الفصل 140 - خطة الهروب
مضى يوم منذ زيارة ألبرت.
كان دارون في زاويته المعتادة، ظهره على الجدار البارد، وعيناه تتابعان يوجين الذي كان يتحرك في الزنزانة بتلك الطاقة التي لا تعرف كيف تُبرّر نفسها في مكان كهذا. في الثالثة عشرة من عمره وفي زنزانة تحت ساحة أبدية وما زال يُصدر أصواتاً تُذكّرك أن هناك في العالم أشياء تنمو دون أن تطلب إذناً من أحد.
كان يوجين هو الشيء الوحيد في هذا المكان الذي يُعطيه ألواناً حقيقية.
نظر دارون إلى سكارليت التي كانت أمامه مباشرةً في وضعية تدريب. شعرها الذهبي مسحوب خلفها بإحكام، وكانت قامتها المشدودة تحمل ذلك التركيز الذي يأتي من شخص يريد أن يُثبت شيئاً لنفسه لا لغيره.
كانوا يُكرّرون التقنية للمرة الأخيرة.
التكثيف والتخفيف.
رفعت سكارليت يدها. وكان فيها شيء مختلف عن كل المرات السابقة.
في المرات السابقة كانت التقنية تعمل لكنها كانت تعمل كأنها تُحاول. هذه المرة عملت كأنها كانت دائماً هناك وكانت هي من اكتشفتها لا من تعلّمتها.
التكثيف في نقطة محددة، والتخفيف في الباقي. الضربة انطلقت وكان في صوتها حين لامست الهدف فارق واضح.
ثم أدركت ما حدث.
انفجرت.
لم يكن احتفالاً مُخطَّطاً. كان شيئاً خرج منها قبل أن تُقرّر إخراجه. التفتت نحو دارون بعيون تلمع بشيء لا تُصدره عادةً وانقضّت عليه بحضن لم تُحسب مدته جيداً.
ثواني. ثم أدركت ما فعلته.
تراجعت بسرعة وتعبير وجهها تحوّل من الفرح إلى شيء يُشبه الإدارة المتسرعة لأزمة صغيرة. لم تقل شيئاً. فقط نظرت جانباً بطريقة تقول إن ما حدث لم يحدث إن اتفقنا على ذلك.
لم يُعلّق دارون.
لكن في مكان ما خلف تعبيره الثابت كان شيء يعرف كيف يُلاحظ.
‘سكارليت.’
فكّر فيها دارون بينما كانت تُعيد تنظيم وضعيتها وكأنها تستعيد نفسها بعد انزلاقة.
كان الناس يُخطئون في تقييمها. رأوا فتاة تحمي أخاها وظنوا أنهم رأوا كل شيء. لكن ما رآه دارون خلال الأسابيع الماضية كان مختلفاً.
قدرتها.
صدى الموت.
كان الاسم يُعطي الانطباع الصحيح. أولاً كانت تستطيع تحديد مواقع الأعداء وإن اختبأوا أو تنكّروا. لا مكان آمن من أذنيها. ثانياً كانت تستطيع إطلاق هلاوس صوتية. وكان الناس يُقلّلون من هذا لأنهم يظنون أن الهلاوس شيء ثانوي. لكن في منتصف قتال حقيقي حين يسمع خصمك صوتاً يأتي من اتجاه لا يوجد فيه أحد، حين تُصبح البيئة نفسها ضده، كانت ورقة نجاة تُقلب المعادلة.
والثالث. الانفجار الصوتي.
هجمتان فقط في كل قتال. لكن الهجمتين كانتا بمستوى يجعل دارون يتذكر اللحظة التي تلقّى فيها واحدة منهما أثناء تدريبهما. تلك اللحظة التي استغرق فيها ثانية كاملة قبل أن يتأكد أن أذنيه لا تزالان في مكانهما.
سكارليت في ساحة قتال كانت وحشاً مرعباً. لكنها خارج ساحة القتال كانت أخت تحمل ثقلاً لا يُرى. وهذا، في منطق دارون، جعلها أكثر خطورة لا أقل.
لم تمضِ ساعة حتى فُتح باب الزنزانة.
لم يكن السجّان.
دخل ألبرت.
توقف الزمن في الغرفة للحظة واحدة.
يوجين، الذي كان يتكلم بحماس عن شيء لا علاقة له بالوضع الراهن، توقف في منتصف كلمته. نظر نحو ألبرت بتلك العيون الواسعة التي تُفرّق بين الخطر الحقيقي وما يبدو خطراً. وكان في نظرته حذر لم يُعتَد رؤيته في عينَيّ يوجين.
سكارليت لم تنتظر أن يُتمّ عقلها تحليله.
يدها على خنجرها. حركة لا إرادية صادقة تماماً في عفويتها.
لم يكن ألبرت يحمل هيبته القديمة. تلك الهيبة المقدسة التي كانت تسبقه كأنها إعلان. وكان غيابها بالضبط ما جعل غريزة سكارليت تُصدر إنذاراً. لأن رجلاً لم يعد يخاف على صورته، رجل فقد الشيء الذي كان يتصرف من أجله، كان أخطر بكثير من رجل يعرف ما يريد الحفاظ عليه.
وقف ألبرت عند مدخل الزنزانة.
في وجهه ما تبقّى بعد ثلاثة أيام لم ينم فيها. لكن في عيني فيها شيء لم يكن فيهما قبل القتال. شيء يشبه الغرض المحدد الصادر عن شخص قرّر مساره.
قال:
“سأنضم إليكم في ملحمتكم. للتكفير عن خطاياي.”
رفع دارون نظره إليه بهدوء.
“أنت تفترض أننا سنقبلك.”
أجاب ألبرت بلا تردد:
“لن أثق بنفسي لو كنت مكانك.”
ثم تابع بصوت منخفض ثابت:
“لكنني أملك شيئاً تحتاجونه.”
لمعت عيني دارون قليلاً.
وضعت سكارليت يدها على خنجرها بضغط أكثر من اللحظة السابقة:
“وما هو؟”
تنهّد ألبرت ببطء. ليس تنهيدة من يُعدّ نفسه للخطاب. تنهيدة من يُقرّ بشيء لا يُريحه قوله.
ثم قال الجملة التي غيّرت تعبير دارون للمرة الأولى منذ وقت:
“أعرف كيف تُدار الساحة الأبدية من الداخل.”
ساد الصمت.
أكمل ألبرت بنفس النبرة الباردة التي لا تحاول أن تبدو أكبر مما هي:
“قبل أن أصبح مقاتلاً… كنت كلب إيفيلين المخلص.”
لم يكن في الكلمة مرارة. كانت وصفاً دقيقاً قاله بنفس الهدوء الذي يقول به المرء حقيقة لا يجد سبباً لتلطيفها.
“الكثير من عمليات التطهير التي نفّذتها لم تكن عشوائية. كنت أتلقى المعلومات. أسماء. مواقع. تحركات. طرق نقل العبيد. شبكات المراهنات. أماكن تخزين الآثار.”
توقف.
ثم رفع رأسه ببطء:
“وأعرف شيئاً أهم من ذلك كله.”
ضيّقت عينا دارون:
“النفق الأسود.”
حتى سكارليت أخرجت يدها من الخنجر لوهلة.
“النفق الأسود؟”
أجاب ألبرت:
“ممر قديم أسفل الساحة. أُنشئ قبل عشرات السنين كطريق طوارئ لهروب النبلاء وكبار المستثمرين إذا خرجت الأمور عن السيطرة.”
اقترب خطوة. لكن اقترابه لم يكن اقتراب المتسلط. كان اقتراب من يريد التأكد من أن ما يقوله يُسمع بوضوح:
“وجوده سري للغاية. حتى معظم القادة لا يعلمون به.”
قال يوجين بحماس لم يستطع إيقافه:
“إذن يمكننا الهرب بسهولة؟!”
هزّ ألبرت رأسه ببطء.
“لو كان الأمر بهذه البساطة لهربت بنفسي.”
صمت. ثم:
“النفق يؤدي مباشرة إلى المنطقة الداخلية للقصر الزمردي. لكنه مغلق بثلاثة أبواب أثرية. كل باب يحتاج مفتاحاً مختلفاً.”
عدّ على أصابعه:
“واحد مع إيفيلين. واحد مع الحارس الأعلى للساحة. والثالث…”
توقف لحظة.
“موجود داخل برج الحكم.”
ضيّقت سكارليت عينيها.
“برج الحكم؟ هذا المكان محاط بعشرات الحراس.”
“بل أكثر.”
نظر ألبرت إلى دارون مباشرةً:
“لهذا تحتاجونني.”
اقترب أكثر من حواجز الزنزانة:
“أنا أعرف جداول الحراس. أعرف نقاط العمى. أعرف من يمكن رشوته. وأعرف من يجب تجنّبه مهما حدث.”
ثم انخفض صوته درجة:
“وأعرف شيئاً آخر.”
رفع دارون حاجبه بصمت.
قال ألبرت:
“إيفيلين مهتمة بك أكثر مما تُظهر.”
ساد الصمت للحظة.
تابع ألبرت:
“راهنت عليك علناً. رفضت بيعك رغم العروض الكبيرة. وتتابع قتالاتك بنفسها.”
توقف.
“هذا ليس اهتمام مالكة ساحة بمقاتل قوي فحسب.”
تغيّرت نظرة دارون قليلاً. ليس تغيّراً كبيراً. لكن لمن يعرف كيف يقرأ وجهه كان واضحاً.
قالت سكارليت بحدة:
“وماذا يعني هذا؟”
أجاب ألبرت:
“يعني أن دارون ليس سجيناً عادياً. وأن إيفيلين لن تسمح له بالموت بسهولة. وهذا يمنحنا فرصة.”
جلس دارون بصمت.
والصمت كان من النوع الذي يعمل فيه شيء ما لا يُرى.
ثم قال:
“حتى لو صدّقتك… لماذا تخاطر بحياتك لأجلنا؟”
خفض ألبرت نظره للحظة. نظر إلى يديه المرتجفتين. تلك اليدان اللتان كانتا يوماً تمسكان حكماً كأنه يقين ثم وجدتا أنفسهما فارغتَين من كل شيء.
ثم رفع رأسه:
“لأنني للمرة الأولى… أريد إنقاذ شخص بدلاً من قتله.”
الصمت الذي تلا الجملة لم يكن صمت التوتر.
كان صمت أشخاص بدأت مصائرهم تتشابك دون أن يُقرّروا كلهم متى بدأ ذلك بالضبط.
تنهّد دارون.
ثم أشار نحو الداخل بإيماءة بسيطة:
“اجلس.”
اتسعت عينا يوجين فوراً. في وجهه ذلك البريق الذي يأتي حين يرى شيئاً يُثبت نظريته عن الأشياء.
بقيت سكارليت حذرة. يدها لم تبتعد كثيراً عن الخنجر. لكنها لم تمنع. وعدم المنع من سكارليت كان في حد ذاته موافقة.
وقف ألبرت لحظة عند المدخل.
كأنه لم يُصدّق ما سمعه بالشكل الكامل بعد. ثم جلس ببطء في الزاوية المقابلة.
نظر إليه دارون مباشرةً:
“من الآن فصاعداً…”
“لن تكون قاضياً. ولا قديساً. ولا منفّذ تطهير.”
ثم انخفض صوته:
“إذا أردت البقاء معنا… فستتعلم كيف تكون إنساناً.”
ارتجفت عينا ألبرت للحظة.
لم يُجب. لكنه خفض رأسه بصمت كان فيه إقرار لا يحتاج إلى كلمات.
وفي تلك الليلة، لأول مرة منذ سنوات طويلة جداً، لم يشعر ألبرت بأنه وحيد.
لم يكن الشعور مريحاً بالكامل. كان فيه قلق حقيقي، قلق من لا يعرف بعد إن كان يستحق المكان الذي جلس فيه. لكنه كان حاضراً. وحضوره وحده كان يختلف عن كل ما عرفه.
وكانت الزنزانة في ظلامها المعتاد.
لكن فيها الآن أربعة أشخاص بدلاً من ثلاثة.
وكان هذا، بطريقة ما، يُغيّر شيئاً في طبيعة الظلام.