الفصل 125 - عش الرعب
في بداية المعركة، أطلق ستارك الأمر مباشرة بعد تأكيد معالجة الأمر.
تشتّت الأعداد. تحرّكت الفرق في اتجاهاتها. وستارك انطلق وحده نحو أعماق الغابة بقوة من شعر بشيء منذ البداية ولم يُعلنه لأن التأكد أهم من الإعلان.
تلك الإرادة الطاغية التي تنبعث من الأعماق.
كان الخبر الذي وصلهم يقول إنه في قمة المستوى الثالث. لكن ستارك تعلّم منذ وقت طويل أن الأخبار تصف ما يُقاس لا ما يُخفى. هذا لا ينفي أن الوحش قد يكون تجاوز ما قيل عنه.
لكنه ظل متفائلاً.
الفرق بين إرادة وحش من المستوى الثالث ووحش من المستوى الرابع هائل ويمكن ملاحظته بوضوح لمن اعتاد القراءة. وتذكّر ستارك تلك الذكرى التي لا تتجاوز عدة أشهر. ذلك اليوم الذي واجه فيه الوحش الكارثة، زعيم موجة الوحوش. كائن هائل بحق، في المستوى الرابع فعلاً. وإرادته كانت تُثقل الهواء من حوله وتجعل الوقوف أمامه إنجازاً بحد ذاته.
مقارنةً بإرادة ذلك الكائن المرعب، فإرادة هذا الوحش بسيطة. هذا تأكيد أنه لا يتخطى قمة المستوى الثالث.
وهذا يعني أن أمامه فرصة.
انطلق ستارك بأقصى سرعته داخل الغابة.
الأشجار تمر من حوله بسرعة يتحول معها الغابة إلى خطوط خضراء. من الغريب أن الوحش بقي بعيداً عن قطيعه. لكن من ناحية أخرى هذا ذكاء. لو كان العدو شخصاً هائلاً فهذا الابتعاد يسمح له بالهرب دون أن يتورط في معارك لا يحتاجها.
لسوء الحظ أنه مغرور قليلاً.
‘من يختار الهرب لا يُقاتل. ومن يُقاتل بمفرده في عمق الغابة يظن أن لا شيء يصله هنا.’
استمر ستارك بالتقدم بسرعة ثابتة بين الأشجار لعدة دقائق حتى انكشف أمامه فجأة فراغ واسع.
ساحة شاسعة.
الأشجار هنا تمت إزالتها. ليس بطريقة يُزيلها الإنسان بأدواته، بل بطريقة شيء كبير لا يعبأ بما يقف في طريقه.
في المنتصف كانت هناك منطقة مغطاة بجذوع الأشجار المتراصة. بيت بدائي جداً لا يستحق كلمة بيت لو قست بالمعنى الإنساني. لكنه كان عشاً. وكان كافياً.
‘عش الوحش القائد.’
تقدّم ستارك بثبات نحو العش ببطء مُتعمَّد، يديه على سيفه، إرادته مُجمَّعة.
ثم سمع الصرخة.
جاءت من الداخل.
مرعبة. من ذلك النوع الذي يُجبر جسدك على التراجع خطوة قبل أن يسأل عقلك لماذا. ارتد ستارك منصدماً، وعيناه تُحدقان في فتحة العش.
ثم خرج.
وقف أمامه وحش بطول أربعة أمتار.
جسمه بالكامل كان عبارة عمّا لا ينبغي أن يكون. مُغطى بالعيون. عشرات منها في كل مكان، على الجسد والأطراف والوجه وما لا يُعدّ وجهاً. تبكي جميعها دماً يتدفق في خيوط حمراء داكنة. ومُغطى بالأفواه. أفواه تصرخ وتصرخ بأصوات لا تنتمي لأي كائن سمعه ستارك في حياته كلها. صرير. بكاء. تأوه. كل هذه الأصوات في آنٍ واحد دون أن تتوقف.
لم يكن شكلاً مخيفاً بالمعنى العادي.
كان شيئاً يرفض عقل الإنسان قبوله. غريزة ما في أعمق طبقات الوعي كانت تصرخ: هذا لا ينبغي أن يكون موجوداً.
ارتجف جسد ستارك بقسوة لم يعرفها من قبل. غرائزه ترفض بالكامل وجود هذا الكائن. عرق بارد سرى في كامل جسده. وقشعريرة تسللت في عموده الفقاري بطريقة لا يُوقفها الإرادة.
تقدّم الوحش نحوه.
ببطء. بثبات مريح في الخطوات. لم يهجم. فقط تقدّم كمن يعرف أن الوقت لصالحه وأن ما أمامه لن يذهب إلى أي مكان.
حاول ستارك تركيز إرادته.
استنفر كل شيء تعلمه وكل شيء خاضه وكل تلك السنوات من المعارك والتدريبات والقرارات الصعبة في ثانية واحدة.
وانطلق نحو الوحش.
في تلك اللحظة، اتسعت جميع عيون الوحش في آنٍ واحد.
ونظرت نحو ستارك.
شعر ستارك به.
إرادته تبدّدت.
ليس كمن يُهزم ببطء في معركة. بل كمن يُطفأ دفعة واحدة. حلّ محلها الخوف. ليس ذلك الخوف الطبيعي الذي يعرفه كل محارب والذي تتعلم في السنوات الأولى كيف تضعه في مكانه وتستمر. بل خوف ليس طبيعياً. خوف يملأ كل الفراغات التي تُفرّغها الإرادة حين تتبدد.
ازداد ارتجاف ستارك.
اصطدمت أسنانه ببعضها.
اتسعت عيناه من الرعب وانكمشت قزحيتاه.
‘لا يمكن للإنسان إدراك إرادته تحت تأثير الخوف. هو العدو الطبيعي لها. لا يجتمعان.’
والآن ستارك أمامهما. عاجز تماماً.
في لحظة يأس، أطلق ستارك ألقابه.
‘ابتعد.’ ‘اختفِ.’
ارتجف جسد الوحش. صرخت جميع أفواهه في تزامن مرعب جعل الهواء يهتز. ازداد الدم المتدفق من العيون والأفواه بشكل أكبر، منذراً بشيء لا يُريد الحدوث لكنه سيحدث.
اندفع ستارك بسيفه نحو الوحش.
لكن بدون إرادة لا يختلف عن هاوٍ لم يتدرب يوماً.
الرعب والتردد أسوأ ما يصيب المقاتل في القتال. ليس لأن الخوف عيب، فالخوف متأصل في كل كائن حي وكل من يقول إنه لا يخاف يكذب أو لم يُجرَّب بما يكفي. الغريب في الأمر هو أن يصيب شخصاً مثل ستارك.
ستارك الذي خاض مئات القتالات بل آلاف القتالات. المحترف في كبح الذات والسيطرة على مشاعره أثناء أصعب المواقف. الذي وقف أمام خصوم يفوقونه قوةً ولم ترتجف يده.
لكنه شعر بالخوف مرتين.
الأولى أمام الوحش الكارثة قبل أشهر.
والثانية الآن.
كان ستارك متأكداً من شيء واحد.
الوحش الكارثة كان يهاجم عقلياً ويغرس الخوف في عقول الفرسان. لكنه كان شاملاً في تأثيره على الجميع، موزعاً قوته على كثيرين في آنٍ واحد.
هذا الوحش مختلف.
الخوف الذي يغرسه هذا الوحش أكثف بكثير. أكثر شخصية. أكثر تركيزاً. كأنه لا يُجلب الخوف من الخارج بل يُضخّم ما هو موجود بالفعل في داخلك ويجعله أكبر منك بكثير.
الخوف الذي أحسه ستارك الآن كان خوفه هو. من لحم ودم وذكريات. لكنه أُخذ وضُخّم حتى أصبح شيئاً لا يُتحكم فيه.
‘هذا جعله أسوأ خصم يمكن لأي شخص مواجهته. ليس لأنه الأقوى جسدياً. بل لأنه يُحوّل قوتك الداخلية ضدك.’
والسيف في يد ستارك استمر يتحرك.
حتى بدون إرادة كاملة.
لأن بعض الأشياء تبقى حين يُسرق كل شيء آخر. تلك الحركات التي صارت أعمق من الوعي. تلك السنوات التي حُفرت في العضلات لا في العقل.
لكن ذلك وحده لن يكفي.
وستارك كان يعرف ذلك.