الفصل 130 - معركة مصيرية
وقف القائد أمام دارون بتلك الطريقة التي يقف بها من لم يخسر من وقت طويل، الكتفان للخلف والسيف الثقيل على جانبه وعيناه تنظران إلى دارون كما ينظر المرء إلى شيء اختاره لا إلى شيء يخشاه.
قال بصوت عالٍ يريد للساحة كلها أن تسمعه:
“محارب واحد. يا لها من فريسة سهلة.”
توقف، ثم ابتسم ابتسامةً تحمل استحقاراً حقيقياً لا تصنّعاً:
“لا تقلق. سأجعل موتك سريعاً.”
ضحك أحد الأتباع من خلفه ضحكةً مجنونة مليئة بمتعة خالصة لا تحمل أي قلق، ضحكة من يعرف النتيجة مسبقاً لأنه رآها مراراً من قبل. سحبوا أسلحتهم في حركات متتالية ملأت الهواء بأصوات فلقات تخرج من أغمادها ورمح يُشهر وفأس يُرفع.
لم يُجب دارون.
أرسل موجة هادئة من إرادته نحو جارح الظل، وأحسّ على الفور بذلك النبض المألوف والمزعج في آنٍ واحد. كانت إرادة السيف تنبض بشيء يشبه الجوع. ثلاثة أشهر من الراحة القسرية كانت قد جعلته أكثر حدةً وأكثر عطشاً مما كان في آخر مرة أُستخدم فيها.
‘حسناً. اليوم تعمل.’
اندفعوا.
لم يكن هجوماً فوضوياً. كان لهم تناسق يكشف أنهم قاتلوا معاً من قبل. سيمفونيا من الأجساد والسيوف والرمح تتحرك في وقت واحد، تُضيّق الدائرة وتُغلق المسارات.
لكن دارون كان يراها كلها قبل أن تصل.
المعزَّز بقدرته العقلية كان يقرأ الحركات من لحظة بدايتها لا من لحظة اكتمالها. كل انتقال وزن، كل ميل جسدي طفيف، كل توتر عضلة قبل الاندفاع. كانت الساحة أمامه كخريطة حية تُحدَّث بشكل مستمر.
مسح الستة في أجزاء من الثانية.
توقفت عيناه عند أحدهم. كان يرتدي درعاً مُميزاً من الجلد المدعَّم بحلقات معدنية على الصدر والأكتاف، وكان يتحرك بطريقة تكشف أنه يُعير وقايته اهتماماً أكبر من المعتاد. مقاتل يعتمد على درعه. نقطة ثقة زائدة.
ركّز دارون إرادته.
‘إغماء.’
لم يضع فيها كل ما يملك. جرعة محسوبة بدقة، بما يكفي لزرع دوار وغثيان مؤقتَين لا أكثر. الهدف لم يكن إسقاطه الآن، الهدف كان إخراجه من المعادلة مؤقتاً وتحويله إلى عبء على من حوله. الطاقة تُحفظ، والعقوبات تُوزَّع.
فتح الرجل المدرَّع عينيه على وسعهما ووضع يده على رأسه، وخرج من الخط دون أن يُدرك تماماً لماذا.
أول من وصل كان حامل الفأس.
كان ضخماً وكانت ضربته تحمل وزن جسده كله خلفها، فأس عريض رُفع فوق الرأس في قوس واسعة تريد إنهاء الأمر بضربة واحدة.
أخذ دارون نصف خطوة إلى اليمين.
نصف خطوة فقط. لا أكثر. الفأس مرّ بجانب رأسه بمسافة تكفي لأن يحسّ بالهواء المُحرَّك على خده. وفي اللحظة التي مرّ فيها الفأس، وفي اللحظة التي كان فيها الرجل في نهاية قوس ضربته وثقله كله مائل للأمام، غرز دارون جارح الظل في صدره.
لم تكن الضربة عميقة. متوسطة. لكن كافية.
صرخ الرجل وأمسك صدره، والدم بدأ ينزّ بطريقة لا تتناسب مع عمق الجرح. كان جارح الظل يفعل ما يفعله دائماً.
كان اثنان قد وصلا من الجانبين قبل أن يستوي دارون من جديد.
تراجع خطوتين للخلف، وبينما يتراجع كان يُركّز على دماء حامل الفأس تلك الدماء التي تنزّ من جرح صدره. شعر بها كما يشعر المرء بأطراف أصابعه، بوضوح تام وسيطرة كاملة.
شكّلها.
إبر. دقيقة ومتعددة وسريعة.
أطلقها.
تطايرت نحو وجهَي الرجلَين المنقضَّين عليه، ثلاث إبر لكل وجه، تستهدف العيون والجبهة والخد. أصيب الأول بإبرتين في وجهه وصرخ وتراجع يغطي عينيه بكفّه. أما الثاني فرفع سيفه ليصدّ الإبر، وكان هذا القرار الوحيد المتاح له لكنه كلّفه ما أراد دارون أن يكلّفه.
لحظة.
لحظة واحدة أصبح فيها سيف الثاني في الأعلى وجسده مفتوحاً.
رفع دارون جارح الظل وأسقطه.
سقط الرجل على الرمال البيضاء ولم يُصدر صوتاً بعدها.
رأى القائد ما حدث.
كان قد وقف في مكانه كما توقّع دارون، يُحافظ على تدفق إرادته نحو أتباعه، يُديرهم من الخلف بدلاً من أن يُشارك في الأمام. لكن رؤية رفيقَين يسقطان بهذه السرعة فعلت شيئاً ما في تلك الطبقة من البرود التي كان يحافظ عليها.
صاح بصوت تحوّل فيه الاستحقار إلى غضب:
“إلتفّوا حوله! حاصروه! لا تدعوه يخرج حياً!”
إلتفّ الثلاثة الباقون.
كانوا في ثلاث جهات، رجل يحمل رمحاً عن الأمام، ورجل يحمل سيفين عن اليسار، ورجل عن اليمين. وكان تناسقهم مرعباً بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتحركون في توقيت واحد بطريقة تجعل الردّ على أي منهم يفتح الطريق للآخرَين.
نظر دارون إلى الثلاثة ثانيةً كاملة.
ثم وجّه تركيزه نحو الرجل الذي يحمل الرمح ونحو الرجل على يمينه.
‘السقوط.’
توزّعت العقوبة على الاثنين في آنٍ واحد، نصف طاقته لكل منهما. وتعثّر الرجلان بطريقة لا تُفسَّر، كأن الأرض تحتهما قرّرت فجأةً أن تُصبح غير ما اعتاداه. سقط الأول على ركبتيه والثاني على جانبه، وكانت في وجهيهما تعبيرات الارتباك الكامل.
بقي مستخدم السيفين.
كان محترفاً حقيقياً.
لم يتوقف حين سقط رفيقاه. لم يلتفت. اندفع بهجماته كأنه لم يرَ شيئاً، كأن ما حوله لا يعنيه، وكأن الرجل الواقف أمامه هو الشيء الوحيد الموجود في العالم.
ضربة علوية بسيف اليمين.
صدّها دارون بجارح الظل.
ضربة نحو الصدر بسيف اليسار.
تراجع دارون خطوة وانزلقت الفلقة على درعه دون أن تجد ما تريده.
ضربة نحو الخصر.
دوران خفيف.
ضربة نحو الفخذ.
رفع الركبة وأعادها.
كانت الهجمات مُركّبة بطريقة تُجبر المدافع على التفكير في ما بعد كل ردّ قبل أن يُتمّه، وكان الرجل يُديرها بسرعة لا تمنح فراغاً. لكن دارون كان يقرأ كل ضربة من إشارة بدايتها لا من اكتمال حركتها.
صدّ. صدّ. أفلت. دوران. صدّ.
استمر هذا لثوانٍ كانت كافية لإبلاء مستوى من الإرهاق.
ثم نهض الرجلان اللذان سقطا.
‘الوقت.’
أخذ دارون قراراً.
لم يكن قراراً دفاعياً. كان هجوماً.
فعّل التكثيف والتخفيف في آنٍ واحد، تلك القدرة التي طوّرها حتى صارت طبيعيةً كالتنفس. تجمّعت الإرادة في ساقيه وتفرّغ ما فوقها من ثقل، وكانت القفزة التي تلت ذلك ليست من النوع الذي ينتهي بوصول.
كانت من النوع الذي ينتهي بانتهاء ما هو أمامه.
اخترق مستخدم السيفين بضربة مائلة سريعة انتهت قبل أن تبدأ. ثم استدار في الهواء نحو الرجلَين الواقفَين، وكانت دماء من سقط من قبل لا تزال موجودة على طرف جارح الظل، تنتظر.
ركّزها.
أطلقها نحو أقدامهما.
اخترقت الدماء المتشكّلة أقدام الرجلَين في نفس اللحظة، وقبل أن يصدر منهما صوت، كانت ضربة دارون الجانبية قد أتت بكامل ما جمعه من قوة وتركيز.
سقطا.
والرمال البيضاء امتصّت ما بقي منهما بصمت.
وقف دارون.
تلفّت ببطء.
ستة.
ستة على الرمال حوله.
وفي الجهة الأخرى، واقفٌ بثقل الجبال وغضب الشيء الذي لا يتوقع أن يُفاجأ، كان القائد.
لم يكن غاضباً فحسب. كان شيئاً أشد من الغضب. كان في عينيه ذلك المزيج الذي يُنتجه الكبرياء المُهدَّد والإرادة المُعزَّزة والخسارة المُبكِّرة.
اندفع.
كانت هجمته مرعبة بكل معنى الكلمة.
السيف الثقيل جاء من الأعلى كأن جبلاً يسقط. تلقّى دارون الضربة على جارح الظل وأحسّ بالصدمة تنتقل في ذراعه كلها. وطارت خطوات للخلف، أربع خطوات لا خطوتان، والأرض تحته تلتهم وقع قدميه.
لكن القائد لم يمنح الوقت.
جاء مرةً أخرى. وثالثةً. ورابعةً.
كانت هجماته ثقيلة مقروءة وهذا كان ما أنقذ دارون. عقله الفعّال كان يرى كل ضربة قبل وصولها بما يكفي لتفاديها أو تخفيف وقعها. صدّ معظم الهجمات وأفلت من بعضها وتلقّى ما تبقّى منها بطريقة تُحوّل الأثر دون الإيقاف.
لكن بعضها وصل.
خدش حاد على الذراع اليسرى. جرح في الخصر ليس عميقاً لكنه يُحسّ. والتعب بدأ يتراكم في طبقات.
تراجع دارون خطوةً واحدة وأمسك الموقف.
القائد كان يلهث أيضاً. قليلاً، لكنه يلهث. وفي بطنه كان هناك جرح بسيط تركه جارح الظل في لحظة انفتح فيها تقدّم القائد على نفسه لثانية.
جرح بسيط.
لكنه ينزف. وجارح الظل لا ينسى.
أبقى دارون عينيه على القائد وضغط على لسانه.
الألم لحظي وحاد. الدم ملأ فمه ببطء بدفء معدني مألوف. لكن دارون لم يكتفِ بما أعطاه لسانه، أجبر جسده على إخراج المزيد، عصر من الداخل بإرادته حتى امتلأ فمه بما يكفي.
نظر إلى القائد.
نظر القائد إليه بعيون ترى الدم في فمه وتُفسّره كضعف.
تقدم القائد بخطوات واسعة مُعلِنةً.
بزق دارون.
دفقة دم قاتمة طارت نحو جرح بطن القائد، دخلت فيه قبل أن يستطيع إغلاق جسده أو التراجع. وفي نفس اللحظة دفع دارون سيفه نحو وسط القائد وأجبره على التراجع خطوتين.
ثم ركّز إرادته بالكامل.
“العمى.”
فقد القائد بصره.
لثانية واحدة كاملة. لكنها كانت اللحظة التي أحتاجها دارون بالضبط.
اندفع من اليسار وجارح الظل جاء بقوس واسعة انتهت في ظهر القائد. ثم، بذراعه المصابة التي كانت تحرق من الجهد، غرز طرف ذراعه في الجرح ودفع الدم الذي كان قد رسّبه هناك للداخل.
دفعه القائد بعيداً.
دفعةٌ عنيفة طارت بدارون عدة أمتار قبل أن يثبّت نفسه.
وقف القائد وكان في وجهه انتصار الشيء الذي نجا.
ابتسم. ابتسامةً تقول إنه فاز. ابتسامةً تقول إن ما أمامه ينزف ويلهث وقد أعطى ما عنده.
تقدّم نحو دارون بخطوات واسعة.
ابتسم دارون.
ليس الابتسامة التي كان يُريدها القائد. بل ابتسامة أخرى. ابتسامة المكر الهادئ. ابتسامة من كان ينتظر هذه اللحظة من أول لحظة وضع دمه في جرح بطن الرجل.
قال بصوت هادئ لا يحمل من التعب ما يبدو على جسده:
“مع السلامة.”
نظر إليه القائد. وكانت في عينيه كلمة سؤال لم تكتمل.
ثم توسّعت أوعيته.
لم يكن انفجاراً من الخارج. كان من الداخل.
الدم الذي دسّه دارون في جرح القائد، الدم الذي طوّعه وشكّله وأعطاه أمراً واحداً، انطلق داخل جسد الرجل في كل اتجاه في نفس الوقت. الأوعية الدموية في أنحاء جسده تمزّقت تحت ضغط إرادة لا تأتي من داخلها.
سقط القائد على الرمال البيضاء.
ولم يتحرك.
وقف دارون.
كان يلهث. كان الجرح في خصره يحرق وذراعه اليسرى تصرخ من الجهد وجسده كله يحمل أثقال ما أعطاه للقتال.
لكنه كان واقفاً.
نظر إلى السبعة على الرمال حوله. ثم نظر إلى المدرجات.
كانت المدرجات صامتة.
ليس صمت الفراغ. صمت الذهول. آلاف من المتفرجين وليس بينهم من يُصدر صوتاً. كأن ما رأوه لم يكن يكفي وقت المشاهدة ليُصدّق نفسه، وكانوا الآن يُعيدون معالجته في صمت.
مشى دارون نحو البوابة.
خطواته ثابتة. ليست خطوات المُنتصر الذي يستعرض نصره، ولا خطوات المُنهَك الذي يتكئ على بقاياه. كانت خطوات من أنجز ما جاء لأجله وصار لديه ما يفعله بعد ذلك.
وحين وصل للبوابة وخطا خلفها، كانت المدرجات لا تزال صامتة.
ثم، ببطء، بدأ شيء ما يتصاعد.
لكن دارون لم يكن هناك ليسمعه.