الفصل 134 - ألبرت
تبادلنا النظرات لثوانٍ.
لم تكن ثواني الاستعراض التي يُحبّها بعض المقاتلين. كانت ثواني قراءة، كل منا يجمع ما يستطيع جمعه من المسافة التي بيننا قبل أن تنتهي. أنا أقرأ طريقة وقوفه وتوزيع ثقله وطريقة قبضته على السيف. وهو يقرأ ما يقرأه.
ثم انطلقنا.
كان الاندفاع الأول كاشفاً بطريقة لا تكون الاندفاعات الأولى دائماً كاشفة.
التقت سيوفنا في الهواء بصوت جعل المدرجات تشهق لحظة، ثم تحوّلنا إلى ذلك الإيقاع الذي تعرفه الساحة الأبدية، ضربة وصد وانفصال وعودة، حركة تشبه الرقصة لمن يراها من المدرجات وتشبه الصراع على الحياة لمن يعيشها من الداخل.
المحترف في المدرجات الذي يعرف ما الذي ينظر إليه كان يُدرك الحقيقة.
كنت أُدفع للخلف.
لم يكن بوضوح مَن يسقط. كان بوضوح من يستهلك أكثر مما يكسب في كل تبادل. كل صدّ كان يكلّفني أكثر مما كلّفه هو. وكل ضربة لقيت أكثر مقاومةً مما ينبغي، كأنه لا يستقبلها فحسب بل يُعيدها إليّ وفيها شيء إضافي لم تحمله حين انطلقت.
وكانت قوته تتصاعد.
ليس تصاعد من يجد إيقاعه تدريجياً. كان تصاعداً حقيقياً قابلاً للقياس، كأن شيئاً يُغذّيه مع كل لحظة تمر.
أحسست بذراعَيّ تبدآن في الارتجاف في الهجمة الثانية عشرة. وكانت الهجمة الثانية عشرة ليست الأخيرة.
تراجعت بقفزة سريعة للخلف.
كان قراراً خاطئاً. أدركت هذا في اللحظة ذاتها التي فعلت فيها، لكن الجسد أحياناً يتخذ قراراته قبل أن يُشاور العقل.
رأى الثغرة.
لم يتردد.
سيفه جاء في ضربة جانبية حملت فيها كل زخم اندفاعه وكل ما تراكم من قوة، وكان مسارها يمرّ بالضبط حيث كنت في نهاية قفزتي، حيث لا أرض صلبة تحتي بعد ولا توازن كامل.
ارتطمت بالأرض وطرت عدة أمتار قبل أن أعثر على مكان أتوقف فيه.
‘ليس هذا ما أردته.’
نهضت باستعجال، لكنه كان قد قطع المسافة بيننا بسرعة لا تُشبه حجمه. ضربة جانبية أخرى وصدّيتها، وكان في كتفَيّ لحظة الصد شيء يُشبه إنذار الانكسار. صمدا. لكنهما أخبراني بوضوح أنهما لن يفعلا ذلك إلى ما لا نهاية.
تراجعت أكثر.
ثم أحسست به.
ألم غريب في خصري.
ليس الألم الذي يأتي بعد ضربة تعرفها. كان ألماً نشأ في مكانه. حرارة تتجمع على الجانب الأيسر من خصري وشعور رطب ومألوف لكن في وقت خاطئ.
نظرت.
دمي.
جرح. ليس كبيراً لكنه موجود، ودارون لم يُحسّ به حين حدث. لم يكن هناك لحظة أحسست فيها بسيفه يصلني.
‘متى؟ هو لم يصبني بشكل مباشر.’
ضيّقت عيني ونظرت إلى ألبرت.
كانت تعابير وجهه لم تتغير. جليد نظيف فوقه هدوء من لم يبلغ بعد نقطة الجهد الحقيقي. وكان في ذلك الجليد شيء يُزعجني أكثر من أي صرخة حماسية.
وضعي سيء. هذه كانت الحقيقة العارية.
متعب من صد تلك الهجمات المتصاعدة. مجروح بجرح لا أعرف متى جاء. وهو أمامي في حالته المثلى بل أفضل مما كان في بداية القتال.
قال ألبرت بنفس نبرته الهادئة التي كانت تحمل فيها كل كلمة نفس الثقل القديم:
“أيها المذنب… سأُطهّر روحك من خطاياك وأُحرّرك.”
ضغطت على أسناني.
‘هذا اللعين لن يكف. حتى في القتال.’
نهضت بصعوبة. وقبل أن يندفع نحوي مجدداً حاولت الهجوم. دفعت جارح الظل نحو عينه اليسرى في ضربة مدروسة تستهدف إجباره على التحرك لا على الصد.
تجنّبها بسهولة تُزعج.
وسدّد ركلةً.
لم يكن للركلة تحذير ولم يكن فيها تردد. وصلت في أحشائي بثقل يُجبر الرئتين على نسيان مهمتهما للحظة. تراجعت وأنا أسعل، ويدي على ركبتي، وجارح الظل يُمسكه شيء على حافة المنطق فقط.
“أيها المذنب—”
صرخت مقاطعاً وكان في الصراخ غضب حقيقي:
“توقف! توقف عن قول هراءك أيها اللعين! ألم تسأم من تكرار نفس الكلمات؟”
نظر إليّ ألبرت بعيني من لم يُفاجَأ بأي شيء منذ وقت طويل:
“انفِ خطاياك أيها المذنب. ألا ترى ذنوبك؟”
‘تبّاً. ذنوب، خطايا، تطهير. هل هذا الرجل عاقل من الأصل؟’
أكمل بنفس النبرة الرتيبة الواثقة:
“ألا ترى خطاياك؟ الضحايا الذين قتلتهم. الأبرياء الذين ماتوا بسببك.”
ومضت.
لم أُرِدها أن تومض لكنها فعلت.
وجه ميراثيل. وجه أرين.
كان وميضاً قصيراً لكنه كان كافياً. دفعته خلف رأسي بقوة وعدت إلى ما أمامي. لكن شيئاً ما في الدفع كان مختلفاً عن المرات السابقة. كان أصعب. كأن الصورتين وجدتا شقوقاً في الجدار الذي بنيته حولهما.
ركّزت.
اندفع ألبرت نحوي بسرعة تتجاوز ما أستطيع صده في وضعي الحالي.
وهذه المرة لم يكن سيفه ما اندفع أولاً.
كانت ساقه.
ضربة كاسحة في جانبي طارت بي عبر الساحة.
كنت أحسب المسافة وأنا أطير بشكل غير إرادي. ثلاثة أمتار. خمسة. ثمانية. ارتطمت بالرمال البيضاء بصوت جعل شيئاً في صدري يُصدر إنذاراً. جثوت وأنا أسعل بجنون، ولعابي يختلط بدم لم أُقرّر إخراجه.
‘ما مقدار قوته السخيفة هذه؟’
بالكاد نهضت.
وفكرة واحدة كانت تُلحّ في رأسي بما لا يُسكت.
قوته غير طبيعية. ليس فقط لأنه في مرتبة أعلى مني. هناك شيء آخر. شيء يُغذّيها ويجعلها تتصاعد.
والتصاعد يتزامن مع كل مرة…
وصل ألبرت إليّ وكان في وقفته ذلك الهدوء الذي يُصدره من لا يتعجل لأنه يعرف النتيجة.
قال:
“ألم تُدرك الأمر بعد؟ سبب سقوطك وسبب قوتي واحد. لأنك تُدرك خطاياك.”
نظرت إليه.
قال بنفس الثبات:
“قدرتي اسمها ‘روح القديس’. تسمح لي بزيادة قوتي كلما اعتبر عدوي نفسه مذنباً. وكلما زاد سوء الذنب في وعيه، زادت قوتي.”
توقف، ثم أكمل بنبرة من يُقدّم حكماً لا ادعاءً:
“أنت تُدرك في قرارة نفسك أنك مذنب. لهذا أصبحت أقوى.”
اتسعت عيناي.
ثم أغلقتهما.
ثم لعنت بصوت خافت.
‘أتوجد قدرة كهذه ماذا بحقك؟ هذا غش. غش حقيقي يا رجل.’
لكن الجزء الذي في رأسي الذي لا يهتم بالعدل أو عدمه كان يُقيّم بسرعة.
القدرة تعتمد على ما يعتقده الخصم عن نفسه. إن اعتبرت نفسي مذنباً يزداد هو قوةً. إن أقنعت نفسي بأنني لستُ كذلك، أو على الأقل بأن ما فعلته لا يُعادل الذنب الذي يصفه…
‘خطاياي. أنا أعتبر نفسي مذنباً. عن ماذا يتحدث؟ كل من قتلتهم كان لأجل النجاة فقط. هذا ليس ذنباً.’
ثم ومضا مرة أخرى.
أرين. ميراثيل.
وكانت المرة هذه أقسى من التي قبلها لأنني كنت أُحاول أن أقول لنفسي أنهما ليسا ذنباً وكنت أعرف في نفس الوقت أنني لم أُقرّر بعد ماذا يكونان.
لعنت مرة ثانية.
‘تبّاً. هذا هو السبب إذاً.’
رفعت جارح الظل.
كانت عيناي على ألبرت بتركيز مختلف الآن. ليس تركيز من يُحاول الصد، بل تركيز من يبحث عن طريقة لتقطيع المنطق الذي يُغذّي الخصم من الداخل قبل أن يُفكّر في تقطيع ما هو أمامه.
قلت في داخلي بهدوء يشبه القرار أكثر مما يشبه أي شيء آخر:
‘حسناً. سأقتله حتماً. لكن عليّ أولاً أن أُقنع نفسي بشيء.’
وكان ذلك الشيء الذي أحتاج إلى إقناع نفسي به هو أصعب ما طُلب منه في هذا القتال كله.
ليس لأنه كاذب.
بل لأنه قد يكون صادقاً أكثر مما يريح.