الفصل 121 - الوحش الذي لايموت
وقف كارل وبجانبه جين أمام الوحش الأول.
شاهق. حراشفه زرقاء تعكس لون السماء بطريقة تجعلها تبدو وكأنها صُنعت من السماء نفسها لا من الطبيعة. كان بإمكانك ملاحظة سماكتها من مسافة. كل حرشفة منها بسمك خمسة سنتيمترات أو يزيد. ليست مجرد درع طبيعي. بل حصن متحرك يلفّ جسمًا ليس من النوع الذي يُهاجَم بسهولة.
وجوده كان مرعبًا بطريقته الخاصة. ليس الرعب الصاخب الذي يصرخ في وجهك. بل ذلك النوع الهادئ الثقيل الذي ينذر ويُرعب في نفس الوقت. النوع الذي يجعل الجسد يحسب المسافة تلقائيًا دون أن يُستأذن العقل.
والغريب في كل هذا: حركاته كانت صامتة بالكامل.
لم يُصدر صوتًا واحدًا يُذكر سوى أنفاسه. لا أرض تهتز. لا صوت لحراشفه. كيان بهذا الحجم وبهذه الصلابة يتحرك كأنه مصنوع من الظل.
خطا خطوته الأولى نحو الثنائي.
وقابلته خطوة متراجعة من الاثنين. ليس جبنًا. إدراكًا فوريًا في قرارة كل منهما: هذا ليس وحشًا عاديًا.
اتخذ جين قراره أولًا.
الاندماج.
شعر بجنيته تندمج في جسده وعقله. ليس انضمامًا خارجيًا. بل اندماجًا حقيقيًا بين الألياف العضلية وداخل العظام، كأن كيانًا آخر يجد مكانه في كيانه ويستقر.
ولثوانٍ، تغير جين.
الطول تصاعد عدة سنتيمترات جعلته يساوي الوحش أو يتخطاه قليلًا. العضلات نمت. ليس مجرد انتفاخ. نمت بطريقة كثافة فيها شيء يشبه الفولاذ الصلب مغطى بالجلد. وجسد كان يعرف ثقله المعتاد أصبح فجأة ثقلًا مختلفًا بالكامل.
اندفع نحو الوحش.
رغم حجمه الهائل الجديد لم تتراجع سرعته. الاندماج منح الحجم دون أن يسرق الحركة.
لكن جين مدافع. هذا ما يعرفه. وهذا ما اختاره. تخلى عن الهجوم وعمل على شيء واحد: كبح الوحش. دفعه بدرعه العملاق. إبقائه مقيدًا في موضع يُتيح لكارل الهجوم.
وكارل هاجم.
سيمفونية من الهجمات. وحشية في قوتها ودقيقة في اختيار المواضع. الرقبة. الإبط. الركبة. الفخذ الداخلي. مؤخرة الرأس.
كل موضع يُحسب ليس لأنه يبدو أضعف بل لأن فهم تشريح ما تواجهه يمنحك أفضلية حتى حين لا تترك خدشًا.
وهنا كانت المشكلة.
فشل ذريع. أقصى جهود كارل لم تترك جرحًا يُذكر على تلك الحراشف الزرقاء. كأنه يضرب جدارًا يعرف مسبقًا أنه لن يتشقق.
وفي تلك اللحظة من الإحباط، تمكن الوحش من دفع جين للخلف عدة سنتيمترات. لم يكن كثيرًا. لكنه كان كافيًا ليقول إن الكبح لن يستمر إلى الأبد.
وتذكر كارل.
تذكر ما يكلف جين هذا الاندماج.
إجبار جسد على النمو لمستويات تتجاوز حدوده الطبيعية ليس أمرًا بسيطًا. الألم الذي يعيشه جين الآن بينما يقف ويدفع ويتحمل ليس ألمًا معتادًا. هو ألم يسري في كل ألياف التحول. في كل خلية تُجبَر على أن تكون أكبر مما كانت.
ومع ذلك لم يشتكِ.
لم يقل كلمة واحدة.
وقف. ودفع. وتحمل.
وكارل أمامه عاجز عن ترك جرح واحد يُسوّغ هذا الثمن الذي يدفعه صديقه.
ثم تراجع الوحش.
لحظة خداع كاملة. ليست تراجعًا من الضعف. كان يجمع نفسه. وفي اللحظة التالية اندفع بأقصى قوته في هجوم مباشر نحو جين.
لم يندفع كارل.
فعل العكس.
رأيت ذلك منه وعرفت ما يعني: يعلم ما سيأتي.
وحين التقت ضربة الوحش على درع جين، حدث شيء لم يُشاهَد من قبل في تلك الغابة.
ضغط غريب تشكّل حول الدرع. ثم انفجر.
كأن الواقع نفسه تمزق أمام الدرع.
ضوء هائل أولًا. ثم تمزقت نصف المنطقة أمامه. أشجار طارت. أرض تفتتت. وفي قلب كل ذلك اختفى الوحش داخل الضربة الواحدة.
سقط جين على ركبتيه.
يسعل ويلهث بجنون. جسده بدأ يتقلص عائدًا لحجمه الطبيعي. والدم يسيل من أنفه بغزارة لا تُخفى.
وكارل مذهول.
جين. وحده. هزم وحشًا من المستوى الثالث. بضربة واحدة.
“هذا… جبار. بمعنى الكلمة.”
وبلا تفكير اندفع نحو صديقه.
ثم تغير الهواء.
ليس تغيرًا تدريجيًا. فجأة. دفعة واحدة.
ظهر الوحش.
مرة أخرى. أمام جين مباشرة.
وبضربة قذفته عدة أمتار من مكانه.
صرخت.
لا. الكلمة الأدق أنني زئرت. بأقصى ما في حنجرتي. وأنا أندفع نحوه.
الاندماج. قدراتي الجسدية في مستوى آخر. والسبب لم يكن سرًا على أحد.
الغضب يستهلكني.
وكارل حين يُستهلك بالغضب يُصبح أقوى.
اندفعت نحو الوحش بضربة من السيف.
ولأول مرة في هذه المواجهة، رأيته يلتفت نحوي.
رآني. لأول مرة بحق. كخطر.
هجماتي كانت تترك أثرًا عليه. لا جراحًا عميقة. لكنها آثار. وهذا كان فارقًا لم يكن موجودًا قبل الاندماج.
ثم بلكمة على بطني.
شعرت وكأن كامل أحشائي تُسحب مني دفعة واحدة. طِرت. عشرات الأمتار. ورضَّ جسدي على شجرة بصوت لا يُحسده أحد.
هذا مؤلم. أيها الوغد. هذا مؤلم جدًا. سأقتلك.
الغضب ازداد. وفي المقابل شيء في جسدي ازداد معه. قوة تتصاعد تبعًا لما يحترق في داخلي.
ضربة أخرى على الجانب الأيسر.
تبا. تبا. تبا. هذا مؤلم أيها الوغد الملعون. سأمزقك. سأحطمك.
الغضب يُسوء والقوة تعظم في المقابل.
وحين بلغت أقصى حدودي، حين وصل الغضب إلى تلك النقطة التي لا يوجد بعدها إلا الفعل…
شحن كارل.
وضع كامل إرادته وكامل كيانه في هجمة واحدة. لا توزيع. لا تحفظ. كل شيء في لحظة واحدة.
طررررراخ.
إصابة مثالية.
اهتزت الأرض وتمزقت تحت وطأة الضربة. الوحش لم يُحكم دفاعه. والارتداد من شدة الصدمة قذف كارل للخلف. تأوهًا. يلهث.
التحول تراجع. الذراع خدرت بالكامل.
ابتسم رغم الألم.
فرحًا بالإصابة لا بالنصر بعد.
نظر إلى الجانب. جين يتقدم نحوه متعثرًا.
قابله بابتسامة نصر.
ثم.
طراخ.
التفت الاثنان بشكل لا إرادي نحو الصوت.
الوحش.
يحاول النهوض.
ذراعه اليسرى ممزقة بالكامل. نصف جسده مدمر. كان في حالة محتضر لا يجادَل فيها.
لكن…
الجراح تشفى.
تتجدد.
ببطء. لكنها تتجدد. كأن جسده يُعيد كتابة ما مُحي.
ووقف العقلان في مواجهة هذا المشهد.
لا يصدقانه. لا يستطيعان تقبّله.
لا. لا. لا. هذا غير معقول. هذا غير واقعي. هذا غش حقيقي.
ولأول مرة في تلك المواجهة، لم يكن السؤال عن الطريقة.
كان السؤال الحقيقي:
كيف تقتل شيئًا… يرفض الموت؟