الفصل 138 - ألبرت
كانت السماء تمطر يوم وُلد ألبرت.
ليس ذلك المطر الذي يُنظّف الأرض ويجعل الهواء يشمّ بالبداية. كان المطر البارد القاسي الذي يجعل الأزقة تبدو كأنها أوردة جثة عملاقة تتعفن ببطء. ذلك المطر الذي لا يُبلّل الملابس فحسب بل يتسلل إلى ما تحت الجلد ويُقنع الجسد بأن البرد هو الحالة الطبيعية للأشياء.
في تلك الليلة كانت أمه تضمّه إلى صدرها.
غرفة خشبية متداعية يتسرب الهواء من بين ألواحها، والضوء الوحيد فيها شمعة صغيرة تُقاوم ما تبقى من شمعها. وفي الخارج، صرخات تهزّ الجدران الرقيقة كأنها تريد اختبار إلى متى يمكن لشيء ضعيف أن يصمد.
والده.
لم يكن رجلاً بالمعنى الذي تحمله الكلمة. كان كل شيء فيه يُشير إلى رجل كان يوماً ما من قبل و لكنه انهار دون أن يُدرك متى بدأ الانهيار. عيناه حمراوتان دائماً، والكحول الرخيص على أنفاسه يُسبق وصوله إلى الغرفة. وكان يصرخ بأن العالم ظلمه وأن الجميع حوله خطاة يستحقون ما يُصيبهم.
وكل ليلة كانت يداه تجدان طريقهما إلى زوجته.
كان ألبرت يرى.
كان صغيراً جداً ليفهم كل شيء لكنه كان كبيراً بما يكفي ليشعر بشيء واحد بوضوح مطلق: الاشمئزاز.
لكن كان هناك شيء آخر أيضاً. شيء لم يفهمه وقتها بل لاحظه فقط.
ضوء.
ضوء أبيض خافت يظهر حول والده كلما صرخ أو ضرب. كأن جسده يُصدر شيئاً حين يُصدر ما يُصدره. والطفل ألبرت كان ينظر إلى ذلك الضوء بتلك النظرة التي ينظر بها الأطفال إلى الأشياء التي لا يستطيعون تسميتها بعد لكنهم يشعرون أنها مهمة.
في إحدى الليالي، حين كانت أمه تبكي بصمت ووالده منهاراً على الأرض لا يُصدر إلا أصوات النوم الثقيل، اقترب الطفل ألبرت.
مشى نحو الرجل المنهار بخطوات طفل يختبر شيئاً لأول مرة دون أن يعرف خطورة ما يُختبَر.
لمس وجهه.
انفجرت الغرفة بضوء.
لم يكن ضوء الشمعة. كان شيئاً آخر تماماً، أبيض ومقدس بطريقة لا تُوصف، يملأ كل زاوية وكل شقّ وكل مكان كان الظلام يسكنه لحظة قبل.
صرخة. تشنجات. ثم سكون.
مات والده.
ونظر الطفل ألبرت إلى يديه.
لم يشعر بالخوف. لم يشعر بالذعر الذي يجب أن يُصيب طفلاً رأى ما رآه. شعر بشيء لم يشعر به من قبل في تلك الغرفة الباردة.
راحة.
وفي تلك الراحة، همست له قدرته بأول كلمة:
“الخطاة يجب أن يُطهَّروا.”
بعد تلك الليلة، أصبحت أمه تخافه.
لم تضربه. لم تُهنه. لم تفعل شيئاً يمكن تسميته بالقسوة. كانت في الواقع أكثر حناناً في تعاملها معه بعدها، كأنها تُحاول بحنانها أن تُغطّي شيئاً.
لكنها كانت تنظر إليه بعيون مرتجفتين.
عينان فيهما شيء واحد مسيطر.
ذنب.
وكان ألبرت يشعر به. كلما اقترب منها، كانت قدرته تنشط بقوة تفوق ما يشعر به مع أي شخص آخر. دفء يسري في عروقه. شعور بالامتلاء. شعور يُشبه العظمة في عقل طفل محطم لم يعرف في حياته شيئاً يُشبه العظمة.
وبنى ألبرت الطفل منطقه على ما لديه.
القوة تنشط عندهم. إذن هم خطاة. إذن ما يحدث لهم عدل. إذن قدرته لا تكذب.
كان المنطق بسيطاً. وكانت البساطة هي المشكلة.
كبر ألبرت في مدينة تجعل أي منطق مُبسَّط يبدو معقولاً.
كانت أزقتها تحكي قصصاً لا يريد أحد سماعها. اللصوص يسرقون ليطعموا أطفالهم. النساء يبعن ما لا ينبغي بيعه ليشترين الليلة القادمة. والأطفال يتعلمون في سن مبكرة جداً أن الحياة ليست شيئاً يُحمى بل شيء يُقاتَل عليه.
وكان ألبرت يرى الذنب في الجميع.
في اللص الذي يُغلق عينيه لحظة قبل أن يمد يده. وفي المرأة التي تُطرف عينها بسرعة كلما مرّت بكنيسة. وفي الطفل الذي ضرب أخاه على رغيف خبز. وفي الرجل العجوز الذي يرفض أن ينظر في المرآة.
حتى أولئك الذين لم يفعلوا شيئاً. حتى من كانت ذنوبهم مجرد قصور داخلي، إحساس بأنهم كانوا يستطيعون فعل المزيد وأنهم لم يفعلوه.
كانوا جميعاً خطاة في منطقه.
وكانت قدرته تتحدث فيهم جميعاً.
في البداية قتل دفاعاً عن نفسه. ثم قتل لأنه رأى نفسه منقذاً ينزل العقاب على المستحقين. ثم، في نقطة لا يتذكر متى جاءت بالضبط، لم يعد يتوقف. صارت الفجوة بين “قرر القتل” و”قتل” تضيق حتى اختفت.
ذات مرة، وجد رجلاً هزيلاً داخل كنيسة مدمرة.
كان الرجل يرتجف. ليس ارتجاف الخوف من ألبرت، بل ارتجاف من يحمل شيئاً من الداخل ثقيلاً جداً دون أن يجد أين يضعه. يداه كانتا تُمسكان بأطراف معطف رثّ كأنهما تبحثان عن شيء تُحكم القبضة عليه.
وقدرة ألبرت تضاعفت ضده بشكل مرعب.
ابتسم ألبرت. ابتسامة رجل يجد الدليل الذي كان يبحث عنه:
“حتى روحك تعترف بذنوبك.”
بكى الرجل.
ثم قال بصوت مكسور كصوت شيء يصدع ببطء:
“أنا فقط… لم أستطع إنقاذ ابني.”
توقف ألبرت لثانية.
لم يُفكّر. أو ربما فكّر وقرّر ألا يُكمل التفكير. لأن إكمال التفكير كان يعني سماع شيء لا يريد سماعه.
وقطع رأسه.
مع السنوات، صار الناس يُسمّونه القديس الأبيض.
الرجل الذي ينزل العقاب على المذنبين. الرجل الذي لا يُخطئ. الذي يحكم باسم العدالة ولا يحتاج إلى دليل غير قدرته.
وكان ألبرت يتشبث باللقب بجنون.
لأن اللقب كان حائطاً.
حائط يقف بينه وبين سؤال واحد كان يُطرق الباب منذ الليلة التي مات فيها والده وألبرت ينظر إلى يديه.
إن لم يكن الحق المطلق، فماذا يكون؟
قاتل؟
وحش؟
طفل خائف قتل والده في ليلة باردة ثم قضى عمره كله يبني فوق تلك اللحظة قصة تجعلها تبدو مقدسة؟
لا.
كان يحتاج أن يكون مقدساً. كان يحتاج أن قدرته هبة لا لعنة. كان يحتاج أن الدماء التي على يديه كانت بأمر من شيء أعلى منه وليست مجرد دماء.
وإلا…
فإن كل ما فعله كان مجرد جرائم.
ثم جاء يوم أمه.
كانت جالسة قرب النافذة تنظر إلى المطر. كانت وجدتها كثيراً هكذا في السنوات الأخيرة، تنظر إلى الخارج بتلك النظرة التي لا تنتظر شيئاً بالضبط لكنها لا تُغادر النافذة.
اقترب منها.
وشعر بقدرته تثور.
ليس بشكل عادي. كان شيئاً يتجاوز ما عرفه من قبل. أعظم استجابة تلقّاها من إنسان في حياته كلها. الدفء الذي كان يصف نفسه بالقداسة اندفع فيه دفعة واحدة حتى كاد يُسقطه.
حتى هو ارتعب.
نظر إليها بصدمة وسأل:
“ما خطيئتك؟”
ارتجفت شفتاها.
ثم فعلت شيئاً لم يتوقعه.
احتضنته.
ذراعاها حول ظهره كأنه لا يزال ذلك الطفل الذي كانت تضمه في الغرفة الباردة، والمطر يضرب النافذة خلفهما. وكانت تبكي، بكاء هادئ لا صرخات فيه.
وقالت بصوت لم يُوجد خصيصاً للعقاب ولا للمواجهة. صوت مجرد وهادئ وصادق:
“خطيئتي… أنني كنت أماً سيئة.”
تجمّد ألبرت.
لكن قدرته لم تتجمد معه. استمرت بالتصاعد. أقوى. ثم أقوى. ثم حتى لم يسمع سوى صوت واحد يملأ كل شيء في رأسه:
“الذنوب العظيمة… تستحق تطهيراً أعظم.”
وحين استعاد وعيه…
كانت جثتها باردة بين ذراعيه.
والمطر لا يزال يضرب النافذة.
من ذلك اليوم لم يعد ألبرت إنساناً كاملاً.
صار رجلاً يهرب. لكنه كان يهرب بطريقة تبدو من الخارج وكأنها ثبات. يمشي نحو كل شيء يخافه بدلاً من الابتعاد عنه. يقتل كل من يحمل الذنب لأنه لا يحتمل أن يرى على وجه أحد ما يرفض رؤيته على وجه نفسه.
القديس الأبيض.
الرجل الذي لا يُخطئ.
لأنه لو أخطأ، لو كانت قدرته مجرد لعنة تسحق من يشعر بالذنب بصرف النظر عن براءته أو إجرامه، إن كانت لا تُفرّق بين رجل يسرق لأنه جائع وأمّ تبكي لأنها تظن أنها قصّرت، إن كانت عمياء لا عادلة…
فماذا يكون كل ما فعله؟
في تلك الزنزانة في كاريثيون، في ذلك المكان الذي لا تصله الأسئلة السهلة، كان دارون مستلقياً بعيون مغلقة.
وفي مكان آخر من المكان ذاته أو قريب منه، كان ألبرت جالساً وحده.
لا فهد أسود. لا دارون. لا أحد.
فقط رجل مع كل ما فعله وكل ما لم يفعله وكل ما لن يستطيع التراجع عنه مهما أمضى من الوقت يُفكّر.
وكان المطر، في مكان ما بعيداً عن الساحة الأبدية وعن كاريثيون وعن كل هذا، لا يزال ينزل بنفس الطريقة التي نزل بها ليلة وُلد فيها طفل لم يختَر في أي مكان يُولد ولا تحت أي مطر.
وكانت هذه ربما هي المشكلة الوحيدة التي لم يكن لأي قدرة في العالم جواب عليها.