الفصل 127 - النسيان
خمس دقائق.
خمس دقائق فقط كانت تفصل بين ما جرى وما قد يأتي، لكنها كانت أثقل من ساعات. جلس ستارك على الأرض بجوار جذع شجرة ضخمة، ظهره مسنود إليها وذراعه الأيسر مضغوطة على جانبه. كان سيفه مغروزاً في الأرض أمامه، يده اليمنى ممسكة بمقبضه لا كاستعداد بل كدعم. كأن السيف كان عُكازاً وكأن الأرض وحدها لم تكن كافية لإبقائه مستقيماً.
كان الجرح في جانبه الأيمن قد تم تضميده، لكن اللون كان قد ابيضّ من حول الضمادة والتعرق لا يزال يلمع على جبهته رغم أن القتال كان قد انتهى منذ دقائق.
ثم ظهرت.
انسابت من داخله كموجة ضوء فضية خافتة، روحه، وأخذت شكلها المألوف على كتفه الأيسر. كانت تبدو كقطة صغيرة مصنوعة من الضوء لكن عيناها كانتا دائماً أكبر وأعمق مما يوحي به حجمها. نظرت إليه بتلك النظرة التي لا تُخطئها، نظرة من يرى الجسد والروح معاً ولا تُعجبها حال أي منهما.
قالت بصوت فيه صرامة حقيقية ودفء لا يُخفيه:
“حالتك مزرية حقاً يا ستارك. عليك الاستراحة أكثر. أنا لا أؤيد تحرّكك في هذه الحالة.”
نظر إليها ستارك. في عينيه إرهاق واضح لكن في زاويتيهما شيء لم يتغير، تلك الصلابة الهادئة التي لا تتشقق حتى حين يتشقق كل شيء حولها.
“آسف. ولكن لا يمكنني.”
توقف وأخذ نفساً أبطأ مما يريد:
“لقد تركت العمل الحقيقي لأولئك الأربعة. عليّ أن أتحمّل المسؤولية وأكون هناك.”
صمتت الروح. نظرت إليه بتلك النظرة الطويلة التي لا تُعجّل. ثم قالت بهدوء فيه شيء يشبه الاستسلام لإدراك لا يُنكر:
“أنا لن أُجبرك على شيء. لكنك تعلم أنني وصلت إلى حدّي.”
توقفت، وكانت إضاءتها الفضية قد خفتت درجةً:
“سأعود إلى الداخل للنوم. لن أتمكن من مساعدتك.”
ابتسم ستارك. ليست ابتسامة الواثق من نفسه بلا سبب، بل ابتسامة من آمن بشيء بعد أن تحقق من وجوده مراراً:
“لا تقلقي. لن أحتاج للقتال.”
نظر نحو حيث تركهم:
“لابد أنهم انتصروا من جهتهم. هم أشخاص يمكنني تسميتهم أصدقاء. وأنا أعرف أنهم يملكون القدرة على الفوز… حتماً.”
أومأت الروح ببطء، وفي إيمائها شيء يشبه الاتفاق الصامت. ثم انسابت داخله كموجة تعود إلى بحرها، واختفت.
وبقي ستارك وحده مع السيف والأرض والألم.
ثم زحف.
وجدهم على مسافة ليست بعيدة.
كانوا قد جلسوا في الحلقة المعتادة، وكل واحد منهم يتعامل مع آثار القتال بطريقته الخاصة. كارل يُحكم ربط ضمادة على ساعده الأيسر بهدوء من اعتاد هذا. جين يمسح نصله الثقيل بقطعة قماش داكنة بحركات منتظمة كأنه يُهدّئ شيئاً. نور تجلس بعيونها مغلقة وتأنف من الجرح الخفيف على جبينها الذي تضمّده بيد واحدة. وإيمي تجلس مستقيمة رغم أن في عيني من ينظر بعناية علامات إرهاق أعمق مما تُظهره.
حين رأوه يزحف نحوهم، لم يقل أحد شيئاً. لكن كارل نهض ومشى نحوه وأعطاه كتفه دون أن يُسأل. وساعده على الجلوس بينهم.
نظر ستارك إليهم واحداً واحداً. ثم ابتسم الابتسامة الوحيدة التي تليق بهذه اللحظة:
“عمل ممتاز منكم جميعاً.”
وأجاب الجميع في صوت واحد لم يتفقوا عليه مسبقاً:
“عمل ممتاز.”
عادوا إلى المدينة وفي المدينة كانت إينا تنتظر.
وحين رأت حالهم، وقفت لثانية كاملة تنظر إليهم بتعبير لا يُقرأ بسهولة. ثم نظرت إلى ستارك بنظرة واحدة طويلة كانت بألف كلمة، وكان ستارك يعرف أن تلك الكلمات ستُقال لاحقاً بصوت أعلى وبتفصيل أكثر.
وكانت توقعاته صحيحة.
قضى أسبوع كامل تحت يدها. أسبوع من العلاج والراحة الإجبارية والتوبيخ الذي جاء بشكل علمي ومنهجي ومُفصّل بطريقة تجعله أشد وطأةً من التوبيخ العادي. وكانت إيمي وكارل وجين ونور يشاركونه تلك الأيام بدرجات متفاوتة.
لكن لحسن الحظ، لم تمسّ تلك الأيام تدريبهم على التعزيز. كانت الأجساد تستريح والجروح تلتئم، لكن التأمل لا يتوقف. لأن التأمل، كما علّمهم يوليوس، ليس جهداً جسدياً بأي معنى. وما دام العقل يستطيع التركيز فلا مبرر للتوقف.
ومضى الشهر.
شهر كامل بلا مهام. بلا طوارئ. بلا رسائل مستعجلة تطرق الأبواب في أوقاتٍ غير مناسبة.
كانت أغلب أيامهم تأملاً وتعزيزاً. الجلوس في الصمت لساعات، وذلك البحر الداخلي الهائل ينكشف شيئاً فشيئاً كأن الضباب يتفرق ببطء عن شواطئ لا تعرف أن تُعدّ. الليفة تلو الليفة. الخلية تلو الخلية. العقل أولاً كما قال يوليوس دائماً.
وكان التحسن ملحوظاً. ملحوظ بما يكفي لأن يُشعرهم بشيء لم يشعروا به منذ وقت طويل.
المعنويات ارتفعت. ارتفعت ارتفاعاً حقيقياً لا مؤقتاً، ذلك الارتفاع الذي يأتي من رؤية الجهد يُترجم إلى نتيجة ملموسة لا من مجرد كلمات تشجيع.
كانوا يقتربون من المستوى الثالث.
وفي مكان آخر من العالم، في الوقت ذاته تماماً، كان يحدث شيء لا يعلم به أحد في فيرون.
كان الممر لا يشبه أي مكان.
عرضه عشرون متراً بالضبط، كأنه قُطع بمسطرة لا بأيدي. ارتفاعه كان شاهقاً لدرجة أن السقف لا يُرى، يختفي في ظلام علوي لا تخترقه العيون مهما ضُيّقت. جدرانه كانت من حجر داكن لا لون واضح له، لكنه يعكس كل صوت بطريقة تجعل خطواتك تُسمع منك قبل أن تسمعها من مكانها الأصلي.
كان الرجل في منتصف العمر يمشي فيه منذ وقت طال حتى توقف عن قياسه.
كان يرتدي ملابس من الجلد الخشن المُسمَّر عند الأطراف، وقفازات سميكة في كلتا يديه كأنه كان يتوقع أن يحتاج يديه لأكثر من المشي. على ظهره كانت حقيبة سفر ضخمة ومُحكمة، وكان من الواضح بنظرة واحدة أنها مُعدّة لرحلة طويلة، أغطية وملابس وطعام مُضغوط وخيمة قابلة للطي. كان مُجهّزاً كمن يعلم أنه ذاهب بعيداً ولا يعلم متى يعود.
أو ربما كان يعلم أنه لن يعود.
مشى. ومشى. وتوقف عن حساب الوقت.
ثم رآها.
البوابة.
كانت هائلة بما يجعل الكلمات تتراجع عن الوصف قبل أن تُحاول. مصنوعة من فضة خالصة لا وصل فيها ولا تشقق، كأنها وُلدت هكذا لا كأنها صُنعت. كانت تبعث شعوراً من الرهبة لا يأتي من حجمها وحده بل من شيء آخر، شيء غير مرئي يقول لكل شيء حي يقترب منها: هنا يقف العالم الذي تعرفه.
وقف الرجل أمامها. كان يرتجف قليلاً دون أن يُدرك أنه يفعل.
ثم غلب الذي جاء من أجله على الذي أراد أن يُبقيه حياً.
مدّ يده ولمس الفضة.
صدر صريرٌ هائل، صوت لم يكن يشبه صوت بوابة تنفتح بقدر ما يشبه صوت عالم يُقرر شيئاً ما. وانفتحت البوابة بما يكفي ليمر جسد واحد.
دخل.
كان ما في الداخل لا يُوصف بالأشكال ولا بالألوان.
كان شيئاً يشبه المطلق. فضاء بلا حدود بلا سقف بلا أرض واضحة، تملؤه طبقات من الضباب الداكن المتحرك الذي لا يُلمس ولا يُرى خلاله. وكان للصمت فيه طبقات، كأن الصمت نفسه شيء مُركّب ومُصمَّم لا مجرد غياب صوت.
ارتجف الرجل بجنون. كان جسده يعرف شيئاً لم تعرفه عقله بعد.
ثم انفتحت العين.
لم تكن عيناً بالمعنى الذي يعرفه أي شيء حي. كانت تنفتح من وسط الضباب كأن الضباب نفسه كان يداً مغلقة قرّرت أن تُفتح. وكانت كبيرة بما لا يُقاس بأي مقياس، بيضاء بلا حدقة في البداية ثم ظهرت في مركزها نقطة سوداء كالكون المضغوط في نقطة واحدة.
ونظرت إلى الرجل.
تلك النظرة الواحدة كانت كافية.
شعر الرجل بشيء يتفكّك في داخله. ليس ألماً جسدياً. كان شيئاً أعمق وأشد ضراوة من الألم. كان كأن ما يُحدّد كيانه، من هو وماذا يريد ولماذا جاء وما اسمه وأين أتى من، كل هذا يتساقط منه كورق الشجر في خريف لا يُوقفه أحد.
ثم أتى الصوت.
لم يكن صوتاً بالمعنى المسموع. كان شيئاً يقع مباشرةً داخل الوعي، يتجاوز الأذنين تجاوزاً كلياً، ثقيل وبارد وقاطع كحكم لا استئناف فيه:
“الباحث عن الحقيقة… لقد تحدّيت مصيرك ومصير العالم. أحكم عليك بالموت.”
ارتجف الرجل ارتجاج من لا يملك جسده.
تساقط كل شيء. الذكريات أولاً، تلك الأشياء الصغيرة التي تُشكّل النسيج اليومي للوجود. ثم الأكبر منها. ثم اسمه. ثم وجهه في مرآة الذاكرة. ثم سبب مجيئه. ثم ما أراد. ثم من أراد.
ونسي حتى أنه كان يتذكر.
وفي اللحظة الأخيرة الأخيرة، قبل أن يصل الفراغ إلى ما تبقّى، ومضت كلمة واحدة في وعيه.
كومضة في عتمة تامة.
كالكلمة الأخيرة لشيء يُحتضر.
النسيان.
ثم لم يبقَ شيء.
وفي تلك اللحظة بالذات، في أماكن متفرقة من العالم، بدأ شيء يتغير.
في غابة الجنيّات، في قلب تلك الهدوء الذي لا يشبه هدوءاً آخر، سقطت سيسيليا على ركبتيها.
لم يكن سقوطاً من إعياء. كان سقوط من أحسّ بشيء يضرب العالم من الداخل. مسكت رأسها بكلتا يديها وشعرها الأخضر الطويل انتشر حولها على الأرض كموجة مكسورة. وصرخت بأقصى ما يملك صوتها:
“لا… لا!! لقد استيقظ. بعد خمسة قرون… استيقظ مرة أخرى!”
استجابت الغابة لصرختها كأنها كانت تنتظر الإشارة.
اهتزّت الأشجار من الجذور. تساقطت أوراق لم تكن موسمها. وصرخت الجنيّات جميعهن في آنٍ واحد، تلك الصرخة التي لا يُصدرها المخلوق إلا حين يُحسّ بشيء أكبر منه بما لا يُقاس.
وفي زنزانة داخل كاريثيون، في ذلك المكان الذي لا تصله الأخبار ولا تمسّه الأضواء، زأر الفهد الأسود.
لم يكن زئيراً عادياً. كان صوتاً ملأ الزنزانة الضيقة أولاً، ثم تجاوزها ليملأ الممر، ثم الساحة بأسرها، ثم امتدّ إلى ما وراء الجدران. كان صوتاً ينطوي على شيء لا تُصدره الحيوانات عادةً. شيء يشبه الرعب المُطلق، الرعب الذي يأتي من الإدراك لا من التهديد.
وفي الجبال الشمالية الباردة، حيث لا يصل البشر ولا يُفكّرون في الوصول، استيقظ كائنان قديمان.
كانا تنينين.
ليس التنانين التي تُروى في الحكايات. كانا أكبر من الحكايات وأقدم منها وأكثر رعباً مما تستطيع الحكايات احتماله. استيقظا في آنٍ واحد كأن نداءً واحداً بلغهما في نفس اللحظة. وزمجرا بصوت واحد متشابك، صوت واحد من حنجرتين.
وارتجفت الجبال.
ارتجاج حقيقي ملموس، حجارة تتساقط من شواهق وثلوج تتكسر وتنهار في الأودية، وكأن الأرض نفسها كانت تعرف من هو الذي استيقظ وكانت تُعبّر عن معرفتها بالطريقة الوحيدة التي تعرفها.
وفي أنحاء العالم المتفرقة، في الغابات السحيقة وتحت الأنهار العميقة وفي قلب الجبال المنسية، استيقظت أشياء لا أسماء لها.
لم يستيقظ كل شيء. لكن ما استيقظ كان كافياً لأن تصرخ جميعه في اتجاه واحد، كأن صرختها كانت سؤالاً يُوجَّه إلى كائن يُدرك كل صرخة في هذا العالم.
هل أنت هنا؟
وفي تلك الغرفة المليئة بالضباب الداكن، أغلقت العين.
ببطء الشيء الذي لا يعرف العجلة. ببطء من يعرف أن الوقت لا يفوته. وعادت العين إلى ما كانت عليه، ضباب ساكن وصمت مُركّب وفضاء بلا حدود.
وتلاشت جثة الرجل.
لم تسقط ولم تتحلل. تلاشت ببساطة، كأنها لم تكن موجودة قط. كأن النسيان الذي قضى عليه قضى أيضاً على كل دليل على وجوده.
وكانت الكلمة الأخيرة التي ومضت في وعيه قبل النهاية هي نفسها التي وصفت ما حدث له وما حدث به وما صار إليه.
النسيان.
وعادت الأهوال.
واحدة تلو الأخرى. التنانين أغمضا عينيهما وعادا إلى ذلك النوم القديم الذي يشبه الموت وليس إياه. وأُغمي على سيسيليا من شدة ما أحسّت به، وارتمت على أرض غابتها والجنيّات يُحيطن بها صامتات بذلك الصمت الذي هو أعمق أنواع الحزن. والفهد الأسود نام، نوم من استنفد كل ما فيه في تلك الصرخة الواحدة. وعادت كل الأهوال التي استيقظت إلى سباتها مرة أخرى، كأن شيئاً ما حدث وانتهى وقرّر العالم أن يتنفس من جديد.
لكن شيئاً قد تغيّر.
لا يعلم به أحد في فيرون. لا إيمي ولا كارل ولا جين ولا نور. لا يوليوس ولا ستارك ولا إينا. لا أحد يتابع خبر ذلك الرجل الذي مشى في ممر لا نهاية له ليجد نهايته خلف بوابة من الفضة.
لكن ما لا يُعلم لا يعني ما لا يوجد.
والعين التي فتحت مرة… تفتح دائماً مرةً أخرى.
نهاية المجلد الثالث-طريق الإرادة