الفصل 124 - إصابة مثالية
كانت إيمي بالكاد واعية.
الألم ينهش جسدها من كل مكان. ساقها اليمنى بالكاد تستطيع الاستناد عليها. الدم على وجهها جفّ في بعض المناطق وما زال يتقطر في أخرى. وذراعها المخدوشة تُرسل إشارات لا تتوقف.
لكن عقلها كان يعمل.
‘تباً. هذا الوغد يُشوّه إدراكنا بطريقة ما. هذا هو التفسير الوحيد المنطقي. لا يوجد مقاتل بهذا المستوى يجعلني أتعثر بهذا الشكل إلا إذا كان يُلاعب الحواس ذاتها.’
أجبرت إيمي نفسها على الوقوف.
الساق تُشكو والجسد يُعترض لكنها تجاهلتهما بتلك الطريقة التي تعلمتها في التدريب، أن تضع الألم في مكان تعرف أين هو وتكمل.
نظرت نحو الوحش.
كان لا يزال يضحك بهستيريا مقرفة، تلك الضحكة الصغيرة التي تقول إنه يستمتع بكل هذا.
لكن إيمي لم تنطلق نحوه.
انطلقت نحو نور.
لحظة واحدة كانت كافية لتصل إليها. أمسكتها من كلا كتفيها وهزّتها بقوة، وقالت بنبرة لا تحتمل التشتت:
“ركزي نور. لا تتشتتي.”
تراجعت نور خطوة. أومأت برأسها موافقةً. لكنها لم تتوقف عن الارتعاش. فكرة أن تكون سبباً في موت رفيقة لها كانت أشد وطأة من أي ألم جسدي تُحسّه الأجساد. كانت أشد حتى من فكرة موتها هي.
انخفضت إيمي بصوتها لهمس لا يسمعه إلا نور:
“هذا الوحش يُشوّه إدراكنا وحواسنا بطريقة ما. علينا أن نتعامل معه بحذر.”
قالت نور بتردد واضح في عينيها:
“لكن إذا كان قادراً على تشويه إدراكنا كيف سنهزمه؟ ماذا سيحدث لو أصبتُك مرة أخرى؟”
ضغطت إيمي يديها على كتفي نور بقوة تقول لا تتراجعي:
“قدرته ليست مثالية. هو قادر على التأثير على واحدة فقط في كل مرة. لنتناوب على استهدافه. واحدة تُشغله والأخرى تُصيبه.”
نظرت نور إليها. ثم أومأت.
رفعت قوسها الذي بدا أثقل من المعتاد. تساءلت في سرها إن كان ذلك من الوحش أم من الخوف. لكنها لم تكترث لأي من الإجابتين. كان عليها قتل الوحش مهما كان الثمن اليوم.
قفزت إيمي نحو الوحش.
في الوقت ذاته سحبت نور القوس وصوّبت.
في لحظة كانت إيمي أمام الوحش وسيفها جاهز.
ثم شعرت به.
ذلك الشعور الغريب المزعج. الإدراك المشوّه ينفجر من جديد داخل حواسها كأن أحداً أعاد تبديل الاتجاهات.
لكن هذه المرة كبحت نفسها.
بقوة. بإرادة مُركّزة في نقطة واحدة. لم تسمح للتشويه بأن يُحرّك قدميها.
صرخت بأعلى صوتها:
“نور الآن! افعليها!”
انطلق سهم من الخلف بسرعة جنونية.
اخترق كتف الوحش واغرق فيه بعمق.
صرخ الوحش بجنون وهو يسقط على ركبتيه من الألم المفاجئ، ذراعه المصابة تتدلى بزاوية خاطئة. ثم التفتت عيناه نحو نور بكامل عدائه المتركّز.
استعادت إيمي توازنها وحواسها في تلك اللحظة القصيرة التي كان فيها الوحش منشغلاً.
وقرّرت.
فعّلت الاندماج الوحشي.
عصفت رياح خفيفة حول جسدها، تتركّز في ساقيها وجذعها وسيفيها كأنها تُعيد توزيع القوة في مكانها الصحيح. شعرت بالساق المتألمة تُصبح أقل عبئاً بما يكفي للحركة.
اندفعت.
بسرعة أكبر بكثير مما كانت عليه قبلاً. نحو الوحش الذي لم يلتفت إليها بعد. وتمزّقت ذراعه من موضع السهم بضربة واحدة دقيقة. للأسف كانت الذراع التي أصابتها السهم، لكن المهم أنها تمزّقت.
ثم فعل الوحش ما لم يتوقعاه.
قدرته على تشويه الإدراك، التي كان يستخدمها على واحدة في كل مرة، انطلقت هذه المرة لتستهدف كلتيهما في آنٍ واحد.
تمايلت إيمي.
وأنّت نور بصعوبة من خلفها.
وفي تلك اللحظة من الضعف المشترك، اندفع الوحش نحو نور ومزّق جانبها بمخالبه بوحشية.
شاهدت إيمي ذلك.
وجنّت.
اندفعت في حالة مزرية، متعثّرة لكن غير متوقفة، حتى اصطدمت بالوحش بكامل ثقلها لتُبعده عن نور. دفعة طائشة غير محسوبة لكنها كانت واضحة في ما تقوله: لن تلمسها ثانية.
رأت نور ذلك.
شعرت بالعار والخجل ينهضان في صدرها دفعةً واحدة.
إيمي تحاول حمايتها بكل ما تملكه، بجسد يتألم وساق لا تُطاع وذراع مجروحة ووعي مُشوَّه.
وهي، نور، التي كانت تُعتبر الرامية الدقيقة في هذا الفريق، كانت قد أصابت رفيقتها وبقيت مصدومة بدلاً من الفعل.
‘تباً. لن أسمح لك بفعل ما تشاء.’
قرّرت.
اندمجت نور مع جنيتها.
لم يكن الاندماج مبهرجاً للغاية من الخارج. فقط تغيّرت عيناها، تلك الرؤية الجديدة التي تُرى من خلال الأشياء وتُحدد نقاط الضعف صارت الآن في ذروتها. وظهرت بعض الوشوم الرقيقة على وجهها كرسائل بلغة لا تقرأها العين العادية.
سحبت نور وتر قوسها.
وصوّبت.
هذه المرة لم تكن تحت تأثير الوحش. الاندماج عزّز بصيرتها وحواسها بشكل بدّد مفعول التشويه تماماً. كأن ضبابه انقشع أمام عينيها.
رأت نقطة الضعف.
رأت المسار المثالي.
وأطلقت.
سهم واحد.
إصابة مثالية في القفص الصدري.
صرخ الوحش وسقط يصرخ ويستغيث بكل ما في جوفه من صوت، يحاول النهوض ولا يجد كيف.
تحرّرت إيمي من ما تبقى من التشويه لحظة أن انكسر تركيز الوحش.
انطلقت بكامل ما تبقى لها من قوة.
والوحش يحاول النهوض.
ولم يكن لديه الوقت الكافي لأن يُدرك ما يأتيه.
قبل أن يلتفت إلى الصوت خلفه، انفصل رأسه عن جذعه.
ساد الصمت.
وسط الأشجار والهواء الساكن.
سقطت إيمي على ركبتيها. ليس من الألم هذه المرة فقط، بل من الإرهاق الذي يأتي بعد انتهاء شيء كان يحتاج منك كل ما تملك.
جاءت نور إليها.
لم تقل شيئاً في البداية. فقط وضعت يدها على كتف إيمي بلطف يعتذر عما لا يُعتذر عنه بالكلام.
ثم قالت إيمي بهدوء منهك:
“لا تعتذري أكثر.”
توقفت.
“لقد انتهت.”