعرفهم جيدًا. “إذا لاحظت أي حركة غير اعتيادية، أي خيط واحد خارج مكانه… ستتدخل بنفسها.”
انخفض صوته.
“وحين تتحرك إيفيلين، لا تعود الساحة الأبدية مجرد سجن. تصبح شيئًا آخر تمامًا.”
لم يُكمل. لم يكن بحاجة إلى ذلك.
كانت النيران خارج القضبان تخبو الآن بشكل ملحوظ، وأصبحت الظلال على الجدران أطول وأثقل، تتداخل مع بعضها حتى كاد المكان بأكمله يبتلعه الظلام.
لكن داخل تلك الزنزانة، في تلك الزاوية الضيقة من العالم التي لا يعرف أحد خارجها أن شيئًا ما يُخطَّط فيها —
كان ثمة شيء.
صغير. هشّ. لم يكن يجرؤ على أن يُسمّى بصوت عالٍ.
لكنه كان موجودًا.
شيء يشبه الأمل.