الفصل 118 - المهمة الطارئة
كنتُ جالسةً في وضع التأمل منذ ساعتين.
ظهري مستقيم كعمود والساقان متقاطعتان، وعيناي مغلقتان على العالم من حولي لكنهما مفتوحتان على شيء آخر بالكامل. ذلك البحر الداخلي الهائل الذي بتّ أعرف شكله ولا أزال لا أعرف حدوده. كنت أمسك خيوطاً رفيعة منه وأوجّهها بعناية، ليفةً ليفة، خليةً خلية، في ذلك النسيج المعقد الذي يسمّيه يوليوس العقل ويصفه بأنه الأصعب والأهم.
كان العرق يتصبب على جبهتي بغزارة. قطرات تجري على صدغي وتختفي في ياقة قميصي، وكنت أشعر بها دون أن أُحرك شيئاً لأمسحها. التحريك كان يعني كسر التركيز، وكسر التركيز كان يعني الابتداء من نقطة أقرب من الصفر من التي أريد.
كان الضغط هائلاً. ليس ضغطاً جسدياً يمكن وصفه بالألم، بل شيء أدق وأعمق، كأن عقلي يحمل ثقلاً لا يُقاس بالكيلوغرامات. بالكاد كنت أستطيع الحفاظ على تركيزي لوقت طويل دون أن أشعر بأطراف ذلك التركيز تتفلّت كخيوط حرير تحاول إمساكها جميعاً في آنٍ واحد.
لكن كان هناك تحسّن. تحسّن حقيقي ملموس.
في البداية كانت ساعة واحدة هي أقصى ما يمكنني الوصول إليه قبل أن ينهار التركيز ويتشتت كل شيء. الآن أستطيع الاستمرار لساعتين كاملتين. ضعف المدة بفضل تعزيز ثلث عقلي فقط. ثلث. وكانت الساعتان بهذه الصعوبة.
‘لا عجب أنهم جعلوا من العقل الخطوة الأولى.’
كنت على وشك استئناف الجلسة الثانية بعد استراحتي القصيرة، وكنت قد أغمضت عيني من جديد واستجمعت نفسي، حين سمعته.
طرق. خفيف لكن متكرر. على باب غرفتي.
أخرجت نفسي من حالة التأمل ببطء، مسحت العرق عن جبهتي بظهر يدي، وقلت بصوت لم يزل فيه أثر من التعب:
“تفضّلي.”
فُتح الباب لتظهر خالتي سارة.
كانت ترتدي معطفها الداكن الذي يعني عادةً أنها كانت في الخارج أو على وشك الخروج. وكان شعرها الرمادي الفضي مرتّباً كما اعتادت دائماً. لكن الشيء الذي توقفت عنده فوراً لم يكن ملابسها ولا شعرها. كان تعبير وجهها.
لم يكن تعبيرها المعتاد. ذلك الهدوء الراسخ الذي تحمله سارة في كل شيء تفعله. كان هناك شيء آخر. شيء خفيف لكنه لا يُخطئه من يعرفها.
قلق.
قالت بتردد لا يُشبهها:
“عزيزتي… أصدقاؤك في الأسفل يبحثون عنك. وهم مستعجلون جداً.”
نظرت إليها باندهاش حقيقي:
“أصدقائي؟ ولكننا لم نتفق على الالتقاء اليوم. لماذا هم هنا؟”
أجابت سارة وكان التوتر الخفي في صوتها قد زاد درجة:
“لا أعلم. ولكن… هناك أمر مستعجل. حتى ذلك الفارس معهم هذه المرة.”
“ستارك؟ ستارك أيضاً هنا؟”
“نعم.”
نهضت فوراً:
“أخبريهم إنني سأنزل خلال خمس دقائق.”
أغلقت الباب خلف سارة وتحركت بسرعة.
مسحت العرق عن وجهي وعنقي بالمنشفة المعلّقة على الكرسي. خلعت القميص المبلّل وارتديت آخر نظيفاً، سميكاً ومريحاً للحركة، لونه بين الرمادي والأسود. سحبت السروال المقاوم وأحكمت رباطه. ثم وقفت أمام الطاولة.
السيفان.
أخذتهما معاً. ليس لأنني علمت أنني سأحتاجهما بالضرورة، بل لأن سارة كانت قلقة وستارك كان موجوداً وكلا الأمرين معاً لا يعنيان عادةً شيئاً يمكن التعامل معه بيد فارغة. ربطتهما في مكانهما على ظهري بحركة اعتيادية باتت تشبه الإيماءة. ثم أمسكت القناع وأرسلته معهما.
نزلت الدرج بخطوات سريعة.
كانوا على الطاولة في الزاوية. ستارك وكارل وجين ونور.
ستارك بسترته الجلدية الداكنة وسيفه في مكانه المعتاد. كارل بكتفيه العريضتين اللتين تملآن نصف الطاولة والتعبير المركّز على وجهه الذي يعني أنه يُقيّم موقفاً. جين الذي كان يجلس لكن ضخامته لا تختفي بالجلوس. ونور الهادئة التي كانت تنظر إلى الباب حين دخلت، كأنها كانت تعلم أن الانتظار لن يطول.
جلست بسرعة على الكرسي الخالي وسألت مباشرة:
“ماذا هناك؟ هل حدث أمر ما؟”
أجاب ستارك بنبرته المهذبة التي تحمل دائماً ذلك التوازن الغريب بين الهدوء والاستعجال:
“لقد تم تحديد وحش في الغابة الغربية. هناك توقع أنه في أواخر المستوى الثالث.”
ثم أضاف دون توقف:
“تزامن ظهوره في أسوأ توقيت على الإطلاق. أغلب الفرسان خارج المدينة حالياً، وأبي غير قادر على مغادرة فيرون.”
نظر إلينا واحداً تلو الآخر:
“نتمنى مساعدتكم في هذا. أنتم أفضل مرتزقة متاحين الآن وفيرون تريد استئجاركم.”
توقف لحظة:
“ثلاث عملات ذهبية لكل فرد.”
ثم وضع الصورة كاملة:
“هناك وحش في أواخر المستوى الثالث. يُعتقد أنه ربما لمس أوائل المستوى الرابع. يتبعه ثلاثة وحوش في بداية المستوى الثالث. وجماعة لا تتجاوز العشرين من المستوى الثاني.”
نهض وهو يقول:
“بالتأكيد سأرافقكم. سأتولى الوحش الرئيسي بنفسي. عملكم هو القضاء على البقية. لنتحرك، ليس لدينا رفاهية البقاء هنا.”
وقف الجميع.
لم يكن هناك نقاش. لم يكن هناك تردد مرئي. كان كأنهم جميعاً كانوا ينتظرون شيئاً من هذا النوع دون أن يقولوا ذلك. وقف كارل وهو يُحكم ربطة درعه الصدرية. وقف جين بحركة واحدة بطيئة لكنها بلغت الوقوف الكامل قبل أن تنتهي، وسيفه الثقيل على ظهره كجزء من جسده. ونور أمسكت بقوسها برفق واختبرت الوتر بلمسة خاطفة.
تحركنا.
لم نأخذ الشوارع الرئيسية. فيرون في هذا الوقت من النهار كانت مكتظة بحركة السوق والمارة والعربات، وكل دقيقة تُضاع في زحام هي دقيقة تُضاف على عداد ما قد يحدث عند البوابة الغربية. أخذنا الممرات الجانبية، تلك التي يعرفها من يعيش في المدينة ويمشي فيها بما يكفي ليكتشف أن لها خرائط غير مرسومة.
كانت الممرات ضيّقة أحياناً بما يجعل جين يُقلّل من اتساع خطواته قليلاً. والأرض فيها غير مستوية، حجارة قديمة تتعاقب مع طين جافٍ وأخاديد ضيّقة. لكنها خالية. وهذا كان كل ما يهم.
سبع دقائق.
سبع دقائق كانت كافية للوصول إلى البوابة الغربية التي كانت ستستغرق أكثر من ضعفها لو مررنا بالشوارع الرئيسية.
كانت إينا تنتظرنا عند البوابة.
وقفت بوضع مستقيم وهادئ أمام البوابة الحجرية الضخمة. كانت ترتدي معطفها الطبي الأبيض المخصوم الأكمام، وشعرها البني الداكن مسحوب إلى الوراء بعناية. في يدها الأيسر كانت تحمل حقيبتها الجلدية، وفي يدها اليمنى كانت تمسك صندوقاً صغيراً مفتوحاً يضمّ ثمانية زجاجات مرتّبة بترتيب دقيق، اثنتان لكل واحد منا.
ناولت كلاً منا زجاجتيه بحركة منهجية لا تُهدر فيها خطوة.
الزجاجة الأولى كانت تحمل سائلاً أكثر سماكةً من الماء بقليل. لونه أزرق سماوي نقي يجذب النظر، وشفاف لدرجة تجعله يبدو كأنه يُضيء من الداخل. بلا رائحة تذكر. كنا نعرف هذا. يُشرب عند الحاجة ويُعالج معظم الإصابات الداخلية والتسممات، ويُعيد الهدوء للجهاز العصبي حين يصل إلى حافة الاستنزاف.
الزجاجة الثانية كانت تحمل مسحوقاً أخضر اللون متماسك القوام، يُذكّر بعشبة مجفّفة مطحونة ومضغوطة. هذا للجروح الخارجية. يُوقف النزيف ويُطهّر الجرح من الجراثيم ويُسرّع إغلاقه.
أمسكت بزجاجتيّ وأحكمت قبضتي عليهما قبل أن أضعهما في الجيب الداخلي لسترتي.
تكلمت إينا بنبرتها الهادئة الحازمة التي تعرف فيها أن كل كلمة ستُسمع ولن تُهدر:
“احذروا في طريقكم. هذه الوحوش خطيرة جداً. إن كان ممكناً، تجنّبوا المواجهة المباشرة.”
ردّ ستارك باتزان مذهل لرجل على وشك الدخول إلى غابة فيها وحش يلمس المستوى الرابع:
“لا تقلقي. أنا أدرك مقدار إمكانياتنا وقدراتنا جيداً. سأقودهم لنصر مؤكد.”
وقفا للحظة ينظر كلٌّ منهما إلى الآخر.
كان فارق الطول واضحاً. إينا بطولها الطبيعي الذي لا يُقلّل من حضورها شيئاً، وستارك الذي كان طوله أقل بقليل من متر وتسعين سنتيمتراً، يقف فوقها بما يكفي لأن يُحوّل النظرة بينهما إلى زاوية واضحة. لكن في تلك الزاوية لم يكن هناك أعلى وأدنى. كان هناك شخصان يثق كلٌّ منهما بالآخر بطريقته الخاصة.
أومأت إينا برأسها ببطء:
“حسناً. أنا أثق بخبرتكم.”
اتجهنا نحو الغابة الغربية.
والهواء عند البوابة كان يحمل تلك الرائحة التي تعلمت ألا أتجاهلها. رائحة التراب الرطب والأوراق المتعفنة والشيء الثالث الذي لا اسم له، ذلك الشيء الذي تعرفه الغابة الغربية وتبعث به تحذيراً هادئاً لكل من يقترب.
أمسكت قبضة سيفي الأيمن بإحكام.
كنا مستعدين لمعركة من نوع مختلف.