الفصل 131 - يوجين و سكارليت
دخل دارون الزنزانة بخطوات ثابتة لا تعجّل فيها ولا تردد.
كان الجرح في خصره قد هدأ إلى درجة تُطاق، وذراعه اليسرى تحمل أثقل مما يُظهره وجهه. لكن الوجه لم يُظهر شيئاً على أي حال. كان ذلك النوع من الوجوه التي تعلّمت في وقت ما أن تُغلق أبوابها كلها في آنٍ واحد.
أول ما استقبله كانا الأخوَين.
كانت سكارليت قد نهضت من مكانها بمجرد أن سمعت صوت الباب، وكانت الآن واقفةً أمام أخيها بوضعية دفاع لا تُخفي نفسها. يداها على جانبيها، ثقلها موزَّع على قدمَيها بالتساوي، وعيناها الرماديتان مثبّتتان على دارون بتركيز المن يُريد أن يرى كل شيء في نفس الوقت. وراءها، بحماية جسدها الممتد حوله كدرع، كان يوجين جالساً بهدوء مريب لعمره، عيناه البنيّتان الواسعتان تتابعان الداخل بفضول لا يُشبه ما في عينَي أخته أبداً.
رمقهما دارون بنظرة واحدة. ثم أكمل.
مشى إلى الزاوية المألوفة، جلس بظهره على الجدار الحجري البارد، أغمض عينيه، وأرسل وعيه إلى الداخل.
التأمل.
التعزيز.
ما تبقّى من عمل لم ينتهِ بعد.
“أنتَ وحش.”
لم يفتح دارون عينيه فوراً. استمع للنبرة قبل أن يستمع للكلمات. كانت النبرة تحمل تردداً حقيقياً، ليس التردد الذي يأتي من الخوف فقط بل من شيء آخر، من شخص يُريد أن يقول شيئاً ويعلم أنه قد لا يُتمّه.
فتح عينيه ببطء.
كانت سكارليت واقفةً في نفس المكان لكنها كانت قد تحرّكت خطوةً للأمام بشكل لا إرادي. وكانت في عيني رماديتَيها تلك اللحظة مزيج غريب من الخوف والشيء الذي يُجبر الخوف على البقاء في مكانه.
أكملت بصوت أثبت قليلاً:
“كيف لك أن تهزمهم بهذه البساطة وتعود وكأنه أمر طبيعي؟”
ضيّق دارون عينيه.
حركة بسيطة. لا أكثر. لكنها كانت كافية. شعرت بها سكارليت في جسدها قبل أن تُعالجها بعقلها، ورأى دارون الارتجافة الخفيفة التي اجتاحتها والطريقة التي التفّت بها بشكل غريزي حول يوجين خلفها.
لكنها لم تتوقف.
قالت بصوت أحكمته بإرادة واضحة:
“أنا لست جاهلة. واجهت العشرات من المقاتلين في حياتي. لم أرَ أحداً يُقاتل بطريقتك.”
توقفت لثانية كأنها تُعيد صياغة ما تريد قوله:
“أسلوبك يصرخ باللامبالاة. هذا لا يفعله إلا شخص قتل المئات ولم يعد يرى في القتل شيئاً يستحق الاهتمام.”
نظر إليها دارون بتعبير لا يُقرأ.
ثم قال بصوت أجشّ، صوت من لم يستخدمه كثيراً في الأيام الأخيرة:
“ركّزي على نفسك يا فتاة. لا أهتم بما تعتقدينه عني. لا أهتم بكم. عليّ أن أُغادر هذا المكان، وسأفعل ذلك عاجلاً أو آجلاً.”
توقف.
ثم أغمض عينيه مجدداً.
وكانت الرسالة واضحة: المحادثة انتهت.
لكن رأس سكارليت لم يكن يعمل بهدوء.
جلست في مكانها ويوجين بجانبها، وكانت أنفاسها منتظمة بشكل لافت، ذلك الانتظام المُتعلَّم الذي يعني أن صاحبه يُحاول أن يبدو أهدأ مما هو عليه.
‘تبّاً. أيقول إنه إن وقفت في وجهه سيقتلني؟’
نظرت إلى يوجين الجالس بجانبها بهدوء لا يُناسب المكان ولا الموقف.
‘يا له من وحش. مهما حاولت تخيّل مسار المعركة لا أستطيع هزيمته. لماذا علقنا في نفس المكان معه بالذات؟’
ساد الصمت الزنزانة.
كل ما كان مسموعاً كان أنفاس ثلاثة أشخاص في غرفة حجرية. دارون في زاويته غارقاً في تأمله. وسكارليت تراقبه بطرف عينها كلما ظنت أنه لا يرى، ويوجين يُراقب الاثنَين بتلك الابتسامة الصغيرة التي لم تغادر وجهه تماماً منذ دخلوا الزنزانة.
مضت ساعات.
دارون لم يتحرك. وعيه كان بعيداً في الداخل يُكمل ما بدأه. لم يتبقَّ كثيراً. كان يُحسّ بالنهاية تقترب كما يُحسّ المرء بشروق الشمس قبل أن يراه، ذلك الدفء الخفيف الذي يسبق الضوء.
ثم تحرّك يوجين.
لم تكن سكارليت قد نامت نوماً حقيقياً. كانت في تلك المنطقة الرمادية بين اليقظة والنوم حيث يُخفّف الجسد حرسه قليلاً دون أن يتركه كلياً.
وفيها، اقترب يوجين من دارون.
خطوات بطيئة وحذرة، بطء من يعرف أنه يفعل شيئاً قد لا يُوافَق عليه لكنه لا يستطيع عدم فعله. لم يكن على وجهه الخوف ولا الحيرة. كان هناك شيء أبسط وأعمق من هذين.
وصل. جلس بجانب دارون.
ثم وضع يده على ذراعه المصابة بهدوء طفل لا يُفرّق بين الجرح المادي والشيء الآخر الذي يُؤلم ولا يُرى.
شعر دارون بها قبل أن يفتح عينيه.
حرارة هادئة. ليست حرارة الحُمّى ولا حرارة النار. كانت حرارة من نوع مختلف، دافئة ومنتشرة وهادئة كأنها تعرف مكانها. بدأت عند مكان تماسّ يد يوجين بذراعه وتمدّدت ببطء.
وبدأ الجرح يُغلق.
ليس ببطء الطبيعي. بسرعة لا تعدو ثوانٍ معدودة. والألم ينسحب مع الإغلاق كأن الحرارة تُجمع الأثقال وتأخذها معها. وحين رفع يوجين يده، لم يكن هناك جرح. لم يكن هناك ندبة. لم يكن هناك حتى احمرار.
كأنه لم يحدث.
فتح دارون عينيه ونظر إلى مكان الجرح. ثم نظر إلى يوجين.
قال بصوت هادئ يخلو من الدفء لكنه أيضاً يخلو من القسوة:
“لماذا تفعل هذا؟ لن تكسب شيئاً من فعلتك هذه.”
نظر إليه يوجين بعيني من لم يفهم السؤال تماماً أو فهمه وجد فيه شيئاً غريباً.
قال بتردد يجعل كلامه يبدو كأنه يُكتشف في اللحظة ذاتها لا كأنه كان جاهزاً:
“أنا… لم أُرد أن أراك تتألم وحدك هنا.”
ضيّق دارون عينيه.
“يالك من طفل أحمق.”
لم تكن القسوة في الكلمة. كانت شيئاً آخر يصعب تسميته، شيء يُصدره من رأى الكثير من سذاجة العالم وبات لا يعرف كيف يتعامل معها دون أن يُؤذيها:
“لا تُقدّم شيئاً مجانياً. هناك كثيرون سيستغلّون طفلاً مثلك.”
فتح يوجين فمه ليُجيب، لكن الجواب لم يأتِ. كأنه بحث عنه في مكان ما داخله ولم يجده، أو وجده ولم يُقرّر بعد إن كان كافياً.
ثم دوّى الصوت من الزاوية الأخرى.
“ماذا تفعل؟! ابتعد عنه أيها الوحش! لا تلمس أخي!”
كانت سكارليت قد قفزت من نومها النصفي بسرعة شخص يقضي حياته في استعداد. وقفت وسيفها في يدها في حركة واحدة، وعيناها الرماديتان تحملان نوعاً من الخوف لا يُشبه الخوف على نفسها.
نظر إليها دارون.
قال بنبرة لم ترفع صوتها لكنها وصلت:
“اخفضي سيفك أيتها الفتاة.”
ارتجف جسد سكارليت. لم تكن إرادتها تفعل ذلك. كان شيئاً في صوته يتجاوز الإرادة ويصل مباشرةً إلى ذلك المكان البدائي في الجسد الذي يعرف الخطر قبل العقل. تقوّست ركبتاها قليلاً كأن الأرض تحتها صارت أقل صلابةً مما كانت.
لكن يوجين قال بهدوء:
“اهدئي يا سكارليت. أنا بخير.”
وكان في صوته شيء جعلها تتوقف أكثر مما جعلها نبرة دارون تتوقف. أنزلت السيف ببطء وجلست بجانب أخيها، جسدها قريب منه بطريقة تقول إنها لن تكون بعيدة.
قال يوجين بابتسامته الواسعة التي تبدو وكأنها لا تعرف متى تختفي:
“اسمي يوجين. أملك قدرة الشفاء. وأختي مقاتلة، اسمها سكارليت.”
ثم نظر إلى دارون بعيون تنتظر بصدق لا بمجاملة.
صمت دارون.
مرّت ثانية. ثم ثانيتان. وكان يوجين ينتظر بصبر طفل اعتاد أن ينتظر دون أن يعلم أنه يفعل.
ثم بدأ يوجين بالتراجع ببطء، ابتسامته تخفت قليلاً دون أن تختفي.
قال دارون كلمة واحدة:
“دارون.”
أضاءت ابتسامة يوجين من جديد، تلك الإضاءة الفجائية التي تجعلك تتساءل كيف كان الوجه يبدو بدونها:
“تشرّفت بمعرفتك يا دارون!”
قالها بحماس حقيقي لا تصنّع فيه، كأنه نال شيئاً كان يظن أنه لن يناله.
أما سكارليت فلم تقل شيئاً. لكن دارون سمعها تتنهّد عند سماع اسمه، تنهيدة خفيفة تمرّ سريعاً. وكان في تنهيدتها ما هو أكثر من الارتياح.
عاد الصمت.
نام يوجين بعد ساعة، جسده الصغير يستسلم للنوم باليُسر الذي يُحسد عليه الأطفال. وبعده بساعة نامت سكارليت، لكن بطريقة مختلفة، نوم من يجلس على حافة اليقظة ولا ينزل عنها كلياً.
ثم فُتح الباب.
دخل السجّان يحمل ثلاثة أوعية من الحساء بخضروات مطبوخة طال طهيها حتى فقدت شكلها، وثلاثة أرغفة خبز متوسطة الحجم جفّ ظاهرها قليلاً.
أكلوا في صمت. الحساء دافئ على الأقل.
وكان يوجين ينظر إلى دارون.
مرة. ومرة. وثالثة.
كان في نظراته حديث يريد أن يبدأه ولا يجد الباب المناسب. وكانت سكارليت تراقب أخاها من طرف عينها بتعبير يقول إنها تعرف ما يُفكّر فيه وليست متأكدة من أنها توافق لكنها لن تُوقفه.
تهامسا لدقائق قصيرة، يوجين يُصرّ وسكارليت تُقاوم ثم تتنازل بنظرة تقول إن المسؤولية عليه.
اقترب يوجين من دارون ببطء مدروس.
حين بلغ جانبه، فتح فمه وأغلقه مرة. ثم قال بصوت يحمل براءة حقيقية لا تعرف أن تتظاهر بشيء آخر:
“د… دارون. ما هو حلمك؟”
نظر إليه دارون.
لم يُجب. لم يُصدر صوتاً. لم تتحرك في وجهه عضلة واحدة.
لكن في داخله، في ذلك المكان الذي لا يُرى، توقف شيء ما.
‘حلم. ما هو حلمي؟’
الكلمة كانت بسيطة وكان يجب أن يكون لها جواب بسيط.
‘الحلم هو الهدف. والهدف…’
توقف.
‘ما هو هدفي؟’
كان يتذكر أن له هدفاً. كان يتذكر الشعور بوجود هدف، ذلك الثقل الذي يُعطي الخطوة معنى. لكن حين حاول أن يُمسك بالهدف نفسه، حين حاول أن يُسمّيه…
‘هدفي هو استعادة ذكرياتي.’
توقف مرة أخرى.
ذكريات.
ذكريات… ماذا؟
كانت الكلمة موجودة لكن ما خلفها كان…
‘ما الذي كنت أُفكّر فيه؟’
حاول أن يُمسك بالخيط. الذكريات. استعادة. شيء كان يعرف أنه يريد استعادته. لكن كلما اقترب من الإمساك بالشيء كلما بدا أبعد. كأنه يُحاول إمساك ضوء في قبضة مغلقة.
‘هل نسيت هدفي؟ هل نسيت ما كنت أُريده؟’
الفراغ كان حاضراً. واضحاً. ثقيلاً بطريقة تختلف عن ثقل الفوهة التي كان يحملها في صدره. تلك كانت فوهة الحزن. أما هذه فكانت شيئاً أشد إرباكاً. كانت فوهة عدم المعرفة.
كان يعرف أنه لا يتذكر.
لكنه لم يعرف ما الذي لا يتذكره.
قال يوجين بصوت ناعم حين طال الصمت أكثر مما توقّع:
“حلمي… أن أُساعد أكثر الناس بقدرتي. أريد أن أكون مفيداً للجميع.”
قالها بذلك الوضوح الذي لا يحتاج إلى تفكير لأنه جاء من مكان لا يُشكَّك فيه.
قاطعت كلماته شيئاً في دارون. شيء كان يدور في دوامة ليجد نفسه فجأة خارجها.
نظر دارون إلى يوجين.
نظر إلى الوجه الصغير المضيء بصدق لا يعرف الإخفاء. إلى تلك العيون التي تنظر إليه كأنه شخص يستحق النظر إليه رغم كل ما رأته في الساحة.
مدّ يده.
ربّت على رأس يوجين. حركة واحدة خفيفة.
قال بصوت أقل جفافاً مما كان قبل ساعات:
“يا له من حلم جميل يا فتى.”
أضاءت ابتسامة يوجين بالكامل.
وعاد الصمت.
لكنه كان هذه المرة صمتاً من نوع مختلف. أخف قليلاً. كأن شيئاً صغيراً قد دخل الزنزانة دون أن يستأذن، شيء لم يُسمَّ ولم يُعرَّف لكنه كان موجوداً.
ومدّ دارون ظهره على الجدار وأغمض عينيه.
وفي مكان ما تحت كل الطبقات، في ذلك المكان الذي لا يصله التأمل ولا يُدركه التعزيز، كان السؤال لا يزال معلّقاً.
‘ما هو هدفي؟’
لا جواب.
فقط الصمت. وأنفاس ثلاثة. وابتسامة طفل نائم.
Sou: طبعا لقد عدنا للتنزيل اليومي و سيكون فصلين كل يوم