الفصل 133 - معركة القناعات
بلوغ المستوى الثالث.
جلس دارون في زاويته بعد أن هدأت موجة الإرادة التي انبعثت منه، وأغمض عينيه للحظة لا للتأمل بل لمجرد الاستيعاب. كان جسده مختلفاً. ليس بطريقة تراها المرآة، بل بطريقة تشعر بها في كل حركة وكل نفَس. كأن ما كان خاماً قد صُبّ في قالبه الأخير.
متحكم أولي.
القوة عشرة أضعاف الشخص العادي. لم تكن أرقاماً مجردة حين تحملها في جسدك. كانت حضوراً مادياً في كل خطوة وكل قبضة وكل حركة. لكن دارون لم يكن أحمق ليظن أن الوصول إلى المستوى الثالث يعني أنه انتهى من شيء. كان يعرف أنه بدأ فقط.
الانتقال بين الفئات الثلاث للمستوى الثالث، من التحكم الأولي إلى المتقدم إلى الشامل، كان أمراً يختلف كلياً عما سبقه. لم يكن الوقت وحده العامل. كانت الخبرة. عقود من القتال والهزائم والانتصارات والأشياء التي لا تُتعلم من أي مكان آخر. كان يحتاج عقوداً. وقال لنفسه بهدوء:
‘العمر لم يعد مشكلة.’
بلوغ المستوى الثالث منح الجسد عمراً افتراضياً يتجاوز مئتَي سنة. العقود التي كانت تبدو ثقيلة صارت فترة قابلة للاحتواء.
لكن ما شغل دارون في تلك الساعة الأولى لم يكن التفكير في المستقبل البعيد.
كان يُفكّر في الوعاء.
الوعاء الذي شكّله بعد كل تلك الأسابيع، ذلك البحر الهائل الذي ضغطه وكثّفه حتى أصبح شيئاً يُطاع لم يكن نهاية المسار. كان البوابة. والبوابة تحتاج مساراً يصلها بصاحبها.
قال نيك بصوته الداخلي المعتاد:
“المسار بينك وبين وعائك هو ما سيُحوّل ما عندك من قوة نظرية إلى قوة فعلية. هجماتك ستختلف. التكثيف والتخفيف ستكتسبان بُعداً جديداً.”
توقف دارون عند هذه الكلمة الأخيرة.
التكثيف والتخفيف. تقنية المستوى الثالث
كان قد أمضى أشهراً يُحاول إعادة بناء ما رآه، يصنع نسخة أضعف مما فعله أرين ليستخدمها بأكبر فعالية ممكنة. والآن، مع الوعاء المكتمل والمسار الذي ينتظر أن يُنشأ، كان يُحسّ بشيء يقول إن ما فعله أرين لم يكن مستحيلاً. كان مبكراً.
‘لو أن توقعي صحيح… التكثيف المفرد سيكون مختلفاً الآن.’
أربعة أيام.
هذا ما تبقّى حتى القتال القادم. وكان دارون قد قرّر كيف سيقضيها قبل أن تنتهي الجملة من رأسه.
التدريب. لا شيء آخر.
ميزة إضافية أضافها المستوى الثالث كانت النوم. ستة إلى ثماني ساعات أصبحت ساعتَين أو ثلاثاً في أغلب الأحيان. ومن الناحية النظرية كان يستطيع الاستغناء عنه شهرا كاملة دون أن ينهار. لكنه وضع حداً عند الأربعة أيام لأن ما بعدها كان إجهاداً ثم هلاوس ثم خطأً في اللحظة التي لا يُحتمل فيها الخطأ.
وأنا لا أُريد مواجهة خصم وأنا متعب.
قضى الأيام الأربعة في التدريب المتواصل.
إنشاء المسار بينه وبين وعائه استغرق اليوم الأول كله. لم يكن مؤلماً كتشكيل الوعاء، لكنه كان متعباً بطريقة مختلفة، كتعب من يُنشئ طريقاً بين مكانَين لا طريق بينهما بعد. والحفر والبناء في الوعي لا يختلف في جوهره عن الحفر والبناء في أرض صلبة، يحتاج نفس الإصرار ونفس رفض التوقف حين يريد كل شيء فيك أن تتوقف.
اليوم الثاني كان للتجربة.
حين أطلق هجمته الأولى بعد اكتمال المسار، توقف.
لم يكن الفرق نقياً واضحاً كأن شيئاً يُضاء. كان تغيّراً في الكثافة. كأن نفس الهجمة كانت تحمل الآن طبقة إضافية، لا تُرى لكنها تُحَسّ بشكل واضح في النتيجة.
وحين جرّب التكثيف…
اتسعت عينا دارون قليلاً.
ليس لأن ما حدث كان مفاجئاً. بل لأنه كان بالضبط ما توقعه، وتوقّعه ورؤيته حقيقة شيآن مختلفان تماماً.
قال في داخله بهدوء:
‘أرين. الآن أفهم بشكل أوضح ما كنت تفعله.’
اليوم الثالث والرابع كانا للضبط.
التكثيف المفرد في أربعة سنتيمترات أولاً. ثم ثلاثة. ثم اثنَين. في كل مرة كانت النتيجة تُضاف على ما قبلها.
ونام أربع ساعات قبل القتال.
جاء السجّان بالإعلان في وقته المعتاد.
مشى دارون في الممر المظلم بخطوات ثابتة. لم يكن هناك ما يختلف في المظهر، نفس الممر ونفس الأصوات ونفس الرائحة التي اعتادها. لكن كان هناك شيء في الطريقة التي تطأ بها قدماه الأرض مختلف. ليس أثقل ولا أخف. أكثر استقراراً.
ارتفعت البوابة ودخل.
سار نحو منتصف الساحة بثبات.
كانت الرمال البيضاء تمتد حوله والمدرجات تعجّ بالمتفرجين. كان قد اعتاد هذا، اعتاد أن يدخل دون أن يُعير المدرجات أكثر من ثانية واحدة من نظره.
ثم رأى من يقف في الطرف الآخر.
وتوقف عقله الفعّال لجزء من ثانية.
كان رجلاً في منتصف العمر. ليس ذلك النوع من منتصف العمر الذي يُخبرك بالتراجع. كان منتصف العمر الذي بنته السنوات وحفرت فيه ما أرادت حفره وتركته أصلب مما كان في البداية. لحيته كثيفة وشعره بني غامق يحمل خطوطاً رمادية خفيفة على الصدغَين. وعيناه بنيّتان، لكنهما كانتا من نوع العيون التي تعكس الضوء لأنها معتادة على الضوء. نظرة هادئة تحتها جليد لا تذوب الحرارة من تحته.
درعه لم يكن مجرد درع.
أدرك دارون في اللحظة التي رآه فيها أن ما يقف أمامه ليس مجرد مقاتل. كانت هيئته هيئة من كسب المعارك من قبل أن يتعلم كيف يتعلم منها.
ثم سحب سيفه.
وحين سحبه، أحسّ دارون بشيء.
شيء ينبع من السيف لا من حامله. شيء يشبه الشعور الذي يُحدثه جارح الظل حين يُسحب، لكنه كان مختلف النوع. أكثر نقاءً وأوسع انتشاراً.
‘أعرف هذا الشعور. إنه أثر.’
نظر دارون بسرعة إلى أذن الرجل اليسرى.
حلقة.
صغيرة ولا تلفت النظر في النظرة الأولى. لكنها كانت تشعّ بهالة من ذلك النوع الذي تشعر به قبل أن تراه.
‘أثر ثانٍ. ولا أعرف وظيفته.’
ضيّق دارون عينيه.
قرأ ما أمامه بسرعة: الحلقة، طريقة وقوفه، طريقة حمل السيف، كل هذا مجتمعاً يقول شيئاً واحداً.
‘متحكم متقدم على الأقل. يتفوق عليّ بمرحلة كاملة.’
وكان دارون يعرف ما تعنيه مرحلة كاملة في المستوى الثالث.
دوّى صوته في الساحة.
كان فيه شرارة من الإرادة حتى في الكلام، ذلك النوع من الأصوات الذي تشعر بها في صدرك قبل أن تصل إلى أذنيك:
“عرّف نفسك.”
ملأ الصدى الساحة بأسرها. لم يكن استفزازاً ولم يكن مجاملة. كان بيان.
“أنا الفارس ألبرت. عرّف نفسك أيها المتحدي.”
نظر دارون إليه.
قال بصوت لا يرفع ولا يخفض:
“اسمي دارون. عبد يسعى لحريته.”
لم يكن الكلام خطاباً. كانت حقيقة بسيطة قالها دارون بنفس الطريقة التي يقول بها أي شيء آخر يعتبره حقيقة.
تكلّم الفارس ألبرت بصوت فيه كل ثقل من يؤمن بما يقوله إيماناً لا يُزعزع:
“أنا فارس يحمل على كتفيه مبدأ العدل والعدالة. اعترف بخطاياك أيها المذنب.”
ضيّق دارون عينيه ببطء.
“خطايا؟ ما الذي تتكلم عنه ماذا بحقك؟”
رفع ألبرت سيفه. والسيف كان يلمع بطريقة لا تُفسَّر كلياً بالضوء المنعكس:
“الكذب خطيئة تُعاقَب. لقد قتلت كثيرين أيها المذنب. وسأكون الشخص الذي يُطهّرك.”
نظر دارون إليه لحظة.
ثم رفع جارح الظل.
لم يكن هناك ما يُقال بعدها. الرجل يعيش داخل منطق مغلق على نفسه، منطق يُحوّل كل شيء إلى خطيئة وعقوبة، ومحاولة الكلام مع هذا النوع من المنطق كانت إهداراً لوقت لا يُهدر.
الكلام لن يُعطيه شيئاً. لكن القتال قد يُعطيه الكثير.
وقف دارون بجارح الظل أمامه.
والساحة البيضاء انتظرت.