الفصل 115 - بصيص الأمل
“لا.”
ثم صمت قصير، وكأن سيسيليا أرادت للكلمة أن تستقر قبل أن تُكمل. ثم قالت بجدية لا تحمل اعتذاراً ولا تحمل قسوة، بل تحمل فقط الحقيقة كما هي:
“لا أستطيع تحديد مكانه. للأسف.”
صاحت إيمي وكان في صوتها شيء يتشقق:
“ولكن الفهد! إنه أحد مرافقيك، ألا يمكنك التواصل معه؟”
التفتت سيسيليا إليها. نظرة عيني من رأى الكثير وتعلّم ألا يتسرع في الحكم على من أمامه لكنه لا يملك ترف الكذب أيضاً:
“أنتِ تطلبين المستحيل يا فتاة.”
ثم أضافت بهدوء لا يُخطئه أحد:
“أنا لست كلية القدرة. لا يمكنني إيجاد مكانه بمجرد أن أرغب بذلك.”
انفتحت عينا إيمي على أقصاهما.
ثم خانتها ساقاها.
لم تكن سقطةً درامية ولا انهياراً صاخباً. كانت ركبتاها انحنتا ببطء كأن الأرض طالبت بها بلطف، وهي لم تجد سبباً لمقاومة الطلب. جثت على الأرض والطين البارد تحت ركبتيها، وعيناها مثبّتتان في نقطة أمامها لا تُرى.
كانت مشاعرها قد اختلطت بطريقة لا تُوصف بكلمات بسيطة.
لم تكن حزناً فقط. ولم تكن يأساً فقط. كانت شيئاً أثقل من هذين وأكثر فوضى، كأن كل ما راكمته في أسابيع التدريب والتعب والأمل المحسوب، كل ما أبقته في صندوق مغلق في مكان عميق داخلها، قد انفجر كله في لحظة واحدة حين سمعت تلك الكلمة.
“لا.”
كلمة واحدة.
نظرت إلى الأرض أمامها بتعبير فارغ وبارد لا يحمل أي مشاعر. وهذا الفراغ بالذات كان هو الأخطر. لأن الفراغ لا يعني غياب المشاعر بل يعني أنها كانت كثيرة جداً حتى توقفت عن الظهور.
كانت تعلم ما هذا.
كان اليأس.
ذلك اليأس الذي يلتهم كل شرارة أمل من الداخل قبل أن تجد طريقها إلى السطح. ذلك اليأس الذي يجعل كل العمل الجاد والاجتهاد والألم يبدو وكأنه لم يكن له معنى منذ البداية. ذلك اليأس الثقيل بشكل خاص لأنه لا يأتي بضجيج بل يأتي بصمت، يجلس فيك بهدوء ويبدأ في إطفاء الأضواء واحداً واحداً.
كانت عيناها تحدّقان في التراب، وكانت الغابة حولها لا تزال تُصدر أصواتها الهادئة، وكان الجميع صامتاً لأنه لم يكن هناك ما يُقال.
ثم قاطع الصمتَ صوتٌ.
صوت عذب وهادئ كصوت الماء يجري على الأحجار الملساء.
صوت سيسيليا.
وكان لذلك الصوت شيء غريب، شيء يشبه يد تمتد إليك في الظلام لا لتقودك بل لتُذكّرك فقط أنك لست وحدك.
قالت سيسيليا وفي صوتها ابتهاج حقيقي، ابتهاج لا يُشبه التصنّع ولا يشبه المواساة المجاملة:
“لا تقلقوا…”
توقف كل شيء.
ثم أكملت:
“رغم أنني لا أستطيع تحديد موقعه… إلا أنني أعلم أنه حي.”
رفعت إيمي رأسها.
ببطء، كمن يخشى أن تكون سمعت خطأ.
نظرت سيسيليا إليها مباشرةً، وفي عينيها الخضراوتين شيء يشبه الدفء:
“أشعر بشرارات الفهد. وهذا وحده دليل كافٍ على بقائه حياً.”
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
اختفت سيسيليا من مكانها.
لم تكن خطوةً عادية. كانت حركة من لا تعرف المسافة بنفس المعنى الذي يعرفه غيرها. وفي اللحظة التالية كانت واقفةً أمام إيمي مباشرةً، قريبة بما يكفي لأن تمتد يدها وتُساعدها على النهوض. وكانت يدها باردة قليلاً كبرودة الأوراق في الصباح الباكر، لكنها كانت ثابتة.
قالت وهي تشد إيمي إلى الوقوف:
“رغم أنني لا أستطيع تحديد موقعه بدقة… إلا أنني أعلم اتجاهه.”
استدارت نحو الجنوب. والشعر الأخضر الطويل تبع حركتها كموجة تجري خلف قاربٍ يُغادر. رفعت إصبعها في اتجاه واحد واضح:
“إنه جنوباً. ستجدونه حين تتجهون جنوباً.”
اشتعل شيء في عيني إيمي.
لم يكن البريق السابق الذي عرفته، بريق الأمل الحذر المحسوب. كان هذا أكبر. بريق من اكتشف أن الخيط الذي ظن أنه قُطع لا يزال موجوداً، أرفع مما كان يظن، لكنه موجود.
كان بريق الأمل. وكان فيه شعلة الإرادة التي لا تنطفئ تماماً مهما تراكم فوقها من رماد.
امتلأت عينا إيمي بالدموع.
لم تُحاول إيقافها هذه المرة.
تقدمت خطوتين نحو سيسيليا، وذراعاها تتحركان قبل أن يُدرك عقلها ماذا تفعل، والتصقت بها. غرّقت وجهها في حضنها وذراعاها ملتفّتان حولها بإحكام كإحكام من تمسك بشيء تخشى أن يُفلت.
صرخة مكتومة. ثم شهقات متقطعة تلتها.
كانت إيمي تبكي.
ليس من الضعف. أو ربما من الضعف تماماً، ذلك الضعف الصادق الذي لا يُخجل لأنه حقيقي. كانت تبكي من ثقل كل ما حملته وحدها في أسابيع لم تسمح لنفسها فيها بأن تنهار، من كل ليلة تدريب وكل خمس دقائق راحة وكل وجبة أكلتها لأن جسدها طلب لا لأنها اشتهت، من كل لحظة أبقت فيها دارون في صندوقٍ مغلق داخلها لأن فتح ذلك الصندوق كان سيُعيقها.
وكانت سيسيليا واقفة كما تقف الأشجار القديمة، لا تتزعزع ولا تُعلّق، تحمل ما يحتاج إلى أن يُحمل.
بعد دقائق من الصمت الذي ملأته شهقات إيمي المتقطعة وأصوات الغابة الهادئة من حولهم، جلس الجميع في دائرة غير مُعلنة على الأرض. كان الجلوس طبيعياً كأن الغابة نفسها قالت لهم: هنا، هذا المكان المناسب.
كان أول من تكلم كارل، وكان في صوته شيء من الارتياح المحتذر، ارتياح من رأى باباً يُفتح قليلاً في جدار كان يبدو صلباً بالكامل:
“حسناً. نعلم الاتجاه الآن. وهذا أفضل بكثير مما كنا عليه.”
تابع ستارك من بعده بنبرة أكثر رسميةً، لكن فيها دفء حقيقي:
“أنا فارس فيرون ولا أستطيع مشاركتكم رحلتكم. لهذا… سماع أنه حي يُسعد قلبي حقاً.”
قالت إيمي بصوت منخفض، ما زال فيه أثر البكاء لكنه راسخ:
“أنا سأبلغ المستوى الثالث بأسرع ما يمكن. ثم أُباشر رحلتي نحو الجنوب.”
قالت نور بهدوء من تُفكّر بصوت عالٍ:
“الجنوب منطقة حرب. لا أعلم ما مرّ به دارون هناك… لكنني أعلم أنه لم يكن شيئاً بسيطاً أبداً.”
نظر ستارك إلى الأمام وقال بنبرة من يستعيد شيئاً يؤلمه:
“إن عاد دارون… أعلم يقيناً أنه لن يعود كما تركناه آخر مرة.”
تجهّم كارل. وكان التجهّم هذا من النوع الذي يأتي من الغضب لا من الاستياء، غضب من يحب:
“لقد استيقظ بلا ذكريات. ليدخل جحيم الحرب. ليخرج منه فيدخل جحيماً أسوأ منه. والآن تقول إنه في الجنوب؟ ماذا بعد ذلك؟ أتقول إنه سيقع في جحيم أشد مما سبق؟”
كان الغضب في صوت كارل حقيقياً. لكن خلفه كان شيء أكثر نعومة، شيء لا يُعترف به بسهولة في صوت رجل بهذه الضخامة. كان القلق.
نظر ستارك إلى كارل، ثم نظر إلى الأرض أمامه. وحين تكلم كان صوته قد تغيّر قليلاً:
“أنا لم أزر مناطق الجنوب يوماً.”
رفع رأسه:
“لكن أبي فعل.”
توقف الجميع.
ذكر ستارك لأبيه وحده كان كافياً لأن يُحوّل انتباه كل من في الدائرة إليه تماماً. لم يكن يتحدث عن أبيه كثيراً. وحين فعل كان دائماً يحمل الكلام ثقلاً خاصاً.
أكمل ستارك بعيون تُحدّق في الأفق البعيد كأنه يستعيد كلاماً سمعه في وقت آخر من مكان آخر:
“كل أوصاف أبي عن مناطق الجنوب تصف جحيماً حياً.”
قطّب حاجبيه:
“البشر والوحوش سواء هناك. يموت الآلاف يومياً. قتال بين البشر. قتال بين الوحوش. قتال بين البشر والوحوش. الجنوب منطقة قتال لا ينتهي… ببساطة.”
ثم التفت إلى إيمي. نظر إليها بعيون من يريدها أن تسمع لا أن تستسلم:
“إنه ليس مكاناً يقصده الضعفاء أو الجبناء.”
نهضت إيمي ببطء. وقفت على ساقيها. ورغم الطين على ملابسها وأثر البكاء في عينيها وأسابيع الإرهاق التي رسمت خطوطها على وجهها، كان في وقفتها شيءٌ لا يُخطئه أحد.
“أنا لن أرجع عن قراري. تخلَّ عن فكرة إقناعي.”
ابتسم ستارك ابتسامةً خفيفة:
“أنا لا أُقنعك بالتراجع. أنا أُحذّرك فقط.”
ثم جاء الصوت من خلفها.
لم تسمع خطوات تقترب. سيسيليا لا تحتاج إلى خطوات تُعلن عن نفسها. كانت هناك فجأة، حضورها الهائل الهادئ يملأ الفضاء خلف إيمي قبل أن تُدرك إيمي أنها التفتت.
قالت سيسيليا بصوتها العذب الذي يحمل شيئاً يشبه الفضول الحقيقي:
“بما أنكم قد اتخذتم قراركم… فهل أنتم مهتمون بإتمام عقود مع جنيّات؟”
صمت.
ثم نظر الجميع لبعضهم.
عقود مع جنيّات. مثل دارون. مثل ذلك الشيء الذي سمعوا عنه ولم يُدركوا حجمه إلا حين رأوا ما وصل إليه دارون بسببه.
لم يتكلم أحد.
لكن في الدائرة الصغيرة على أرض غابة الجنيّات، كان في عيون كل واحد منهم نفس الشيء.
حماس حقيقي. لا يحتاج إلى كلمات.
Sou :غدا سأكمل المجلد الثالث و نعود التنزيل اليومي مبعدا فصلين كل يوم المجلد الرابع ذروة الأحدث ترقبوا له