الفصل 120 - قادة الوحوش
الوحوش التي كانت تتقدم قبل لحظات بثبات وعدوانية وانسجام مرعب — ذلك النوع من الانسجام الذي يُخبر أن ما تواجهه ليس وحوشاً عشوائية بل كياناً مُنظَّماً يتنفس كقطيع واحد — تراجعت فجأة.
لم يكن تراجعاً مدروساً. لم يكن قراراً اتخذه أحد. كان شيئاً أشبه بالارتداد اللاإرادي الذي يحدث حين يُصطدَم بشيء لا تعرفه الغريزة كيف تتعامل معه. تفرّقوا — كل واحد على حدة، بحركات غير طبيعية تكسر ذلك التناغم الذي كان مصدر خطرهم الحقيقي. ببساطة مُخيفة في طريقتها: إرادة ستارك قد لمستهم قبل أن يصلها جسده، وما تلمسه تلك الإرادة لا يبقى على ما كان عليه.
كارل لم ينتظر.
وضع في حركة سيفه الواحدة ما لم يضعه في ضربات كثيرة سابقة — إرادته كاملة، كل ما تعلّمه عن التكثيف ومزجه بغضب محكوم لا يجعله يفقد الدقة بل يمنحها ثقلاً إضافياً. أطلق الضربة على أول ثلاثة وحوش كانوا الأقرب والأشد تركيزاً.
اهتزّت الغابة.
ليس اهتزازاً مجازياً — اهتزازاً فيزيائياً حقيقياً حملتْه الأرض من تحت الأقدام قبل أن تحمله الأذن. الأشجار القريبة من نقطة الاصطدام تحطمت من مكانها كأنها ورق مبلّل لا خشب. والوحوش الثلاثة لم يسقطوا ولم يتراجعوا — تفتّتوا. حرفياً وبلا مبالغة. قبل أن تُدرك أجسادهم ما حدث، كان ما كانوا عليه قد أصبح أجزاءً مترامية على الأرض والأشجار المكسورة. لم يبقَ منهم ما يكفي لمعرفة أنهم كانوا هناك.
أُصيب ثلاثة وحوش أخرى بإصابات متفاوتة — لم تُعطّلهم كاملاً لكنها أعادت توزيع انتباههم وأبطأت ردود أفعالهم.
وفي تلك اللحظة، جاء السهمان.
من الخلف، بسرعة تجعل أصوات الهواء تسبقها لا تتبعها، ودقة تختار الأهداف لا تتركها للصدفة. سقط وحشان من الثلاثة الجرحى بلا صوت يُذكر قبل أن يُدركا أن هناك سهاماً في الهواء.
أوضحت نور لمن لم يكن قد أدرك بعد ما يعنيه وجودها في هذه المعركة — أنها ليست دعماً. هي طرف كامل في المعادلة.
ثم اختفى ستارك.
انطلق بحركة كانت أسرع مما تستطيع العين العادية تتبعه — ربما بنفس سرعة إيمي حين تُنشّط قدرتها كاملة، ربما تتجاوزها. اختفى في أعماق الغابة تاركاً خلفه الصدى الأخير لخطواته وملحمته الخاصة التي لا تعرف من يُشاركها فيها.
تركهم مع مصيرهم. لأنه يثق بهم. أو لأن ما يذهب إليه يتطلب تفرّغه التام.
نشّطت إيمي قدرتها.
وحصلت على تعزيز جنيتها.
كان العالم، في اللحظة التي أغلقت فيها الدائرة بينهما، كأنه قرّر أن يتحرك ببطء شديد. الجميع حولها يتحركون — لكن حركتهم باتت تشبه حركة الأشجار في ريح خفيفة: مرئية، محسوسة، لكن بطيئة لدرجة أن التنبؤ بها أصبح بديهية لا حساباً.
ردود أفعالهم باتت أبطأ من أن تُشكّل خطراً حقيقياً.
اختبرت إيمي هذا الشعور آلاف المرات. ليس مجرد تجربة متكررة — بل أصبح جزءاً منها وجزءاً من كيانها. شيء لا تحتاج إلى التفكير فيه بل تعيشه كما تعيش الجسد تنفّسه.
الأمر لم يكن أنهم أصبحوا أبطأ أو أضعف. لم يتغيّر شيء فيهم. هي التي تغيّرت. هي التي أصبحت شيئاً آخر. حين كانت في المستوى الأول، كانت قدرتها تمنحها خمسة أضعاف السرعة العادية. شيء مذهل آنذاك. الآن، مع ما يُضاف إليها، مع التعزيز الذي تُضيفه جنيتها فوق ما وصلت إليه وحدها — اثنا عشر ضعفاً.
بمعنى آخر: إيمي أصبحت كياناً لا يستطيع الإدراك البشري العادي مجاراتها. تتحرك في مسافة لا يُسجّلها الآخرون إلا بعد أن تكون قد انتهت فيها.
لمحت أربعة وحوش في الجهة البعيدة — مُشتّتين بالفعل، فاقدين لذلك التنسيق الذي كان يجعلهم خطرين حقاً.
ثنت ساقها وبسطتها في حركة واحدة انسيابية. قفزت أكثر من عشرة أمتار — ليس أقصى ما تستطيعه، بل ما تحتاجه لهذا الهدف تحديداً. تحكّمت في القوس لتصل بالدقة المطلوبة لا بالزخم الزائد.
الوحش الأول لم يرَها. وحين غرزت سيفها المتوسط في محجر عينه، اخترقت العظم والأنسجة دون أن تُبدّد قوتها في ما هو أعمق مما يلزم — خمسة عشر سنتيمتراً كافية حين تصل إلى المكان الصحيح. تراجعت، وسقطت جثة الوحش بلا صوت يُذكر. لا مقاومة. لا تشنّج. دماغه أُتلف في ثانية واحدة.
قفزت للخلف بقفزة عالية. وتشكّلت تحت قدمها دوامة رياح صغيرة محكمة — من صنع جنيتها، تلك التي تُكمل ما تبدأه إيمي وتبدأ ما تُكمله إيمي بطريقة لا تحتاج كلاماً بينهما — وضعت عليها قدمها لتنطلق نحو الوحشين المتجاورين.
وصلت.
غرزت سيفها القصير في حنجرة الأول. ثم بحركة أفقية واحدة مزّقت من الوريد إلى الوريد — قطع نظيف وسريع وقاطع. ثم قفزت للوحش الرابع مباشرة، غرزت السيف في أعلى الرأس بزاوية تعرفها يدها دون أن يتوقف عقلها لحسابها. ثم قفزت عائدة.
خمس عشرة ثانية.
أربعة وحوش.
خلال تلك المدة، لم تكن بقية الفريق تتفرج.
أسقط كارل وحشين إضافيين بمبارزة متقنة — ذلك الأسلوب الذي يجمع بين القوة الغاشمة والحركات المحسوبة بأقل هامش ممكن للخطأ. ونور أسقطت ثلاثة أخرى بثلاثة سهام لم تُضيَّع فيها رابعة.
وتقدم أربعة وحوش نحو جين.
ردّهم. قدرته — “الضربة الارتدادية” — استقبلت زخمهم وأعادته إليهم مضاعفاً بطريقة لا تمنح لمن تصيبه وقتاً للإدراك. تمزّقوا من القوة التي جاؤوا بها هم لا من قوة خارجية أضافها جين.
ثم تقدّم قائد.
وحش يتجاوز المترين. حراشف زرقاء صلبة تُغطّي جسده بطريقة تُشبه درعاً طبيعية لا مُركّبة — الفولاذ حين يُشبه الطبيعة يكون أخطر من الفولاذ المصنوع. ضخم بضخامة تجعل الوصف الرقمي أقل تأثيراً من رؤيته.
لكن إيمي لم تسمح لنفسها بالانشغال بما أمامها على حساب ما لا تراه. قدرتها نشطة — ومع تنشيطها، تتوسع قدرتها على مسح المحيط بسرعة تفوق المعتاد. مشّطت الموقع بالكامل في جزء من الثانية.
رأته.
خلف الفريق. ليس أمامهم.
وحش بطول مئة وأربعين سنتيمتراً — قصير بشكل غير متناسب مع الكيانات التي واجهوها حتى الآن. آذان ضخمة تتحرك باستقلالية كأنها أداة رصد لا مجرد سمع. وعلى وجهه ابتسامة بدت ماكرة بطريقة لا تنتمي إلى الغريزة الحيوانية بل إلى شيء أقرب إلى الحساب.
يستهدف نور.
يستهدف من يقف في أعلى نقطة ويرى الجميع ولا يراه أحد.
اندفعت إيمي.
الضربة بقدمها أرسلته أمتاراً للخلف — ليس قتلاً بل إيقاف محكوم. وقفت بين الوحش القصير وبين نور، وجهها نحوه وظهرها للرامية. ثم قالت دون أن تلتفت:
— “ادعميني يا نور. إنه أحد القائدين.”
والقائد القصير الذي كان يُحاول إخفاء ذكائه خلف حجمه الصغير نظر إليها من بين أذنيه الضخمتين بتلك الابتسامة التي لم تتغيّر رغم الاصطدام. كأنها توقّعته.
وفي جهة أخرى من الغابة، كان القائد الأكبر — ذو الحراشف الزرقاء — يُعيد تموضعه.
انقسم القائدان. كل واحد في اتجاه. كأنهما يُقرآن الفريق ويتوزعان عليه بدلاً من أن يتوزع الفريق عليهما.
الآن بدأت الحرب الحقيقية.