الفصل 129 - المعركة الأولى بعد انقطاع
كانت خطواته ثقيلة.
ليس من الإرهاق، بل من شيء آخر تماماً. ذلك الثقل الذي تكتسبه الخطوة حين يحمل صاحبها أكثر مما يحمل جسده. مشى دارون في الممر المظلم نسبياً نحو البوابة، وكانت أصوات الساحة تتسلل من خلالها بوضوح متزايد مع كل خطوة.
لكن في صدره كانت هناك فوهة.
لم تكن جرحاً يُلمس أو ألماً له مكان محدد. كانت فراغاً ولد في نهاية المعركة الكبرى الأخيرة ولم يملأه شيء منذ ذلك اليوم. كان يحمله كما يحمل المرء وزناً علقه أحدهم في صدره وأخبره أنه لا يحق له إنزاله.
ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر قضى دارون كل وقته في التدريب. ليس لأن القوة كانت هدفاً في حد ذاتها، ليس لأن شيئاً ما يُطارده من الخارج. بل لأن التدريب كان الشيء الوحيد الذي يُوقف التفكير. ففي كل لحظة يُغلق فيها عينيه دون أن يكون في حالة تأمل مُركّز، كانا يظهران.
وجه العجوز أرين. وعيني ميراثيل.
لم يكونا يتكلمان في تلك اللحظات. لم يكونا يُوجّهان أو يُعاتبان. كانا فقط موجودَين، كأن الذاكرة أبقتهما حيّين في المكان الوحيد الذي لا يستطيع دارون هجره، عقله.
كان يكره هذا المكان.
قال ذلك لنفسه بوضوح تام وهو يمشي. ليس كرهاً عاطفياً مجرداً، بل كرهاً محدداً بأسبابه. كره كاريثيون لأن كاريثيون كان المكان الذي تعلّم فيه ماذا يعني أن تقف أمام موت شخص لا تستطيع منعه وتنجو أنت.
كان شعور العار قد طغا على شعور النجاة منذ اليوم الأول. ذلك الإحساس الغريب المقيت بأنك بقيت بينما ذهبوا. لكن الأسوأ، الشيء الذي كان يُصعّب عليه النظر في المرآة في الأيام الأولى، كان ذلك البريق الصغير من الارتياح الذي أحسّ به حين أدرك أنه نجا.
لحظة واحدة. ربما أقل من لحظة. لكنها كانت موجودة.
وكانت كافية لتجعله يشعر بالاشمئزاز من نفسه.
ضغط على أسنانه حتى أحس بتوتر فكّه.
‘توقف.’
لم يكن هذا وقت ذلك. كان قد أمضى ثلاثة أشهر يُعيد نفس الدوامة بأشكال مختلفة وكان يعرف الآن أين تنتهي كل مرة. في نفس المكان. في نفس الفوهة.
ما أبقاه واقفاً لم يكن التجاهل. كان الوعد.
وعد لميراثيل: “سأخرج حياً مهما كان الثمن.”
ووعد للعجوز أرين: “سأُوصل القلادة إلى الإمبراطورية.”
لم يكن يعلم حين قالهما كيف يمكن لوعدين بهذه البساطة أن يكونا بهذا الثقل على النفس. كيف يمكن لكلمات قيلت في لحظات ضغط أن تتحول إلى عمودَي فقرات تحمل ما لا يحمله الجسد وحده.
لكنهما كانا هناك. وهذا كان كافياً.
صدر صوت سلاسل تُسحب.
ارتفعت البوابة ببطء مقصود، كأن الساحة نفسها كانت تستعرض ما خلفها بتدرّج. والأول ما كشفت عنه كان الرمال.
البياض.
كانت رمال الساحة الأبدية الجديدة تشع بياضاً نظيفاً لا يشبه بياض العادي. كأنها لم تُرَ من قبل أو كأنها قرّرت أن تنسى ما رأته. وقف دارون على حافة الممر لثانية واحدة ينظر إليها.
ثم خطا إليها.
بمجرد أن وطأت قدمه الرمل، فعلت قدرته ما باتت تفعله باستمرار، فتحت.
كان العقل الفعّال في مستوى آخر الآن بعد اكتمال تعزيزه. كانت الساحة تدخل وعيه بكل تفاصيلها في آنٍ واحد، لا بطيئةً ولا متدرجة. الرمال والمدرجات والمتفرجون وأصواتهم وحركاتهم وإراداتهم المتباينة كل هذا كان حاضراً في طبقات متعددة من إدراكه في نفس اللحظة.
مسح الحشود بتركيز لثانية واحدة ثم سحبه.
لم يكونوا يستحقون الاهتمام. أغلبهم من المتفرجين الذين لم يعرفوا القتال معرفة حقيقية. والأقلية المقاتلة على المدرجات لن يواجهها هنا. التركيز يُحفظ لما يستحقه.
وما يستحقه كان أمامه.
كانوا سبعة.
تقدموا من الجهة الأخرى للساحة بتشكيل لم يُخفوا أنه مُعدّ مسبقاً. ستة في الخلف وواحد في المقدمة. ستة في المستوى الثاني، وقائدهم في المستوى الثالث.
القائد كان ضخماً بما لا يُترك مجالاً للشك في أنه يعتمد على حجمه جزءاً من قوته. كان يتجاوز المتر وتسعين، كتفاه عريضتان بعرض باب، ووجهه يحمل تلك النظرة التي يتعلمها من اعتاد أن يرى الخوف في عيون من يقف أمامه. كان يرتدي درعاً من الجلد المُدعَّم بلوحات معدنية على الصدر والكتفين، وفي يديه المعقودتين حول المقبض كان يحمل سيفاً ثقيلاً طويلاً يحتاج عادةً ليدين.
وشعر دارون بشيء يتحرك.
كانت هالة إرادة القائد تنفتح كأنها موجة بطيئة تنتشر من مركزه نحو الخارج لتلتفّ حول الستة من خلفه. قدرته كانت نوعاً من التعزيز الجماعي، دفعة إرادة تُشحن فيها عزيمة أتباعه وتُحيي فيهم شيئاً يشبه اليقين الكاذب بأنهم لا يمكن هزيمتهم. كان واضحاً في وجوههم، تلك الطريقة التي ارتفعت فيها أكتافهم وثبتت فيها خطواتهم حين لمستهم إرادته.
أدرك دارون هذا في ثانية واحدة وصنّفه.
‘قائد يُقاتل بأتباعه قبل أن يُقاتل بنفسه. الستة ليسوا مجرد أعداد، إنهم جزء من سلاحه.’
ثم نظر إليهم جميعاً، واحداً واحداً، بسرعة لا يُدركها أحد، وأتمّ ما بدأه عقله بمنهجية باردة:
من شكلهم وطريقة وقوفهم وتوزيعهم كان الأمر واضحاً. قطّاع طرق. ربما جُلبوا هنا بطريقة أو بأخرى، طوعاً أو كرهاً، لكنهم في النهاية سبعة رجال يعرفون القتال ولا يعرفون من يقف أمامهم.
وهذا كان الفارق الحقيقي.
سحب دارون جارح الظل.
كان صوت خروجه من الغمد الأسود يختلف عن صوت أي سيف آخر، شيء بين الصرير والهمهمة، صوت من الواضح أنه ليس مجرد معدن يحتك بجلد. وكانت الفلقة السوداء اللامعة تعكس ضوء الساحة بطريقة تجعلها تبدو وكأنها تبتلع الضوء لا تعكسه.
وكانت إرادة السيف موجودة كعادتها. تلك الإرادة المستقلة التي لا تعترف بأوامر أحد وتُرافق صاحبها كشريك متردد لا كتابع مطيع. أحسّ بها تستيقظ حين أمسك المقبض، شيء يشبه ترقّب من لم يُقرّر بعد إن كان سيُشارك أم لا.
استدار القائد إلى أتباعه وأشار بيده إشارة واحدة، وتحرّكوا.
انتشروا في نصف دائرة واسعة، ثلاثة على اليمين وثلاثة على اليسار والقائد في المركز مباشرةً أمام دارون. كانت الخطوات مُحسوبة وكانت المسافات بينهم متساوية بشكل يكشف أنهم تمرّنوا على هذا.
نظر دارون إلى التشكيل.
‘تبّاً.’
التشكيل كان مُحكماً بالنسبة لمن يُواجهونه عادةً. إن هاجم أحد الأتباع على الجانب، فتح القائد والخمسة الباقون الطريق للهجوم من الاتجاهات الأخرى. وإن اندفع نحو القائد مباشرةً، التفّ الأتباع خلفه وحوله وأغلقوا كل مسار للخروج.
كان مثالياً لصيد مقاتل واحد.
ثم ابتسم دارون في الداخل ابتسامةً لا تظهر على وجهه.
‘مثالي لهم. ولهم فقط.’
الغرور الذي يُصيب من اعتادوا الانتصار بالعدد. الخطأ الذي يقع فيه كل من يُقيّم خصمه بما يراه لا بما هو عليه. كانوا يرون مقاتلاً واحداً يحمل سيفاً أمام سبعة. كانوا يرون ما يُريدون أن يروا.
لم يروا العقل الفعّال الذي كان يُحلّل كل حركة قبل أن تكتمل.
ولم يروا ما يحمله على جسده من أسلحة لن يجدوها عند فارس، ناهيك عن مقاتل منفرد في ساحة قتال.
ولم يروا الثلاثة أشهر الماضية. كل ثانية منها.
خطا القائد خطوته الأولى وكان في خطوته الواحدة إعلان عن نيته. لم يكن يُريد أن يُراوغ أو يُفاوض بالحركة. كان يريد الإنهاء بضربة.
شعر دارون بإرادته تتكثّف حول ذراعيه والسيف الثقيل يُرفع.
في نفس اللحظة، أحسّ بحركة على يساره. أحد الأتباع يتقدم باندفاع سريع يريد أن يكون التشتيت الذي يفتح الطريق للقائد.
قرأ الاثنين في آنٍ واحد.
‘حسناً.’
أشعل قدرته.
لم تكن القلادة مجرد أثر تعلّق في الرقبة. كان قد أمضى أسابيع يُطوّر أسلوب قتال يجعلها جزءاً من كل حركة لا ملحقاً يُضاف عليها. وكانت اللحظة الأولى من القتال هي اللحظة التي سيُريه فيها دارون ما تعلّمه.
لم يتراجع. لم يُبدِّل وجهته.
اندفع للأمام.
مباشرةً نحو القائد.
كان هذا هو المتوقع الأخير منه. وكان هذا بالضبط ما يُريده دارون.
لأن ما يفعله بعد اللحظة الأولى لم يكن ما يتوقعونه أبداً.