الفصل 119 - بداية المعركة
تحرّكنا في الغابة كأننا كنا جزءاً منها.
لم نكن بحاجة إلى كلام. لم يكن هناك من أعطى إشارة أو أصدر أمراً بالتحرك بهذه الطريقة. كان التناغم طبيعياً كأنه شيء تطوّر بيننا دون أن نلاحظه، نتاج أسابيع من التدريب المشترك وساعات قضيناها نتعلم كيف يفكر كل منا في لحظات الضغط.
تحرّكنا بانسيابية بين الأشجار الكثيفة. خطواتنا تُحسب لا تُهدر، وأجسادنا تنحني أو تنزلق مع كل شجرة وكل جذر بارز دون توقف. كنا سريعين بشكل واضح مقارنةً بالمقاتلين العاديين، ليس تلك السرعة الجبّارة التي تُخلّف خطوطاً في الهواء، لكن الفرق كان موجوداً ولا يخطئه من يعرف ما الذي يبحث عنه. كان فارق المستوى والخبرة ظاهراً في كل خطوة، في كيفية اختيار الموطئ وكيفية توزيع الثقل وكيفية التعامل مع الأرض غير المستوية كصديق لا كعائق.
ستارك في المقدمة، وكانت حركته تشبه حركة شخص يعرف الغابة الغربية بالقدر الكافي ليحترمها دون أن يخشاها. كارل على يمينه، خطواته أثقل من خطوات الباقين لكن منضبطة بدقة، وكتفاه العريضتان تفتحان له فسحة بين الأشجار المتقاربة. جين على يسار ستارك، وكان جسده الضخم يتحرك بخفة مفاجئة لا تتناسب مع حجمه إلا لمن يعرف أنه تدرّب على هذا تحديداً. ونور… نور لم تكن متخلّفةً عنهم أبداً رغم أنها رامية سهام في الأصل. كانت تُثبت بكل خطوة أنها تعرف نقاط ضعفها جيداً وقد أمضت وقتاً في العمل عليها، ففي ميدان القتال لا مكان لمن يعرف قوته فقط.
وكنت أنا خلفهم، سيفاي في غمدهما لكن يديّ قريبتان من المقابض. ذلك الثقل المألوف الذي يعني الاستعداد.
ربع ساعة من الجري بين الأشجار الكثيفة. لم نتكلم. الغابة من حولنا كانت تُصدر أصواتها المعتادة، طيور وحفيف أوراق وذلك الصوت المنخفض الدائم الذي لا مصدر واضح له، لكن كنا جميعاً نُفرّق تلقائياً بين أصوات الغابة الطبيعية وأي شيء آخر.
في منتصف الغابة، رفع ستارك يده.
توقفنا.
أشار للتجمع. التففنا حوله في دائرة بسيطة ضيّقة، وجوهنا نحوه والظهور نحو الخارج. كانت الأشجار حولنا كافية لتوفير غطاء بصري مقبول، لكن لم يكن أحد منا يعتمد كلياً على ذلك.
نظر ستارك إلى نور مباشرةً:
“نور. قدرتك هي البصيرة وهي أفضل قدرة يمكننا استخدامها في وضعنا الحالي. هذه الشجرة أمامك هي أعلى شجرة وصلنا إليها حتى الآن. اصعدي واستخدمي موقعك لتحديد أي تجمّع يحمل شذوذاً.”
أومأت نور برأسها بحزم لا تعليق فيه.
ثم قفزت.
أمسكت بأول غصن بحركة واحدة سلسة، ثبّتت قدمها، وانطلقت. كانت حركتها بين الأغصان دقيقة وسريعة، لا تُهدر طاقة في الانتقال من مكان إلى آخر، وكانت الأغصان تُصدر أقل ضجيج ممكن تحت وزنها. ثوانٍ معدودة وكانت قد اختفت في الأعلى بين الأوراق الكثيفة.
انتظرنا.
كانت الغابة تُكمل أصواتها كأننا لسنا هنا.
لم تمضِ سوى دقائق حتى عادت نور. قفزات قصيرة متتالية، تنزل بدرجات لا بسقطة واحدة، وحطّت بجانبي مباشرةً بخفة من يعرف كيف يوزّع ثقله عند الهبوط. بحركة خاطفة من يدها عدّلت الطيّة الصغيرة التي تشكّلت في ياقة سترتها، ثم قالت بصوت هادئ لكن فيه شيء لم يكن فيه قبل أن تصعد:
“في الجهة الشمالية الغربية. هناك تجمّع من الوحوش. ليس بالحجم الهائل لكنه يبعث على الشعور بالشؤم.”
نظر ستارك إليها لثانية، ثم أومأ:
“حسناً. تم تحديد الوجهة. كما اتفقنا، سأتولى الوحش القائد. أنتم ركّزوا على الأتباع ولا تدعوهم يتدخّلون في قتالي.”
انطلقنا.
بأقصى سرعة لدينا هذه المرة، وقيادة نور تُوجّهنا في الاتجاه الصحيح. أوضحت أن المسافة لن تتجاوز نصف ساعة على هذه الوتيرة.
كنّا نجري حين بدأت الغابة تتغيّر.
لم يكن تغيّراً مرئياً بالضرورة. الأشجار بقيت أشجاراً والأرض بقيت أرضاً. لكن كان هناك شيء في الهواء، ذلك الشيء الذي يسبق الخطر دائماً بثوانٍ قليلة كأنه يُرسل رسائل لا صوت لها.
وضع ستارك يده على مقبض سيفه.
بمجرد أن رأيت حركته، تبع الجميع الأمر بشكل تلقائي. سحب كارل سيفه الثقيل ذا الفلقة العريضة، وكان الصوت الخافت لخروجه من الغمد ممتصاً بين أصوات الغابة. أمسك جين ذراعه اليسرى التي يُلبّس فيها درعه الخفيف ذا اللوحات المتداخلة وأحكم ربطته بحركة معتادة. ونور سحبت قوسها ووضعت يدها على الوتر.
أما أنا فسحبت سيفيّ. السيف القصير في يدي اليسرى والسيف المتوسط في اليمنى. كان الوزن المألوف لكلٍّ منهما شيئاً يُشبه اليقين.
ثم رفع ستارك يده. حركة سريعة وثابتة.
توقفنا جميعاً في آنٍ واحد.
أشارت نور بيدها في اتجاه محدد وقالت بهدوء لا ترتجف فيه رغم ما تراه:
“هناك. أربعة وعشرون وحشاً إلى جانب القائد. على بعد مئتين وعشرين متراً.”
خمسة وعشرون هدفاً. بالإضافة إلى قائد يلمس بداية المستوى الرابع. ونحن ستة.
لكن لم يُبدِ أحد تعليقاً على الأرقام.
كانت نور تُبقي نظرها في الاتجاه ذاته، وبصيرتها تخترق المسافة والأشجار بما لا تستطيعه عيون عادية. كانت مركّزةً تماماً، تُعيد فحص ما ترى وتُراقب الحركات.
ثم حدث شيء لم نتوقعه.
في تلك المسافة التي تفصلنا عنهم، بين الأوراق وجذوع الأشجار، رأى وحش صغير. كان قصيراً بحوالي مئة وأربعين سنتيمتراً، جسده مُغطى بشعر داكن مُتلبّد، وعيناه صفراوتان باردتان تمسحان المكان باستمرار.
والتقت تلك العينان الصفراوتان بعينَي نور.
شهقت نور بقوة وتراجعت عدة خطوات، وكان في وجهها تعبير لم أرَه فيها من قبل:
“لقد حدّدوا مكاننا يا ستارك. إنهم يتقدمون نحونا.”
لم يتراجع ستارك.
لم يتشتت. لم يُصدر أي حركة تدل على أن الأمر أزعجه أو أربكه. فقط وقف كما كان واقفاً، لكن شيئاً ما في وقفته تغيّر. صار أكثر صلابةً، كأنه يضع ثقل جسده بشكل مختلف على الأرض تحته.
قال بهدوء مقصود:
“نور، تراجعي للخلف. غطّي الجميع بأسهمك.”
ثم نظر إلى كارل وجين:
“استعدّا. كما اتفقنا.”
ثم نظر إلى الأمام:
“سأهتم بالقائد. أنتم بالأتباع.”
تراجعت نور خمس خطوات إلى الوراء وسحبت الوتر. ظهر السهم كأنه تشكّل من اللاشيء نفسه، تجمّع أمام الوتر من طاقة جنيّتها وأخذ شكله الصلب المدبّب، مضيئاً ببريق أبيض خافت. وقفت بقدمين ثابتتين وعيون تُحدّق في الأمام.
وقفت أنا وكارل وجين في خط أمامها.
كان أول الوحوش قد بدأ يظهر بين الأشجار. ليس ظهوراً كاملاً بعد، بل ذلك الظهور التدريجي المزعج، حركة هنا وشكل غامض هناك، وعيون تلمع في الظلام بين جذوع الأشجار. وكانوا يتقدمون بجنون قاتل، بلا حساب ولا تردد، كأن رؤيتهم لنا قد أطلقت فيهم شيئاً لا يُوقف.
ضغطت بقبضتَيّ على السيفين وشعرت بالمقبضين المألوفين تحت راحتَيّ. أخذت نفساً عميقاً واحداً وأشعلت قدرتي في الداخل، ذلك الدفء الذي ينتشر من المركز إلى الأطراف حين تستيقظ الإرادة.
ثم خطا ستارك خطوته الأولى إلى الأمام.
كانت حشد الوحوش الآن في المدى المرئي الكامل، أجسادها المختلفة الأحجام والأشكال تندفع نحونا بين الأشجار. وفي مقدّمتها، أكبر من الجميع وأكثرهم هدوءاً في وسط كل ذلك الجنون، كان القائد. كان يمشي لا يركض. وهذا وحده كان كافياً ليُخبر عن حجم ثقته بنفسه.
نظر ستارك إلى الحشد المندفع. ثم قال كلمة واحدة، بصوت حمل فيه شيء يُشبه الأمر لا مجرد الكلام:
“تشتّتوا.”
كانت الكلمة موجّهةً إلينا نحن، لكن تأثيرها الحقيقي كان في ما سيفعله ستارك في اللحظة التالية. لأنه حين يندفع القائد نحو الأتباع والأتباع يرون قائدهم يتعرض للتهديد، تنقسم الأولويات ويتشتّت الحشد عن هدفه الأصلي.
كان يُساعدنا في قتالنا دون أن يوقف قتاله.
ثم انطلق ستارك.
اندفع أول وحشين نحوي في آنٍ واحد.
الأول كان بطول يقترب من مترين، جسده مُغطى بجلد رمادي سميك يشبه الحجارة، وذراعاه أطول من الطبيعي تنتهيان بمخالب سوداء طويلة. كان يركض على قدمين لكن بانحناءة أمامية جعلت يديه تلمسان الأرض في كل ضربة. والثاني كان أصغر منه لكن أسرع بوضوح، جسده نحيل وأطرافه كثيرة الحركة، وكان يتقدم بشكل متعرج لا يمكن التنبؤ باتجاهه التالي.
انتظرت.
لم أتحرك حتى وصل الأول إلى مسافة ثلاثة أمتار. ثم تحركت.
انزلقت إلى اليسار خطوة واحدة حادة، والوحش الكبير مرّ على يميني بزخم حركته الكاملة دون أن يُصب شيء. رفعت السيف المتوسط ووجّهته نحو جانبه الأيمن في قوس سريعة، وكان الجلد الرمادي أصلب مما توقعت. أحسست بمقاومة حقيقية قبل أن يجد السيف طريقه.
صرخ الوحش بصوت حشرجة حادة وانتقل اندفاعه إلى دوران إجباري.
في نفس اللحظة كان الوحش النحيل قد وصل.
لم أنتظره بل اندفعت نحوه أنا. السيف القصير في اليسرى قطع الهواء في قوس صاعد بينما كان الوحش لا يزال يُحاول تغيير اتجاهه المتعرج. التقينا في المنتصف، وكان الاصطدام أشبه بالاصطدام بشيء يتحرك بسرعة، لكن السيف القصير كان قد وجد موضعه.
تراجع الوحش النحيل خمس خطوات وسقط على ركبة واحدة.
في الجانب الأيمن كان كارل يُواجه ثلاثة وحوش في آنٍ واحد.
لم يكن يتراجع.
كان يتحمّل ضرباتهم بدرعه العريضة ويردّ بضربات مُركّزة. كل ضربة من كارل كانت تحمل ثقلاً حقيقياً. ليست ضربات مُصمّمة للسرعة بل للإيقاف. حين وصل إحدى ضرباته إلى كتف الوحش الأكبر بينهم، تراجع ذلك الوحش ثلاثة أمتار كاملة قبل أن يستعيد توازنه.
لكن الثلاثة كانوا يُحاولون محاصرته من الجوانب.
قبل أن ينجح الوحش الذي حاول الالتفاف حول كارل من اليسار، أضاء سهم من إضاءة بيضاء خاطفة في الهواء وسكت في كتفه. لم يكن الكتف هدفاً قاتلاً لكنه كان كافياً. توقف الوحش عن الالتفاف وتراجع يلتفت نحو مصدر السهم.
نور.
كانت تعمل بمنهجية. لا تُطلق السهام عشوائياً ولا تستهدف الهدف الأكثر قرباً. كانت تُطلق حيثما يحتاج أحد التغطية، حيثما ظهر خطر من زاوية غير متوقعة.
وفي الجانب الأبعد، كان ستارك يُقاتل القائد.
لم أستطع متابعة قتاله بالتفصيل، كنت منشغلةً بما أمامي. لكن في اللحظات التي التقطت فيها طرف عيني ما يجري هناك، رأيت ما يكفي.
كان القائد كبيراً بما لا يُقارن بأي شيء في الحشد. جسده مكتنز وعضلاته تبدو من الخارج كطبقات من الحجارة الصلبة. ذراعاه تنتهيان بشيء بين المخلب والدرع الطبيعي. وكان يُصدر صوتاً منخفضاً متواصلاً كأنه تحذير دائم لمن يقترب.
وستارك كان يقف أمامه.
لم يكن سيفه قد خرج من غمده بعد في اللحظة الأولى. كان واقفاً بوقفة مريحة تبدو متساهلة لكنها ليست كذلك أبداً، ويداه على جانبيه، وعيناه تتتبعان كل حركة.
حين انقضّ القائد، انزلق ستارك.
حركة جانبية كاملة، خطوة وانتقال للوزن، وفي نفس اللحظة خرج السيف من الغمد. لم يكن الضرب قوياً في الظاهر، لكنه كان دقيقاً بطريقة تعني أن صاحبه يعرف بالضبط أين يُريده أن يصل.
أحدث القائد صوت عواء واتجه إلى الخلف خطواتٍ اضطرارية.
وسط هذا كله، كنت أُعيد حساباتي.
الوحش الكبير الذي جرحته كان قد عاد. كان في جنبه جرح واضح لكنه لم يُوقفه. وكان الوحش النحيل الذي أسقطته على ركبة قد نهض من جديد وأضاف إلى نظرته نحوي شيئاً يشبه التركيز المُضاعف.
اثنان في آنٍ واحد، كلاهما يتذكر ماذا فعلت بهما.
ابتسمت دون أن أعلم أنني فعلت.
أشعلت قدرتي بالكامل وأمسكت السيفين بإحكام.
القتال كان قد بدأ حقاً.