الفصل 122 - آخر قطرة
وقف الوحش مرة أخرى.
ونظر إليهما.
إلى الشخصين اللذين أوصلاه إلى هذه الحالة. في تلك النظرة لم يكن كره الوحش العادي. كان شيء أعمق. شيء يشبه الإدراك. كأنه يعرف بالضبط من أمامه ومن يستحق تركيز ما تبقى فيه.
معظم جروحه القاتلة كانت قد شفيت بما يكفي. ليس بالكامل. لكن بما يكفي لإخراجه من الحالة الحرجة. ووضعه مجددًا في حالة الكائن الذي يمكنه القتال.
إلا ذراعه اليسرى.
كانت ممزقة بالكامل. نسيج لحم مبعثر والعظم يُرى بينه. لا يمكن لقدرة التجدد أن تعيد ما انتزعته تلك الضربة.
نظر إلى الذراع.
ثم أمسك بها.
بيده اليمنى أمسك ذراعه المدمرة ولفها ثم لفة أخرى. سُمع صوت تمزق مقرف ملأ الهواء. ثم شد. وانفصلت الذراع.
رماها جانبًا كأنها شيء لا قيمة له.
ربما رأى أنها لن تُعاد أبدًا. ربما رأى أنها ستُعيقه. لا يُعرف ما كان يدور في عقله. لكن الوحش مازال حيًا. وهذا وحده كان كافيًا ليقلب الحسابات.
كارل كان يرتعش.
ليس من البرد. من الاستنزاف الكامل. وضع كل ما لديه في تلك الضربة الأخيرة. الآن لم يتبق شيء يُذكر. جسد فارغ. إرادة تكاد لا تنبض.
لا. لا. هذا جنون. تحرك. تحرك. أنا لا أريد الموت.
الفكرة تدور بصوت يملأ رأسه لكن الجسد يرفض.
أمسك سيفه بصعوبة. الأصابع لا تُحكم القبضة كما يريد. ونهض. متعثرًا. كل خطوة قرار مستقل يحتاج إلى كل ما تبقى من وعي.
لم يكن لديه رفاهية الراحة. ليس الآن. ليس أمام هذا الوحش.
اندفع الوحش نحو كارل.
وقبل أن تصل الهجمة، وقف جين.
رفع الدرع.
طراخ.
تراجع خطوات. لكنه ثبت. والتفت نحو كارل وصرخ بكامل ما تبقى في حنجرته:
“كارل تماسك! إنه أضعف من السابق. علينا إنهاؤه قبل أن يتجدد!”
التفت كارل إلى الوحش.
يترنح.
هذا صحيح. اندفاعته وهجومه السابق أضعف بكثير. لو كان تجدد بالكامل لكانت ضربته مختلفة. إنه يتظاهر بالقوة. إصاباته الداخلية لا تزال كما هي. هذه هي الفرصة.
ضغط كارل على مقبض سيفه. أبيضت الأصابع من شدة الضغط. واندفع. بكامل ما تبقى. بكل شيء.
حراشف الوحش انتزعت أغلبها خلال الإصابات السابقة. ما كان يصمد بالكامل لم يعد موجودًا. والهجمات الآن تترك آثارًا. خدوشًا. جراحًا صغيرة لكنها جراح.
رفع كارل سيفه وسدد سلسلة من الهجمات. بعضها وصل. بعضها صُدّ. والوحش رغم أنه يعمل بذراع واحدة فقط لا يزال يُحكم دفاعه بطريقة تُذهل وتُحبط في آنٍ واحد.
رفع كارل يديه عاليًا. هجمة كاملة.
ضربة من الوحش أسرع.
طار كارل. عدة أمتار. سقط. تدحرج. صوت الاصطدام كان مؤلمًا حتى لمن يسمعه من بعيد.
كاد كارل يفقد وعيه.
ضغط على نفسه بعنف داخلي. تبقى واعيًا. تبقى واعيًا. الآن.
الألم كان شديدًا. إصابات متعددة. وربما عظام مكسورة في مكان ما لا يستطيع تحديده. لكنه نهض. متكئًا على السيف كعكاز. جسد يرفض وكارل يرفض رفضه.
تجهّم.
ونظر إلى الوحش المتجه نحوه.
من خلف الوحش.
نهض جين.
بكامل ما بقي فيه. قفز على ظهر الوحش. وفي لحظة واحدة لُفّت ساقاه على خصره. وذراعه اليسرى ملتفة على رقبة الوحش. ويده اليمنى تُمسك بذراعه.
قبضة من كل ما في جين من قوة وإرادة وألم مُحتمَل.
صرخ الوحش.
حاول إسقاطه. ضربات في الهواء. محاولات للتخلص. لكن جين كان مُصمِّمًا. لآخر رمق. بلا تراجع. الألم الذي يحترق في عضلاته من الضغط كان لا يُطاق. وهو لم يُطقه. تجاوزه.
حاول الوحش دفع ظهره نحو الأشجار.
لكن كارل كان له رأي آخر.
صدر الوحش أمامه. في أسوأ حالاته. الحراشف مُنتزعة. الجروح مكشوفة.
اندفع.
هجمة بربرية. دفع سيفه داخل الصدر بكامل ما يملك.
رفض السيف الدخول أكثر من سنتيمترين.
الصلابة الداخلية للوحش كانت لا تزال تصمد. حتى هكذا.
شد جين عضلاته أكثر.
للضغط. لإبقاء الوحش ثابتًا. لمنعه من التحرك ولو ميليمترًا.
وشعر بعضلاته تحترق.
ليس حرارة التدريب. حرقة التمزق الحقيقي. الألم تجاوز ما يمكن وصفه. لكن جين لم يتركه.
لم يتركه.
وكارل فعل آخر ما يستطيعه.
حصر إرادته. كل ما تبقى. لم يُبقِ شيئًا احتياطًا. لا توزيع. لا تحسب. كل قطرة من آخر ما في جعبته حصرها على رأس السيف المُغروس داخل جسد الوحش.
ثم أطلقها.
كرراك.
صوت تمزق من الداخل. من أعماق ما صمد طويلًا.
وصرخ الوحش.
صرخة لم تكن من ألم وحده. كانت من شيء ينتهي. من إرادة تنطفئ.
وسقط.
بشكل درامي يصف الجثة التي لا روح فيها.
وسقط جين. وسقط كارل.
شبه واعيين.
لو رآهما أي شخص في تلك اللحظة وقال “يحتضران” لما أخطأ كثيرًا.
جسدان على الأرض. يتنفسان. بصعوبة. لكنهما يتنفسان.
والوحش الذي كان يقف أمامهما وحوله كل ذلك الثقل والصلابة والهالة المرعبة… أصبح جثة في التراب.
وفي ذلك الصمت الذي جاء بعد الصرخة الأخيرة، حين لم يعد هناك صوت سوى أنفاسهما المتعثرة والريح التي تمر بين الأشجار…
كارل أدار رأسه ببطء نحو جين.
وجين أدار رأسه نحو كارل.
لم يتحدثا.
لا طاقة للكلام.
لكن في نظرة كل منهما للآخر كان شيء يكفي.
شيء يقول: فعلناها.