الفصل 116 - ميثاق الروح
تم التعاقد بسلاسة لم نتوقعها.
كل ما قمنا به هو سكب قطرات من دمنا على الجنيات. وفي اللحظة التي لامست تلك القطرات جلودها، شعرنا جميعًا بشيء. ليس ألمًا. بل إحساس بأن خيطًا رقيقًا جديدًا أُضيف إلى ما نحمله. خيط لم يكن موجودًا قبل لحظة. ثم وُجد. كأنه كان ينتظر.
رابط.
بسيط في مظهره. عميق في طبيعته.
إيمي تعاقدت مع طائر.
طائر ضخم يصل ارتفاعه إلى أكثر من خمسين سنتيمترًا. أخضر اللون بعدة درجات تتدرج من أخضر الأوراق العميق في ريشه الداخلي إلى أخضر فاتح يميل للذهبي عند أطراف جناحيه. مهيب بطريقة لا تشبه ضخامة الجسد. مهيب بطريقة الكيانات التي تحمل شيئًا أقدم مما يظهر في مظهرها.
قالت سيسيليا إنه يتحكم بالرياح. يستطيع تعزيز إيمي. وحين يندمج معها يُصبحان شيئًا مختلفًا عن كليهما بمفردهما.
نظرت إيمي إلى الطائر. ونظر إليها.
وفي تلك النظرة المتبادلة كان شيء يشبه التعارف بين كيانين كانا يعرفان بعضهما دون أن يلتقيا بعد.
لكن قبل أن نتوسع، كانت سيسيليا قد أخبرتنا بشيء يجعل فهم هذه العقود ممكنًا حقًا.
مراتب الجنيات.
المرتبة الأولى: الجنية الوليدة.
الجنية حديثة الولادة. لا تتجاوز المئة عام. لا شكل لها. لا عقل. لا إرادة. فقط غريزة وجودية بحتة. كالنار في بداياتها قبل أن تعرف أنها نار.
المرتبة الثانية: الجنية المتشكلة.
هنا تكتسب الجنية شكلها الخاص. وعيها الخاص. وقدراتها الأولى. وتستطيع التفاعل مع الكائنات الأخرى بطريقة حقيقية. رؤيتها وتفهم وجودها وتُفهم وجودها.
المرتبة الثالثة: الجنية المتسامية.
هنا تكتسب الجنية إرادتها الخاصة وقوتها بشكل فعّال. تستطيع الجنيات تشكيل عقود ابتداءً من هذه المرتبة. يمكن تسميتها فترة البلوغ. لحظة التحول من كائن موجود إلى كائن يختار.
المرتبة الأعلى: الجنية الأصلية.
هنا تصبح الجنية كيانًا خاصًا ترتبط بمفهومها الجوهري. تستطيع الاندماج مع مضيفها ليُشكّلا كيانًا واحدًا. وهي الفاصل الحقيقي بين الجنيات والأرواح.
وبعد الجنية الأصلية يأتي ما هو أعلى.
الروح. يُقال إن الجنية تمر بتحوّر أساسي ينقلها إلى هذه المرتبة. وتصبح كيانًا خاصًا غير مرتبط بأي شخص. مستقلة بوجودها.
وبعدها الروح العليا. ثم الروح العظيمة التي تقف فوق الجميع. كسيسيليا نفسها.
نظرت إلى فهدي الأسود.
جنية أصلية.
أعلى مراتب الجنيات التي يمكن أن تتعاقد مع إنسان. وهذا يفسر كثيرًا مما شعرت به معه. ذلك العمق في الارتباط. تلك القدرة على الاندماج الحقيقي. وتلك اللحظة في الساحة حين خرجت المخالب من أصابعي.
الجنية التي تعاقدت معها إيمي كانت في أواخر مرحلة المتسامية.
وبنفس الرتبة جاءت جنيات كارل وجين ونور.
متسامية. لكن على عتبة ما هو أبعد.
كارل تعاقد مع ذئب.
ضخم. ضعف حجم الذئب العادي. رمادي اللون بدرجة الرماد الداكن الثقيل. كان يقف بثبات يشبه ثبات كارل حين يُثبّت قدميه على أرض الساحة. عيناه صفراوتان تُحدّقان بالمكان ببرود ذكي.
قدرته: تعزيز حاسة الشم عند كارل وتعزيز قوته بشكل فتّاك.
حين رأى كارل الذئب، كانت على وجهه تلك الابتسامة المعتادة. لكنها أوسع من المعتاد.
“مناسب.”
قالها ببساطة.
جين تعاقد مع هامستر.
صغير جدًا. صغير بشكل يجعلك تنظر مرتين للتأكد.
كان جين ينظر إليه بتلك الجدية الهادئة المعتادة. وكان الهامستر ينظر إليه بعيون صغيرة لكنها ثابتة بثبات غير متوقع من شيء بهذا الحجم.
قدرته: تعزيز الصلابة والقوة الجسدية.
كارل أطلق ضحكة خفيفة.
جين لم يلتفت إليه.
“الحجم ليس المقياس.”
قالها بنبرة من رأى كثيرًا من الأشياء الصغيرة التي تحمل ثقلًا كبيرًا.
نور تعاقدت مع أفعى زرقاء.
زرقاء بالدرجة العميقة التي يكون عليها البحر بعيدًا عن الشاطئ. جسدها ينساب بحركة هادئة لا عجلة فيها. وحين نظرت إلى نور بدت وكأنها اختارتها هي لا العكس.
قدرتها: تعزيز البصر والمرونة والتحمل.
الثلاثة معًا.
نور أمسكت بها برفق وأمسكت بنور برفق مقابل.
وفي ذلك الصمت الهادئ بينهما كان تعارف لا يحتاج كلامًا.
سيسيليا قالت لنا شيئًا مهمًا.
في العادة تتطور الجنيات مع امتداد أعمارها. كلما عاشت أكثر، تطورت أكثر. بطريقتها الخاصة وبوتيرتها الخاصة.
لكن لهذه الجنيات الأربع… ليس عليهن الانتظار طويلًا.
حين تبلغ المجموعة المستوى الثالث، ستتحول جنياتهم إلى أرواح.
لأن الشرط لعبور تلك المرحلة هو التعاقد مع مضيف في المستوى الثالث.
ومضيفوهم في طريقهم إليه.
والمسارات مترابطة. ترقيّهم يصطحب ترقيّها.
من جهة الفرسان، لم يتعاقد أحد منهم إلا ستارك.
ستارك تعاقد مع روح.
ليس جنية. روح.
على شكل قط صغير. أبيض. عيون زرقاء باهية كالماء في الصباح الباكر. وقفت بجانب ستارك بهدوء تام. لا ضجيج في حضورها. لكن بهدوئها ذلك شعرت بثقلها.
قدرتها: تركّز على قوة حياة الشخص.
قوة الحياة.
وهذا يعني أن قدرة ستارك الكلمة المتجلية ستصبح أكثر فتكًا مما كانت.
لأن ما بُني على قوة الحياة… يحمل قدرة مختلفة عن ما بُني على القوة الخام.
نظرت إلى ستارك.
كان ينظر إلى القط الأبيض بنظرة تحاول تقييم شيء لا تستطيع قياسه بمعاييرها المعتادة.
ثم أومأ ببطء.
“روح.”
قالها بهدوء.
“منطقي.”
كانت ساحة غابة الجنيات في تلك اللحظة تحمل شيئًا لم تحمله أي ساحة مررت بها.
ليس الهدوء وحده. ليس الضوء الغريب المتسلل بين الأشجار العملاقة.
بل ذلك الإحساس بأن شيئًا انتهى وشيئًا آخر بدأ في نفس اللحظة.
الروابط التي تشكلت لن تنقطع بسهولة. ليست عقودًا مكتوبة بحبر. مكتوبة بدم. وما يُكتب بالدم يبقى.
ونظرت إلى فهدي الأسود.
كان يجلس بجانبي بتلك الطريقة المعتادة. هادئًا. واثقًا. كمن عرف منذ البداية أن هذه اللحظة ستأتي.
ووضعت يدي على رأسه.
الدفء المألوف.
وشيء يشبه الرضا في مكان هادئ بداخلي.
هذا الطريق لم ينتهِ. بل ربما لم يبدأ حقًا إلا الآن.