الفصل 128 - دارون
ثلاثة أشهر.
وقف دارون في منتصف الزنزانة ويداه تعملان بهدوء على إزالة آخر ضمادة من ذراعه الأيسر. كان الجرح تحتها قد أغلق بالكامل، جلد نظيف ناعم في مكان كان قبل أشهر يحمل عمقاً لا يُنظر إليه بارتياح. أدار ذراعه ببطء، فتح قبضته وأغلقها، اختبر الحركة من كل اتجاه.
لا ألم. لا تيبّس. لا شيء.
أسقط الضمادة في الزاوية وقف لحظة صامتاً.
‘عدت.’
لم تكن الجملة احتفالاً. كانت تقريراً. دارون لم يكن من يحتفل بالعودة إلى نقطة البداية، كان من يُقيّمها ثم يتحرك.
ثلاثة أشهر كانت الساحة الأبدية خلالها تُعاد إلى ما كانت عليه، أو إلى شيء يُشبه ما كانت عليه. كانت الرمال القرمزية قد فقدت لونها تلك الليلة التي سقط فيها أرين، تلك الليلة التي تغيّر فيها شيء لا يُرى بالعين. والآن، بعد أن وُضعت اللمسات الأخيرة الأسبوع الماضي، كانت الرمال بيضاء مرة أخرى وكانت أصوات القتالات تتصاعد كل يوم كأن الساحة تُعيد تذكّر نفسها.
وكانت الزنزانة نفسها قد تغيّرت أيضاً.
ليس في بنيتها أو حجمها. الجدران نفسها والأرض نفسها والسقف نفسه. لكنها كانت قد صارت مختلفة منذ ذهب العجوز أرين وذهبت ميراثيل معه. موحشة بطريقة لا يُصنعها الفراغ وحده، بل ذلك الصمت الذي يبقى بعد أشخاص كانوا يملأون المكان بوجودهم لا بكلامهم.
ثم قبل أسبوعين، دخلا.
كانت الفتاة شقراء.
شعرها ذهبي فاتح مسحوب إلى الوراء بضفيرة مُحكمة تليق بمن يتوقع أن يُستدعى للقتال في أي لحظة. عيناها رماديتان، ولكن ليس رمادي الرماد البارد، بل رمادي الفولاذ الذي يحمل في داخله توهّجاً لا يظهر إلا حين يُضغط عليه. في تلك العيون كانت مسؤولية لا تُشبه مسؤولية أقرانها، وعزم لا يتشتت حتى في أصعب اللحظات.
كانت ترتدي درعاً خفيفاً من الجلد المُعالج فوق قميص داكن، وعلى خصرها سيف قصير وخنجر. جسدها كان يقول ما لا تقوله كلماتها، كل حركة فيه تحمل ذلك الاقتصاد الذي يأتي من سنوات لا من أشهر. مُقاتلة متمرسة في المستوى الثاني وهالتها تُؤكد ذلك لكل من كان يملك عيناً تقرأ مثل هذه الأشياء.
أما الفتى بجانبها فكان في الثالثة عشرة من عمره.
أصغر مما يجب أن يكون في هذا المكان بسنوات. لكن المدهش كان المستوى الأول. في الثالثة عشرة وفي المستوى الأول. وكان يقف بجانب أخته بتلك الطريقة التي يقف بها من يعرف أين مكانه ولا يشعر بالحاجة لإثبات شيء لأحد.
شاركا في قتالين خلال الأسبوعين الماضيين. كانت قتالات من الدرجة الأولى لحديثي العهد بالساحة، لكن كان واضحاً من طريقة تحركهما أن الفتاة كانت تُدير المعركة بالكامل، عيناها تُغطيان كل الزوايا، وذراعاها تعملان بينما الجزء الأكبر من تركيزها كان منصرفاً إلى الفتى بجانبها. تُقاتل وتحمي في آنٍ واحد.
ثقل لا يحمله كثيرون.
نظر دارون إليهما من زاوية عينه حين كانا يجلسان في طرف الزنزانة. الفتاة تُدرّب أخاها على شيء بصوت منخفض، وهو يُصغي بجدية لا يعطيها عادةً أبناء الثالثة عشرة.
لم يكن دارون قد تكلم معهما كثيراً بعد. ليس بُعداً ولا تجاهلاً. كان منشغلاً بشيء داخلي لا يتوقف، شيء بدأ قبل ثلاثة أشهر ولم ينتهِ بعد.
التعزيز.
حين يُفكّر دارون في الثلاثة أشهر الماضية، هذه هي الكلمة التي تأتي أولاً.
أكمل تعزيز عقله بالكامل. كل طبقة، كل مسار، كل ليفة عصبية من أدقها إلى أعمقها. وكان الفرق… كان الفرق شيئاً يصعب وصفه لمن لم يمرّ به.
الأمر أشبه بأن تمتلك في رأسك عدة عقول متشابكة في آنٍ واحد، لكن بدلاً من الفوضى كان هناك تناغم. كأن ما كان صوتاً واحداً صار أوركسترا، لكل آلة فيها مكانها وصوتها ودورها. كانت قدراته العقلية قد تضاعفت عشر مرات على الأقل وهذا تقدير محافظ.
كان يُدرك الأشياء بسرعة مختلفة. يُحلّل ما يراه بطبقات متعددة في نفس اللحظة. يتذكر أشياء بتفاصيل كانت ستمر عليه دون أن تترك أثراً من قبل.
وصف دارون هذا لنفسه بكلمة واحدة: مذهل.
ثم انتقل مباشرةً للجسد.
القلب أولاً لأنه الأهم. يومان كاملان لعضو واحد، يومان من التركيز المُضغوط الذي يُنهك العقل رغم أن العضو الذي يُعزَّز قلبٌ لا رأس. ثم الكبد، وكانت المفاجأة هناك، حين أدرك دارون أثناء التعزيز أن الكبد كان يحتضن شوائب متمركزة فيه منذ وقت طويل. وحين مرّت الإرادة عليها أطردها واحدة تلو الأخرى. شعر خفّة لم يعرف أنه كان يفتقدها.
الأعضاء الداخلية انتهت منها كلها.
ولم يتبقَّ إلا العضلات والأوتار والعظام والمفاصل. وكان نيك قد قدّر شهرين إلى ثلاثة أشهر لإنهاء الباقي.
ثم يكون المستوى الثالث. رسمياً وكاملاً.
المستوى الثالث.
اسمه: التحكم.
وينقسم إلى ثلاث درجات بحد ذاته: التحكم الأولي، التحكم المتقدم، والتحكم الشامل الذي هو ذروته. وبإكماله للتعزيز سيكون دارون في التحكم الأولي، البداية الرسمية للمستوى.
كان دارون يُفكّر في هذا حين أنهى ارتداء درعه.
‘الأولي. البداية. ليس النهاية.’
لكنه كان يعرف الفرق بين من يدخل مستوىً جديداً بجسد غير مُعزَّز وبين من يدخله بتعزيز كامل من خلف. الفارق ليس في اللقب. الفارق في كل ما يأتي بعد.
وفي الأشهر الثلاثة الماضية، لم يكن التعزيز وحده.
كان السيف.
جارح الظل.
سمّاه بعد الوحش الذي صُنع منه، وكان الاسم يليق. كان السيف يُصدر أحياناً شيئاً يشبه الرضا وأحياناً شيئاً يشبه السخرية، ولم يكن دارون قادراً على تحديد أيهما في أي وقت.
لأن السيف كانت له إرادة خاصة به.
ليست إرادة خاملة في الأعماق كالإرادة التي يحملها كل كائن حي. كانت إرادة فاعلة واعية، إرادة منفصلة تماماً عن دارون ولا تطيع أحداً بشكل كامل. في البداية كان جارح الظل قد رفض الاعتراف بدارون سيداً له. لم يكن العصيان صريحاً، لم يمنعه من الاستخدام، لكنه لم يُعطِه تلك الطاقة الكاملة التي يُعطيها الأثر لمن يقبله.
كانت علاقةً بين ندّين لا بين سيد وأداة.
وكان دارون يفهم هذا ويتعامل معه بالطريقة الوحيدة المنطقية: لم يُحاول إجباره على شيء. راقبه بدلاً من ذلك. درسه. منح الوقت والانتباه لشيء لا يُفهم بالقوة.
وتعلّم.
كانت قدرات جارح الظل مرعبة حين تُعدّ بهدوء.
المتانة أولاً. لم يكن مجرد سيف قوي، كان شيئاً آخر تماماً، نصل يقاوم ما لا تُقاومه الأنصال العادية. وحدّته كانت على مستوى مختلف، حدّة لا تتبلّد ولا تحتاج إلى شحذ كأنها صفة فيه لا كصفة مُضافة إليه.
لكن ما يجعل جارح الظل خطيراً حقاً لم يكن هذا.
كل جرح يُحدثه السيف كان ينزف. ليس النزيف العادي الذي يُوقفه الجسم بآلياته الطبيعية. كان نزيفاً يستمر، يتجاهل محاولات الجسم لإغلاقه، كأن السيف كان يترك في كل جرح أثراً يرفض السماح بالتوقف. أبسط جرح يُحدثه كان يُصبح سيئاً بمرور الوقت، وجرح متوسط كان كفيلاً بإنهاء قتال طال أمده.
وأعظم ما يملكه: التحكم في الدماء.
أي دم يُنزفه السيف، أي قطرة تخرج بفعله أو بفعل دارون نفسه، صارت تحت سيطرته. كان يستطيع توجيهها وتشكيلها وجعلها تمتد إلى مسافات خارج جسده. وكان لهذا استخدامات لم ينتهِ بعد من اكتشافها.
بالإضافة لذلك، كان السيف يُطلق إرادة هائلة مشبعة بنية قتل صافية بلا شوائب، إرادة لا تُشبه قوة الهجوم العادية لأنها لا تستهدف الجسد فقط. كانت تضرب الإرادة المقابلة، تُزلزل التركيز، وكان حتى أصحاب المستوى الثالث عرضةً للموت بسهولة تحت ضغطها المركّب.
والسموم كانت ميزة إضافية، ليست على مستوى القدرات الأخرى في خطورتها، لكنها تتكيّف، تتغير شكلها وتأثيرها بحسب الخصم. وكلما زادت قوة العدو قل تأثيرها وهذا كان قيداً واضحاً يعلمه دارون ويُحسب له.
والضعف المتراكم كان الأخطر في القتالات الطويلة. كلما نزف الخصم أكثر كلما ضعف أكثر، ضعف حقيقي تدريجي لا يُوقفه التحمل ولا الإرادة إن استمر النزيف.
وإلى جانب جارح الظل، كانت هناك الأسلحة الأخرى.
الخنجر كان قادراً على اختراق أقوى الدروع، وكل طعنة تُحدثها نصله كانت تُخلّف شللاً في المنطقة المُصابة. عمق ذلك الشلل وامتداده كان يعتمد على إرادة دارون في لحظة الضربة، وهذا جعله سلاحاً يكبر مع صاحبه بدلاً من أن يبقى ثابتاً.
أما السوار فكان لا يزال لغزاً. ثلاثة أشهر من الدراسة لم تُعطِه إجابةً واحدة واضحة. كان يشعر بشيء فيه حين يُركّز عليه لوقت طويل، شيء حي تقريباً، لكنه لم يستطع إمساكه أو فهمه. وضعه جانباً مؤقتاً لا تخلياً عنه بل تأجيلاً حتى يجد المدخل الصحيح.
والقلادة التي منحه إياها أرين في لحظته الأخيرة. تلك التي أمضى وقتاً في فهم طريقة عملها لأن فهمها لم يكن كافياً، كان لا بد من تطوير أسلوب قتال يستثمرها، أسلوب يجعلها جزءاً من حركته لا أداةً منفصلة يلجأ إليها.
وكان قد أنجز هذا.
قال لنفسه بهدوء:
‘لن أشرح. سأُريه.’
أحكم ربط درعه الأخير.
الدرع كان من النوع الخفيف الذي يُفضّله، لوحات صغيرة متداخلة فوق قميص مُعالج بطريقة تجعله يصمد أكثر مما يوحي به وزنه. على ظهره كان جارح الظل في غمده الأسود المصنوع من جلد الوحش ذاته. الخنجر على فخذه الأيسر. والقلادة تحت القميص مباشرةً على صدره حيث اعتاد تثبيتها.
والسوار على معصمه الأيمن. لغزاً لا يزال، لكنه لا يُترك.
نظر إلى الزنزانة لحظة أخيرة.
الجدران الحجرية الداكنة التي شهدت أشهراً من التأمل والتعزيز والدراسة. وفي الطرف الآخر كانت الفتاة الشقراء قد رفعت رأسها وعيناها الرماديتان تنظران إليه بتعبير قارئ يقيس ما يرى. وبجانبها كان الفتى ينظر إليه باهتمام صريح لا يُخفيه.
لم يقل دارون شيئاً.
لكنه أومأ برأسه إيماءة خفيفة، تلك الإيماءة التي تقول ما لا تقوله الكلمات في مثل هذه الأماكن.
ثم استدار وخطا نحو باب الزنزانة.
الممر كان باهتاً كعادته. مشى فيه بخطوات منتظمة لا تستعجل ولا تتأخر. كان صوت خطواته يُردّد نفسه على الجدران الضيقة، وكان صوت الساحة يتصاعد كلما اقترب.
أصوات قتال. أصوات حشود. أصوات الساحة الأبدية التي عادت إلى نبضها.
وكان يقترب منها.
لأول مرة منذ وقت طويل، كان جسده كاملاً. لأول مرة كانت العقل مُعزَّزة والأعضاء الداخلية مُعزَّزة وجارح الظل في مكانه وكل شيء في مكانه.
والقتال كان ينتظر.
مشى دارون نحو الضوء في آخر الممر، ولم يُبطئ.