الفصل 137 - القناعة الزائفة
كانت الفهد الأسود تُقاتل كما تُقاتل المفترسات الحقيقية.
ليس بالقوة الخام وحدها، وليس بالسرعة وحدها. كانت تُقاتل بالمنطق الذي يفهمه الصياد حين يُطارد فريسته، ذلك المنطق الذي يقول إن القتال ليس تبادل ضربات بل هو فرض الإيقاع على الخصم حتى يجد نفسه يستجيب لك لا يُبادر بنفسه.
تهجم ثم تتراجع في اللحظة المناسبة بالضبط. اللحظة التي يكون فيها الخصم قد فتح جانبه للرد لكنه لم يُغلقه بعد. ثم تعود من الزاوية التي لا يتوقعها. وتتراجع مجدداً حين يُحاول أن يُحوّل الدفاع إلى هجوم.
كانت رعباً حقيقياً في ساحة القتال.
لكن ألبرت لم يكن معها حقاً.
كان ألبرت في مكان آخر.
جسده كان هناك يرفع السيف ويصدّ المخالب ويتراجع حين يجب التراجع. لكن تفكيره كان في مكان بعيد عن الساحة، في مكان لا تصله مخالب الفهد الأسود لكنه كان يُمزّقه بطريقة مختلفة.
كانت قناعته تنهار.
وقناعة رجل مثل ألبرت لا تنهار بهدوء. كانت تنهار بضجيج داخلي صامت، كأن جداراً ضخماً يتشقق بطيئاً وكل صوت من أصوات التشقق يُسمع في كل أرجاء العقل.
لطالما كان هذا هو أساس وجوده. قدرته تنشط. الخصم مذنب. العقوبة تنزل. العدالة تتحقق. كانت الدائرة مغلقة ونظيفة ولم تحتج يوماً إلى مراجعة لأنها كانت تعمل.
ثم توقفت.
غمرته الذكريات كما تغمر موجة من لا يتوقعها.
وجوه. أسماء. لحظات.
رجل هزيل. كان يتذكره بوضوح غريب. لم يستطع رفع سيفه الخفيف حين وقف أمامه. يداه كانتا ترتجفان من شيء لم يكن الخوف وحده. كانت عيناه تحملان نظرة من يحمل شيئاً ثقيلاً منذ وقت طويل ولم يجد أين يضعه.
قدرته نشطت عنده بشدة.
وقتلهم.
لماذا؟ لأنه شعر بالذنب.
لكن الذنب عن ماذا؟ لم يسأل ألبرت هذا السؤال آنذاك. لم يُفكّر في أن الإجابة قد تُغيّر شيئاً. القدرة تنشط، والقدرة لا تكذب. هذا كان منطقه. هذا كان سقفه.
ثم ذكرى أثقل.
أمه.
كان ألبرت يقاتل الفهد الأسود وذكرى أمه تعود إليه بتفاصيل لم يسمح لنفسه بتذكّرها منذ سنوات.
كانت حنونة. هذه كانت أول صفة يجدها حين يبحث عن كلمة تصفها. حنون بالمعنى الذي لا يحتاج إلى تأكيد أو إثبات. من تلك النوع الذي يُحبّ بهدوء ويرعى دون أن يُعلن.
لكن قدرته نشطت عندها. نشطت في أعظم حالاتها. وكان هذا في منطقه القديم دليلاً دامغاً. دليل على جريمة كبيرة. دليل على خطيئة لا تُغتفر.
فقتلها.
والآن، بعد كل هذا الوقت، بعد أن فتح صندوقاً كان قد أغلقه بكل مفتاح يملكه، كان يجلس مع سؤال واحد لا يستطيع إسكاته:
‘لماذا كانت أمه تشعر بالذنب؟ ما الخطيئة التي ارتكبتها؟’
لم يعرف.
لم يسأل يوماً. اكتفى بأن القدرة نشطت وهذا كان يكفي.
لكنه الآن لم يكن كافياً بأي معنى.
كانت أمه حنونة ولطيفة ولم تؤذِ أحداً. كان يعلم هذا. كان يعلمه دائماً. لكنه قنع نفسه طوال سنوات طويلة بأنها مجرمة. أبنى فوق تلك القناعة كل ما هو عليه. كل قتال. كل حكم. كل لحظة رفع فيها سيفه باسم العدل.
كان قناعه الأخير قد سقط.
وتحته لم يكن وجهاً. كان فراغاً.
قناعته. ثقته. إيمانه بأنه يحمل الحق المطلق.
كانت مجرد قناع.
قناع يخفي خلفه ضعفاً حقيقياً وهشاشة لم يسمح لنفسه بالاعتراف بها يوماً. لأن الاعتراف بالهشاشة كان يعني الاعتراف بما فعله. وما فعله كان أثقل من أي شيء يمكن حمله إن نُزعت عنه قصة التبرير.
قاتل الكثير.
الضعفاء الذين لم يستطيعوا حمل سلاحاً. والأقوياء الذين ماتوا في القتال. وبينهم جميعاً أمه التي كانت تُحبّه ولم تفهم ما الذي فعلته لتستحق ما فعله بها.
وكل هذا باسم العدل.
استجاب جسده لما في عقله.
ليس بالإرهاق الجسدي وحده، وإن كان ذلك موجوداً بوضوح. كان استجاباً من نوع آخر. ذلك النوع الذي يحدث حين يفقد الشخص السبب الذي كان يُقاتل من أجله في منتصف القتال نفسه.
توقف.
الفهد الأسود توقفت أيضاً. وقفت في مكانها بعيون صفراء تُراقب. كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة أو كأنها قرأت فيه شيئاً قرّر أن ينتهي.
والساحة صمتت.
المدرجات التي كانت تُصدر أصواتها المعتادة باتت أهدأ. كأن ما يحدث في منتصف الرمال البيضاء كان شيئاً يستحق نوعاً مختلفاً من الانتباه.
ثم قال ألبرت بصوت لم يكن يُشبه صوته في أي لحظة من هذا القتال.
كان متردداً. وكانت فيه رجفة خفيفة لا تُناسب رجلاً بحجمه وبخبرته. لكنها كانت حقيقية بطريقة لم يكن في صوته شيء حقيقي بهذا القدر من قبل.
ملأ الصوت الساحة بأسرها:
“أنا… أستسلم.”
دوّت الأبواق.
صوت عميق وطويل أعلن نهاية المعركة. وكان في صوت الأبواق شيء لم تكن فيه عادةً، شيء يُشبه الاستغراب. كأن الساحة الأبدية نفسها لم تكن تتوقع هذه النهاية.
مشى ألبرت نحو بوابته. خطوات ثابتة في الظاهر لكن من ينظر بعناية كافية يرى الفارق. ليست خطوات الرجل الذي دخل الساحة.
وقف لحظة عند البوابة، وكان ظهره لدارون.
لم يلتفت.
لكن دارون رأى بقدرته العقلية ما لا يُرى بالعين العادية. الإرادة التي كانت تنبع من ألبرت كانت تتقلب بطريقة لم يشهد دارون مثيلها من قبل. كأن شيئاً كان قد بُني على مدى سنوات طويلة جداً وكان الآن يسقط من أعلى ارتفاعه دفعة واحدة. كأن كياناً بأكمله كان يُعيد تعريف نفسه في لحظة لم تكن معدّة لهذا النوع من إعادة التعريف.
بدا الأمر وكأن إنساناً بأكمله قد تحطم.
ثم اختفى ألبرت خلف البوابة.
أحسّ دارون بالفهد الأسود بجانبه.
جسدها الكبير الدافئ كان يتكئ عليه بلطف يُناقض حجمها، يُعطيه شيئاً يستند إليه حين كانت ساقاه تتحدثان عن الاعتراض. أسعفته نحو البوابة الخاصة به خطوة خطوة، وكان صوت الرمال تحت قدميه شيئاً اعتاده الآن.
ثم انساب الفهد الأسود إلى الداخل.
كان يوجين عند الباب.
لم يكن قد نام. كان واضحاً أنه لم يُحاول. كان جالساً عند الباب وعيناه البنيّتان مفتوحتان على مصراعيهما، وحين فُتح الباب ورأى ما عليه دارون، فاضت تلك العينان.
لم يقل شيئاً. فقط مشى نحوه ووضع يديه عليه والحرارة الهادئة المعتادة انطلقت.
استغرق الأمر ساعة كاملة هذه المرة. أطول من المعتاد. وكان دارون يعلم السبب، الفهد الأسود تُساعد من الداخل، تُسرّع ما كان سيأخذ وقتاً أطول بكثير لولا تدخّلها. الجرح من الكتف إلى الخصر وحده كان يستحق أكثر من ساعة دون هذه المساعدة.
جلس دارون متكئاً على الجدار وعيناه مغلقتان وجسده يقبل ببطء ما يُعطاه.
وحين انتهى يوجين، جلست سكارليت بجانب دارون.
لم تقل شيئاً في البداية. كانت تنظر إلى الجدار المقابل بتلك النظرة التي تعني أن الكلام يتشكّل في رأسها وليس جاهزاً بعد.
ثم قالت:
“ماذا حدث له؟ لماذا استسلم؟”
أجاب دارون بصوت أجشّ لا يزال فيه أثر القتال:
“لا أعلم بما يمر به حالياً. لكنني أستطيع أن أقول شيئاً واحداً.”
توقف.
“سينهار. إرادته تتقلب بجنون. وعقل يحمل ما يحمله لن يتحمل ذلك طويلاً.”
نظرت إليه سكارليت لثانية. ثم أشاحت بنظرها نحو الجدار مجدداً.
قالت بنبرة فيها شيء بين البرود والراحة:
“حسناً. هذا للأفضل. لن نراه مرة أخرى على الأرجح.”
استلقى دارون.
أغمض عينيه.
لم يكن التعب وحده ما يُثقل جفنيه. كان شيئاً آخر يُلازمه منذ أن قالها ألبرت. منذ أن قالها ووجهه يحمل ذلك الانهيار الذي لا يُشبه الهزيمة العادية.
الحق المطلق.
همّ الكلمة في رأسه ببطء.
رجل بنى حياته كلها على قناعة أنه يحمل الحق المطلق. أن قدرته دليل، وأن الدليل حكم، وأن الحكم عدل. دائرة مغلقة لا تحتاج إلى مراجعة لأنها كاملة في نفسها.
لكن الدوائر المغلقة التي لا تُراجع لا تكتشف أخطاءها إلا حين تنهار. وحين تنهار لا تنهار بهدوء.
‘لا يوجد شيء كهذا في العالم.’
الحق المطلق. لا يملكه أحد. لا السيف الذي يُصيب المذنب ولا القدرة التي تنشط عند شعور الخصم بالذنب. لأن الذنب والبراءة ليسا أبيض وأسود بالطريقة التي كان ألبرت يريدهما أن يكونا عليها. وبينهما مساحة شاسعة يعيش فيها معظم الناس معظم حياتهم.
المشكلة ليست في القدرة.
المشكلة كانت في من يحمل القدرة ويُقرّر ما تعنيه.
أغمض دارون عينيه أكثر.
وفي مكان ما في صدره، في تلك الفوهة التي كانت لا تزال موجودة رغم كل الأشهر الماضية، كان شيء ما يتحرك.
ليس انغلاقاً. الفوهة لم تُغلق.
لكنها ربما، للمرة الأولى منذ وقت طويل، أصبحت أقل سواداً قليلاً في الأطراف.