الفصل 117 - الجنيات الأصلية
مرّ شهر آخر في طيات الماضي.
شهر كامل من التدريب المرهق الذي لا يعرف التوقف ولا التخفيف، وكأن يوليوس قرر منذ البداية أن يُختبر كل منهم بطريقة مختلفة ويُكسر الحد الذي يعتقد أنه حده.
كان الإرهاق يتراكم يوماً بعد يوم في جسد إيمي كالطين الذي يتجمع في قاع إناء لا أحد يُفرغه. الضغط على صدرها يزداد. وتلك الهاوية السوداء الداخلية التي لم تُغلق منذ أن انتهت الحرب كانت تتوسع أكثر فأكثر بصبر مرعب لا يستعجل.
علامات إرهاق شهر كامل كانت بادية تماماً.
رغم أنها كانت تنام أكثر من ثمانية ساعات إلا أنها كانت تستيقظ متعبة. الإرهاق العقلي أشد من أن يرتاح خلال ليلة واحدة مهما طالت. حتى لو نامت الأسبوع بأكمله فبعض الأثقال لا يُخففها النوم.
حالة إيمي كانت تقرأها وجوه المارة قبل أن تقرأها مرآتها. هالات سوداء تحت العينين وبشرة شاحبة تحمل آثار شمس الساحة وملامح من لا يُريد أن يُضيع الوقت في التجميل.
والأمر المؤلم أنها في كل هذا لم تقطع إلا ثلاثين بالمئة من تعزيز العقل. لم تبلغ ربع الطريق بعد.
لكن ليس كل ما جرى في هذا الشهر كان خسارة.
قبل أسبوع، شعرت إيمي بحرقة خفيفة غريبة في الجهة اليسرى من ظهرها. ذلك الوشم المنحوت هناك على هيئة طائر، الجنية التي رافقتها منذ وقت. كانت الحرقة طفيفة لكنها لافتة، تلك النوع من الإحساس الذي يقول إن شيئاً ما تغيّر في مكان ما.
استدعته فوراً.
وخرج.
لم يكن كما غادر. كان قبل ذلك يقف بطوله الذي لا يتجاوز الخمسين سنتيمتر كطائر صغير ذكي لا يُقدّر بحجمه. أما الآن فقد تجاوز الثمانين سنتيمتراً، نصف طولها تقريباً، جناحاه أوسع وريشه أكثر كثافة ولونه أعمق.
هذا التغيير لا يُفسَّر إلا بشيء واحد.
بلغ مرتبة الجنية الأصلية.
أخبرتهم سيسيليا أن التطور من جنية إلى جنية أصلية من المستحيل أن يحدث بلا تدخل خارجي. هذا التدخل يتمثل في إنشاء عقد مع إنسان في المستوى الثالث، تلك الرابطة التي تفتح أمام الجنية إمكانيات كانت مغلقة عليها.
كان ستارك أكبر مثال. الجنية التي عقدت معه كانت أصلية بالفعل لكنها تحولت مباشرة إلى روح بفعل العقد. قفزة لم تتوقعها.
وقالت سيسيليا أيضاً أن التطور إلى جنية أصلية يمنح قوة أكبر لكنه لا يعني بالضرورة أن الجنية ستتوقف عن التطور. حتى وإن لم تبلغ مرتبة الروح فيمكنها أن تصبح أقوى عبر عامل الزمن وحده. لأن الجنية الأصلية التي عاشت ثلاثة قرون ستكون أقوى من روح لم يتجاوز عمرها مئتين وخمسين سنة، رغم الفارق في المرتبة.
عمر جنية إيمي لا يتجاوز مئتين وثلاثين سنة.
وهذا يعني أن الوقت لصالحه، إن أعطاه الوقت.
ثم تساءلت إيمي ذات ليلة بعد أن انتهت سيسيليا من حديثها:
أي جنية قد بلغت خمسة قرون حقاً؟
ألا يعني ذلك أنها حية منذ عصر الحرب العظمى؟
والشخص الوحيد الذي تعرفه وعاش ذلك العصر هي سيسيليا نفسها.
وسيسيليا كانت روحاً عظمى بالفعل.
الفكرة تجعل العقل يقف عند حدوده.
لم تكن إيمي وحدها التي شهدت هذا التحول. في نفس الأسبوع تقريباً، بلغت جنيات كل من كارل وجين ونور مرتبة الجنية الأصلية أيضاً. كأن التدريب المرهق الذي سحق أجسادهم كان في الوقت ذاته يُغذّي الروابط العقدية بينهم وبين جنياتهم، ويُعجّل ما كان ليأتي في وقته الطبيعي.
الاندماج الذي أصبح متاحاً بفضل هذا التحول أعطى كل واحد منهم شيئاً يُناسبه.
اندمجت إيمي مع طائرها.
منحها القدرة على الطيران لبضع سنتيمترات فوق الأرض. مسافة قد تبدو تافهة لمن ينظر من الخارج، لكن من يفهم قدرتها يعرف ما يعنيه ذلك بالضبط. يمكنها صنع موطئ قدم من الريح في السماء. يمكنها أن تتحرك في الأرض والسماء الآن بسرعة لا يُدركها المرء. أرضاً وسماءً في آنٍ واحد، وبسرعة خطوات النسيم التي لا تعرف التوقف.
وحش بجناحين وقدمين ولا سقف يحدّها.
ساعدها الاندماج أيضاً في استخدام قدرتها لوقت أطول، وزاد من تركيزها الذي كان يتبعثر أحياناً تحت ضغط الإرهاق.
كارل.
منحه التحول إمكانية أكبر لقدرته الضربة الارتجاجية. أولاً ضربته أصبحت أقوى بمرتين تقريباً في أساسها. وثانياً نما له فرو خفيف جعل جلده صلباً بثلاثة أضعاف حالته العادية، تلك الصلابة التي تجعله يُسدّد أكثر دون أن يُدفع الثمن من جسده بالقدر ذاته.
يستطيع الآن تسديد ضربته الارتجاجية سبع مرات متتالية. وإن ضغط على نفسه أكثر فعشر.
والأكثر من هذا: منحه التحول قوة تزداد مع غضبه الحاد. تناسق مثالي لرجل لم يعرف الهدوء منذ الحرب.
نور.
منحها التحول رؤية شبه مثالية. ترى في الظلام وفي النور. وترى من خلال الأشياء بطريقة تُحسد عليها من يعمل بالقوس. نقاط ضعف الخصوم مكشوفة لعينيها. والمسارات المثالية للسهام مرسومة أمامها قبل أن تُطلقها.
والسهام التي تُنتجها بفضل قوسها الأبيض أصبحت أشد صلابة وأكثر فتكاً.
جين.
كان ضخماً قبل التحول. مترين كاملان من العضل الذي لا يُقدّر بالنظر. لكن التحول جعله أضخم. مترين وثلاثون سنتيمتراً، يدخل أي غرفة ويجعل المساحة من حوله تُعيد حساباتها.
صلابته أصبحت أشد بعشر مرات. حتى ضربة كارل الارتجاجية لم تترك عليه إلا خدوشاً حين جرّبها عليه.
والضربة الارتدادية في يده الآن قادرة على تمزيق مبانٍ بأكملها دون أن يشعر جسده بوطأة ذلك.
دفاع مطلق وهجوم يُفكّر أكثر من مرة قبل أن يُجيب.
وقفت إيمي في ساحة التدريب في نهاية ذلك اليوم.
الشمس تميل نحو الغروب والظلال تمتد على البلاط الحجري.
نظرت إلى يديها. إلى القناع على وجهها السفلي. إلى طائرها الذي يجلس على كتفها الأيسر بصمت الشريك الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
ثلاثون بالمئة.
لم تبلغ ربع الطريق.
لكن اليوم كانت أقوى من أمس. وغداً ستكون أقوى من اليوم.
وفي مكان ما تحت هذه السماء الواسعة، كان دارون يتنفس.
وهذا كان كافياً لتمشي الخطوة التالية.