الفصل 139 - الخطيئة
في اليوم الثالث بعد القتال، انهار ألبرت.
لم يكن انهياراً بطيئاً تدريجياً. كانت كل ما راكمه من سنوات قد تحمّل حتى آخر لحظة ممكنة، ثم توقف عن التحمّل دفعةً واحدة. كأن الجدار الذي بناه حجرة حجرة على مدى عمر بأكمله قرّر في لحظة واحدة أن يتذكر أنه لم يكن يوماً أقوى من ما وراءه.
صرخ حتى جفّ حلقه.
بكى حتى تقرّحت عيناه.
وحطّم الجدار برأسه، أو ربما حطّم رأسه بالجدار، ولم يعد يُفرّق بين الاثنين ولم يعد يهتم.
يومٌ مرّ ثم آخر. لم يستطع النوم. كلما أغلق عينيه كانت هناك وجوه. ليس كالكوابيس التي تعرفها، لم تكن وجوه تطارده. كانت فقط موجودة. صامتة. تنظر إليه بتلك الطريقة التي تنظر بها الأشياء التي لا يمكن إصلاحها.
وفي اليوم الثالث، وهو قشرة من رجل لم يبقَ منه سوى ما يكفي للمشي، اتجه نحو قصر إيفيلين.
دخل وكانت الزمردية إيفيلين في مكانها.
نظرت إليه حين دخل. نظرة واحدة كانت كافية لترى ما الذي أمامها، أو ما الذي تبقّى مما كان أمامها.
قال ألبرت قبل أن تتكلم:
“أعلم أنكِ ستُرفضين طلبي لو أخبرتكِ أنني أريد حرية دارون. لذا سأتجنبه. أريد مقابلته على الأقل.”
صمتت إيفيلين لحظة.
ثم قالت بنبرة فيها شيء يشبه الاهتمام الذي لا يُعلن عن نفسه:
“حسناً. كنت متأكدة تماماً أنك ستطلب إما إعدامه أو تحريره، وكنت أنوي رفضك بالتأكيد. لقد أدهشتني.”
قال ألبرت بنفس الصوت الجاف الذي لم يعد فيه من قوته القديمة شيء:
“لم أسمع ردك.”
قامت إيفيلين. مشت بجانبه ببطء بتلك الطريقة التي تمشي بها من تملك المكان وتعرف ذلك. أشارت بيدها بعفوية:
“حسناً. لقد كسبت الكثير من قتالاتك. سأسمح لك بمقابلته.”
قادته إيفيلين عبر الممر المظلم.
أصوات الساحة الأبدية تبعد ثم تبعد أكثر كلما دخلوا في العمق. كان ألبرت يمشي خلفها ويداه على جانبيه وعيناه على الأرض أمامه. لم يكن يرى ما يمر به من جدران وأبواب. كان يرى أشياء أخرى.
ثم فُتح باب زنزانة.
في الداخل كانت فتاة شقراء بعيون رمادية تحمل في نظرتها شيئاً يشبه الحذر الفوري، وطفل صغير خلفها. التفت ألبرت نحو إيفيلين بنظرة لم تخلُ من غضب خافت، لكنه أدرك بسرعة أن وضعه لا يسمح له بقول شيء في هذا الموضوع الآن.
ثم رأى الزاوية.
كان دارون جالساً فيها.
لم يتحرك حين فُتح الباب. لم يُصدر صوتاً ولم يُبدّل وضعيته. فقط نظر. نظرة واحدة هادئة من عيني شخص نام جيداً مؤخراً ولا يحمل ما يضطره إلى اليقظة المبكرة.
وقف ألبرت.
نظر إلى دارون لثوانٍ.
ثم نزل على ركبة واحدة.
قال بصوت لم يبقَ فيه من صوت القديس الأبيض شيء:
“أرجوك. أحكم عليّ بنفسك.”
قال دارون بصوت منخفض:
“أرفض ذلك.”
ساد الصمت.
صمت من النوع الذي يملأ الغرفة ليس بغياب الصوت بل بحضور ثقل لا اسم واضح له. الجدران الحجرية الباردة، والضوء الخافت الذي لا يصل إلى كل الزوايا، وثلاثة أشخاص ينتظرون ما سيحدث بعد كلمتين.
كانت يدا ألبرت ترتجفان على ركبتيه. ورأسه منخفض بطريقة لا تُشبه الاحترام بل تُشبه ثقل شيء لم يعد يستطيع حمله مرفوعاً.
وكان هدوء دارون، ذلك الهدوء المستفز الذي لا يُشبه اللامبالاة لكنه لا يُشبه الاهتمام بالشكل المعتاد، هو ما كسر ألبرت أخيراً.
رفع رأسه.
كانت في عينيه كل ما جمعه الثلاثة أيام الماضية من وجوه وأصوات وكل ما لم يستطع إيقاف تدفقه:
“لماذا؟”
لم يُجب دارون.
ضغط ألبرت على أسنانه حتى سال شيء على طرف لسانه.
“لماذا ترفض؟!”
ارتفع صوته فجأة وكان في الارتفاع انكسار لا قوة:
“أنا قتلت ناساً لا يُحصَون! قتلت الضعفاء والأبرياء! أقنعت نفسي أنني العدالة بينما كنت مجرد وحش!”
ضرب الأرض بقبضته. الصوت ارتدّ من الجدران.
“إذا لم تحكم عليّ… فمن سيفعل؟!”
أغمض دارون عينيه لحظة واحدة.
ثم فتحهما ونظر إلى ألبرت مباشرةً.
“أنت لا تريد حكماً.”
تجمّد ألبرت.
“أنت تريد الهروب.”
اتسعت عينا ألبرت.
لم يكن يتوقع هذا. كان يتوقع الغضب أو الرفض أو ربما حتى الموافقة. لكن ليس هذا. ليس شخصاً يجلس في السلاسل وينظر إلى من جاء يطلب عقوبته ويقول له إنه يهرب.
قال دارون بهدوء لم يُخفّف شيئاً في الجملة:
“العقوبة أسهل من التغيير.”
صمت.
ثم ضحك ألبرت.
لم تكن ضحكة الانتصار ولا ضحكة المنتقد. كانت ضحكة مكسورة تجد فيها أصوات كل شيء تراكم وليس له مكان آخر يذهب إليه. ضحكة أقرب إلى البكاء من أي شيء آخر.
“أسهل؟”
رفع رأسه وعيناه حمراوتان من أيام لم يغمضهما فيها كما ينبغي:
“هل تُسمّي هذا سهلاً؟ رأسي يتمزق منذ ثلاثة أيام! لا أستطيع النوم! كلما أغلقت عيني رأيت وجوههم!”
ارتجف صوته في المكان الأوسط من الجملة:
“أسمع صرخاتهم. أرى أمي. ذلك الرجل داخل الكنيسة. الأطفال. الجميع.”
أخذ نفساً مرتعشاً.
“أنا أستحق الموت.”
نظر إليه دارون طويلاً.
ثم سأل بصوت لا يتسرع:
“ولو مت… ماذا سيتغير؟”
صمت ألبرت.
“هل سيعود الموتى؟”
لا جواب.
“هل ستختفي معاناتهم؟”
خفض ألبرت رأسه. كان في الإجابة الصامتة إقرار لا يحتمل قوله بصوت عالٍ.
مال دارون قليلاً للأمام.
“الموت ليس تكفيراً يا ألبرت. أحياناً يكون مجرد هروب جبان.”
تجمّد جسد ألبرت بالكامل.
كأن الكلمتين الأخيرتين لم تدخلا أذنيه بل وجدتا طريقاً مباشراً إلى المكان الذي لا يصله كلام عادي.
ضغط على شعره بعنف وهمس:
“إذن ماذا تريدني أن أفعل؟”
رفع رأسه وفي صوته كل ما لا يجد شكلاً:
“أخبرني ماذا أفعل ماذا بحقك؟!”
وقف دارون.
كانت السلاسل على يديه تُصدر صوتها المعتاد. لكن خطواته كانت هادئة. ليس هدوء من لا يهتم. هدوء من قرّر كيف يمشي.
توقف أمام ألبرت.
ونظر إليه من الأعلى بعيني من لم يرفع نفسه على أحد حين نظر بهذه الطريقة.
قال كلمة واحدة:
“عِش.”
اتسعت عينا ألبرت ببطء. كأن الكلمة لم تصل كلمة بل وصلت كشيء آخر، كشيء يُحتاج إلى وقت للهضم.
أكمل دارون بنفس الصوت المنخفض الثابت:
“عِش بينما تتذكر كل شيء. عِش وأنت تعلم أنك كنت مخطئاً. عِش رغم احتقارك لنفسك.”
ثم انخفض صوته أكثر حتى صار شيئاً يملأ الغرفة دون أن يرفعها:
“هذا أصعب بكثير من الموت.”
سكتت الغرفة.
في الزاوية الأخرى، كانت سكارليت واقفة بعيون لا تُفصح عما فيها لكنها تتابع. ويوجين بجانبها بتلك الطريقة التي يتابع بها دون أن يتظاهر بأنه لا يتابع.
وإيفيلين عند الباب بذلك الهدوء الذي لا يُقرأ.
تابع دارون:
“أنت كنت تؤمن أنك الحق المطلق. لهذا منحت نفسك حق الحكم على الآخرين.”
رفع يده المقيدة قليلاً.
“لكن البشر لا يملكون الحقيقة المطلقة. نحن نرى أجزاء صغيرة فقط. أنت رأيت الذنب فظننته شراً. لكن الذنب لا يعني دائماً الخبث.”
التفت نحو سكارليت ويوجين للحظة، ثم عاد:
“الأم تشعر بالذنب لأنها لا تستطيع إطعام طفلها. الجندي يشعر بالذنب لأنه نجا بينما مات رفاقه. الرجل الطيب يشعر بالذنب لأنه لم ينقذ شخصاً أحبه.”
صمت.
“الذنب ليس دليلاً على الشر. أحياناً هو دليل على أن الإنسان ما زال يملك قلباً.”
ارتجفت حدقتا ألبرت.
“أنا… كنت أقتل الناس لأنهم يتألمون؟”
لم يُجب دارون مباشرة.
“القوة لا تجعل الإنسان محقاً. والمعاناة لا تمنحه حق إصدار الأحكام.”
اقترب خطوة.
“لا أحد يملك الحق في تحديد قيمة روح أخرى وفق رغبته. لا أنا. ولا أنت. ولا أي شخص.”
رفع ألبرت نظره ببطء.
وهمس:
“إذن… لا يوجد خلاص لي.”
تنهّد دارون بهدوء.
“بل يوجد. لكنه ليس مريحاً.”
توقف ألبرت مترقباً كأن الكلمات القادمة هي شيء سيُحدّد شيئاً لم يُحدَّد بعد.
قال دارون:
“إذا كنت تريد التكفير، فتوقف عن التفكير بنفسك فقط. كل هذا الوقت، حتى ندمك يتمحور حولك. ألمك. كرهك لنفسك. رغبتك بالعقوبة.”
ثم:
“لكن ماذا عن الآخرين؟”
صمت ألبرت.
“كم شخصاً يمكنك إنقاذه بدلاً من قتله؟ كم روحاً محطمة يمكنك حمايتها لأنك تفهم الألم الآن؟ كم طفلاً يمكنك منحه فرصة لم تمنحها لغيره؟”
وضع دارون يده المقيدة على كتف ألبرت. بهدوء. بلا قوة زائدة ولا رمزية مُصطنعة.
“التكفير ليس أن تدفع ثمن خطاياك بالموت. بل أن تمنع العالم من إنتاج المزيد من الأشخاص مثلك.”
ارتعش جسد ألبرت بالكامل.
وكان في الارتعاشة نهاية شيء وبداية شيء في نفس اللحظة. كأن ذلك القناع الأخير، قناع القديس، قناع القاضي، قناع الرجل الذي ظن نفسه فوق مساءلة أي شيء، كان ينزلق أخيراً. ليس بقرار بل بثقل الحقيقة التي لا يُقاوَم وزنها حين تجد مكانها.
وتحت القناع.
إنسان محطم.
إنسان مذنب.
إنسان يريد، ولأول مرة في حياته يُقرّ بأنه يريد، أن يصبح أفضل.
خفض ألبرت رأسه ببطء.
وبكى.
ليس البكاء الذي يأتي مع تبرير. ليس البكاء الذي يقول: “أنا أبكي لأنني ظُلمت” أو “أبكي لأن الوضع صعب عليّ.” كان البكاء الذي لا يحمل تبريراً. البكاء الذي يقول فقط: “أنا كنت مخطئاً” دون أن يُضيف شيئاً بعدها.
لأول مرة في حياته.
بكى دون أن يُحاول تبرير نفسه.
وكان دارون واقفاً أمامه بسلاسله وبهدوئه المستفز الذي لا يُشبه أي شيء ينبع من اللامبالاة.
وكانت الغرفة صامتة بتلك الطريقة التي تصمت بها حين يحدث فيها شيء لا يحتاج إلى تعليق.
وكان في صمت يوجين وسكارليت في الزاوية الأخرى شيء يُشبه الفهم الذي يأتي دون أن يُطلب.
وفي الخلفية، عند الباب، كانت إيفيلين تنظر إلى دارون بنظرة لم تكن فيها من إيفيلين الكثير.
كانت فيها شيء آخر.
شيء يُشبه التساؤل الحقيقي.