الفصل 123 - ضحكة الوحش
وقفت إيمي أمام وحش لا يتجاوز مئة وأربعين سنتيمتراً.
نور خلفها مباشرةً، قوسها الأبيض في يدها، عيونها الجديدة تُحلّل المشهد بتلك الرؤية التي منحها إياها التحول.
استمر الوحش بالنظر إليها بعيون براقة. عيون تُضيء في الظل بطريقة تقول إن هناك شيئاً يعمل خلفها.
تجهّمت إيمي حين ابتسم الوحش.
تلك الابتسامة المقرفة ثم الزمجرة التي تبعتها. كان بإمكانها إدراك أنه يسخر منهما. كان يضحك، وهذا وحده كان كافياً لرفع مستوى الغضب في صدرها.
نظرت إليه بتعجب حقيقي.
وحش صغير جداً. فرو بسيط. مخالب لا تبدو استثنائية. حتى أسنانه لا تتعدى العادية. مثير للشفقة حقاً بمظهره. كيف لشيء كهذا أن يكون أحد القادة الذين حذّرهم يوليوس منه؟
صرفت إيمي أفكارها عن السؤال وشدّت قبضتها على سيفيها. قبضة محكمة كتأكيد لقرار.
اندفعت نحوه.
في لحظة واحدة قطعت المسافة. كانت سرعتها حقيقية، سرعة خطوات النسيم بمقدارها المُتاح الآن. وصلت إليه. الوحش قام بردة فعل لكن سرعته لم تكن بتلك السرعة التي تُقلق.
دفعت إيمي سيفها نحوه لاختراقه.
أو على الأقل حاولت.
قبل أن يُكمل السيف مساره، تغيّر المنظر أمامها بالكامل.
العالم يدور. الأرض والسماء والأشجار. لا شيء ثابت. كل شيء يتحرك بطريقة لا تُشبه التحرك الطبيعي بل تُشبه شيئاً مكسوراً في التصور.
احتاجت إيمي لحظة واحدة لتُدرك أنها تسقط.
حاولت التمسك بشيء. أي شيء. فشلت. انزلقت على طول الطريق وارتطمت بجذع شجرة على رأسها تماماً.
ضربة ساحقة. كأن شخصاً ضخماً أمسك بها ورماها بكامل قوته. شعرت وكأن أسنانها تحطمت من شدة الصدمة وكأن عقلها كاد يتوقف عن الحساب للحظة.
نهضت بسرعة متكئة على الشجرة.
بصرها مشوّش قليلاً. رأسها ينزف، ينساب الدم ليُغطي نصف وجهها باللون الأحمر القاني.
‘ماذا حدث ماذا بحقك؟’
‘لقد سقطت. أنا سقطت. تدربتُ سنوات ولم أسقط بهذه الطريقة. وعندما واجهتُ وحشاً بهذا المظهر التافه سقطتُ. هذا غير منطقي.’
بدأت تستعيد بصرها وهي تُفتّش بشكل محموم عن الوحش.
‘أين ذلك الوغد؟ لا بد أنه قام بشيء ما. لا يوجد تفسير آخر.’
أدركته.
كان ينقض عليها بقفزة قصيرة من جانبها الأيسر. حركة مُحسوبة، سريعة بما يكفي.
حاولت إيمي التهرب نحو اليمين بقوة.
وتحركت.
لكن لسبب ما لم تتهرب نحو اليمين.
تحركت نحو اليسار.
نحو الوحش.
كأنها تطلب الموت بإرادتها الكاملة.
‘ماذا؟ ما الذي يحدث ماذا بحقك؟’
لم يكن وقتاً للتساؤل. سقطت محاولةً تجنب هجومه لكن مخالبه أصابت ذراعها. ليس عمقاً، لكن بما يكفي لأن تشعر به بوضوح.
تدحرجت عدة أمتار عنه.
وأفكارها في فوضى كاملة.
‘تباً. تباً. تباً. ما الذي يحدث هنا؟ جسدي يتصرف بغرابة. أريد اليمين فيذهب لليسار. أريد الوقوف فأسقط. كأن هناك من يُقرر بدلاً مني.’
نهضت بتثاقل.
نظرت نحو الوحش وهو يزمجر بتلك الطريقة المقرفة. الضحكة الخبيثة التي لم تتوقف.
انقض نحوها مرة أخرى.
وقبل أن يصل، تمكّنت إيمي من ملاحظة سهم يُفصل بينهما. سهم نور. جعله يتراجع خطوة إلى الخلف وينظر نحو مصدره.
الوحش التفت نحو نور التي كانت تشد وترها مرة أخرى، سهم آخر جاهز.
شعرت إيمي بشيء يُشبه التحرر في تلك اللحظة القصيرة.
فاستغلت الفرصة. اندفعت نحوه بكامل ما تملكه.
طار سهم سريع من نور.
إيمي تكاد تصل.
لحظة واحدة.
ثم سمعت تلك الضحكة المقرفة مرة أخرى.
وتعثّرت.
وسقطت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم تكن مثل الأولى.
هذه المرة جاء الألم من ساقها اليمنى. حاد. رهيب. لا يُشبه ألم السقطة.
صرخت إيمي وهي تتدحرج على الأرض، والألم يمشي في الساق من الأسفل إلى الأعلى بسرعة لا تتوقف.
اصطدمت بشجرة أخرى بظهرها.
وحين نظرت نحو ساقها اندهشت مما رأته.
كان سهماً.
سهم نور.
الذي كان مُتجهاً نحو الوحش.
صرخت نور من خلفها بصوت يُشبه الهلع:
“لا لا لا لا لا! إيمي! أنا آسفة! أنا آسفة! لم أقصد هذا! أنا آسفة! لقد أردتُ إصابة الوحش!”
نظرت إيمي نحو نور.
نور التي كانت مصدومة أكثر مما إيمي نفسها. عيونها الواسعة مفتوحة على آخرها. القوس في يدها والذراع لا تزال في وضع الإطلاق كأنها لم تُدرك بعد أنها أكملت الحركة.
ثم عادت إيمي لتنظر نحو الوحش.
الذي زمجر بضحكته المقرفة مرة أخرى.
تلك الضحكة الصغيرة التي لم تتوقف منذ بدأت المواجهة.
‘تباً. هو السبب إذاً.’
‘هذا ما يفعله. يجعل الأشياء تسير في الاتجاه الخاطئ. يعكس التوقعات. يُحرف المسارات. ليس بالقوة. بشيء آخر.’
جلست إيمي على الأرض، ساقها تُرسل إشارات لا تُوقفها، والدم على وجهها ينضم الآن إلى دم الذراع المخدوشة.
نور لا تزال تُكرر الاعتذار.
والوحش لا يزال يضحك.
وإيمي تُحاول أن تُركّب ما فهمته في جملة واحدة تبني عليها:
‘لا يمكن مواجهته بالطريقة المعتادة. التوقعات نفسها خطأ عنده. ما تظنه اليمين يصبح يساراً. ما تُرسله نحوه يعود إليك.’
‘كيف تُقاتل شيئاً يُشغّل ضدك ما بناه سنوات التدريب؟’
السؤال كان صعباً.
لكن الوقوف كان الخطوة الأولى نحو الجواب.