الفصل 114 - سيسيليا
أربعة أيام.
يومٌ أكثر مما توقعوا، يومٌ أكثر مما أرادوا، يومٌ ابتلعهم فيه الطين والتعب وصوت الغابة الغربية التي لا تنام.
وصلوا في النهاية.
لكن “الوصول” كان كلمة جميلة جداً لما كانوا عليه حين بلغوا حافة غابة الجنيّات. كانت حالتهم مزريةً بكل معنى الكلمة، شيءٌ أقرب إلى الفوضى التي تمشي على قدمين. الطين كان قد جفّ على أطراف ملابسهم بطبقات متراكمة، والتراب يسكن كل زاوية وكل طيّة. وكان في الهواء حولهم ذلك الشيء الذي لا يحتاج إلى وصف لأن الأنف يصفه بنفسه.
مشت إيمي وهي تنظر إلى كفّيها، والأوساخ ترسم خطوطاً داكنة على بشرتها الفاتحة. كان شعرها الأسود الطويل قد خرج من ضفيرته في خصلات متمرّدة تلتصق ببعضها من الرطوبة، وكانت ملابسها، القميص الداكن والسروال المتين الذي اختارته للسفر، تحملان ذاكرة كل ما مرّت به هذه الأيام الأربعة.
قالت نور، وكانت تحاول تنظيف جانب حذائها على جذع شجرة:
“الاستحمام في الغابة الغربية ترف يستحق الموت من أجله.”
“لا يستحق،” ردّت إيريس بلا تعبير. “المسطحات المائية فيها وحوش. ستُقتل قبل أن تُكمل غسل يديك.”
“أعرف. لهذا قلت إنه ترف.”
لم يعتبر ستارك وجون وبيث وإيريس الأمر مأساةً. كانت خبرتهم قد علّمتهم أن المظهر في الميدان ليس من الأولويات، وأن الجسد يتكيّف مع ما تُمليه عليه الضرورة. لكن كارل كان يمشي بتعبير لا يخفي رأيه في الموضوع، وجين كان صامتاً بذلك الصمت الذي يقول أكثر مما يقوله الكلام.
جلسوا على الأرض أمام حافة الغابة، وتناولوا ما تبقى من طعامهم في صمت شبه تام. كان الصمت من النوع المريح، صمت مجموعة استنفدت كلامها في الأيام الماضية وباتت تكتفي بالتواجد معاً. أكلت إيمي دون أن تتذوق كثيراً، وعيناها معلّقتان بحافة الغابة الضخمة أمامها.
غابة الجنيّات.
كانت مختلفة في كل شيء عن الغابة الغربية التي قطعوها للتو. هناك كانت الأشجار تبدو وكأنها تتحمّل وجودك بصعوبة، كأن المكان يُعلمك في كل لحظة أنك ضيف غير مرحّب به. أما هنا، فكانت الأشجار تختلف في طولها وشكل أوراقها وحتى في لون لحائها. كانت أعلى، أكثر انتصاباً، كأنها اختارت أن تنمو نحو السماء بوعي. وكان الهواء القادم منها يحمل رائحة مختلفة تماماً، رائحة تراب رطب ونباتات لم تُرَ في مكان آخر، وشيء ثالث لا اسم له بالضبط، شيء يجعل الصدر ينفتح قليلاً دون أن تعرف لماذا.
نهض ستارك أولاً وأشار بيده:
“لنمشِ.”
بمجرد أن خطت إيمي قدمها الأولى داخل الغابة، توقفت.
ليس من إرادتها. بل لأن شيئاً ما توقف فيها.
كانت تشعر بشيء لم تشعر به من قبل. شيء واسع جداً، هادئ جداً، منتشر في كل اتجاه كأنه نسيج الغابة نفسها لا مجرد شيء يسكنها. شعرت به في الهواء وفي الأرض تحت قدميها وفي الضوء الذي يتسرب بين الأوراق فوقها.
التفتت لترى أن كارل ونور وجين قد توقفوا أيضاً. كانت على وجوههم نفس التعبير. شيءٌ بين الدهشة والتساؤل.
قال كارل بصوت خافت:
“ما هذا؟”
لم يُجب أحد فوراً. لكن بيث، التي كانت تسير أمامه، قالت دون أن تلتفت:
“إرادة سيسيليا. هذا ما تشعرون به.”
وقفت إيمي للحظة وأغمضت عينيها.
كانت المرة الأولى. المرة الأولى الحقيقية التي تشعر فيها بإرادة كائن آخر بهذا الوضوح. عندما زاروا الغابة في المرة الأولى لم يكونوا في المستوى الذي يُمكّنهم من الإحساس بهذه الأشياء. كان الوحيد القادر على ذلك حينها هو دارون، بقدرته التي كانت دائماً أوسع من المتوقع.
‘دارون.’
الاسم جاء كما يأتي دائماً، مباشرةً، بلا مقدمات.
فتحت إيمي عينيها.
كانت إرادة سيسيليا هائلة بما يصعب وصفه. طاغية بحجمها، تشمل الغابة بأكملها كأنها ليست طاقة تنبع من نقطة واحدة بل كأن الغابة نفسها مصنوعة منها. لكن، وهذا هو الشيء الغريب الجميل، لم تكن تُشعر بأي ضغط. لم تكن هناك هيمنة، ولا رغبة في الإخضاع، ولا ذلك الثقل الذي يجعلك تُحسّ بصغرك.
كانت هادئة. كانت تبعث على الراحة بطريقة لا تُفسَّر. كأنها تقول: أنتَ في مكانٍ آمن، مهما حملت معك.
مشوا في عمق الغابة، وكانت كل خطوة تزيد من حضور تلك الإرادة الهائلة دون أن تُغيّر طبيعتها. الأشجار صارت أكثر ضخامةً، وأوراقها أشد خضرةً وكأنها لا تعرف الذبول، والأرض تحتهم باتت ألين مما ينبغي كأنها تستقبل أقدامهم بدلاً من مجرد تحمّلها.
ثم ظهرت.
لم تكن هناك خطوات تقترب، ولم يكن هناك صوت يُنبئ بها. ظهرت أمامهم كأنها كانت موجودة دائماً وهم فقط لم يكونوا يرون.
وقفت أمامهم وخلفها المبنى العتيق المصنوع من الخشب القديم الداكن، خشبٌ عمّره قرون لكنه لا يبدو مهترئاً ولا متصدعاً، بل يبدو وكأنه ينمو بدلاً من أن يتآكل، وكأن الغابة تحافظ عليه كما تحافظ على كل شيء آخر فيها.
أما هي.
كانت امرأة جميلة بجمال يصعب تحديد عمره. لم يكن جمالاً صارخاً أو مُبهراً بالمعنى الذي تعرفه إيمي، بل كان جمالاً هادئاً، راسخاً، كجمال الأشجار القديمة أو الأنهار العميقة. شعرها أخضر، أخضر حقيقي لا أثر للصبغة أو التصنّع فيه، طويل يمتد حتى الأرض ويتدفق خلفها كنهر ساكن. كانت ترتدي ثوباً من طبقات خضراء وبيضاء تتداخل كأوراق الشجر، وكان الثوب يتحرك حتى وهي واقفة كأن نسيماً خفياً يلعب بأطرافه. وعيناها، خضراوتان بعمق الغابة ذاتها، نظرتا إلى المجموعة بنظرة لا تقيس ولا تُصنّف. نظرة من يرى دون أن يحتاج إلى تقييم.
تقدم ستارك بخطوة واحدة وانحنى قليلاً. كان في وقفته وقارٌ حقيقي، لا المبالغة التكلّفة بل الاحترام الذي يأتي من معرفة حجم من تقف أمامه:
“نُحيّي روح الحياة العظيمة… سيسيليا.”
صمت لحظة ثم أكمل:
“أنا الفارس ستارك. أتيت في دورية لتفقّد حالك يا سيادتك.”
نظرت إليه سيسيليا بهدوء لا يتغيّر، ثم قالت بصوت عذب وهادئ يشبه صوت الماء الجاري على الحجارة الملساء:
“هذه زيارتكم الثانية يا أطفال فيرون.”
ثم تحوّلت عيناها، ببطء مقصود، لتقع على إيمي وستارك معاً. وفي عينيها شيءٌ يشبه الفهم قبل أن يُقال الكلام:
“إذن… ما هو سبب زيارتكم الحقيقي؟”
تراجعت إيمي خطوة صغيرة دون أن تُدرك أنها تفعل ذلك.
‘ماذا؟؟ إنها تعلم. كيف تعلم؟ هل تختبرنا؟ هل ستعلم أننا أتينا لأجل شيء آخر وترفض مساعدتنا؟ ماذا أقول؟ ماذا أفعل؟ إن قلت الحقيقة… إن أخطأت…’
لكن قبل أن تشتبك أفكارها أكثر مما اشتبكت، قطع ستارك الخيط بصوته الحازم الهادئ:
“أسف لإزعاجك بسبب تافه كهذا… لكننا نريد مساعدتك يا سيادتك. أقرضينا قوتك العظيمة.”
مالت سيسيليا برأسها قليلاً، والشعر الأخضر الطويل انساب مع الحركة كموجة بطيئة:
“مساعدة؟ مني؟ ما هي المشكلة التي عجزتم عن حلّها؟”
كادت إيمي أن تنفجر.
كادت خطوةً أن تتقدمها، وكلماتٌ أن تسبق تفكيرها. لكنها أمسكت نفسها بصعوبة. أمسكت نفسها وقالت في عقلها:
‘وأخيراً. دارون سأجدك. وسنعود معاً مرةً أخرى.’
وكانت عيناها على وشك أن تخذلاها. شعرت بالدفء يتجمع خلف جفنيها، ذلك الدفء الذي يسبق الدموع التي تأتي من الفرح لا من الحزن.
أجاب ستارك بتردد محسوب، كأنه يزن كل كلمة:
“نريد مساعدتك في تحديد مكان… صديق ضائع.”
نظرت إليه سيسيليا. ثم قالت بهدوء لا يخفي شيئاً ولا يُظهر شيئاً:
“صديقكم؟ أتقصد دارون؟ فهو الوحيد الذي لم يعد معكم هذه المرة.”
لم تتمالك إيمي نفسها.
تقدمت خطوة وصوتها خرج أعلى مما أرادت:
“نعم! نعتقد أنه سقط في النهر العظيم. هل يمكنك إيجاده؟”
مدّ ستارك يده جانبياً في إشارة خفيفة أوقفتها، ثم التفت إلى سيسيليا وانحنى برأسه قليلاً:
“آسف لوقاحتها يا سيادتك.”
صمت ثانيةً، ثم رفع رأسه ونظر إليها مباشرةً:
“لكنها محقّة. نحن نبحث عن دارون. هل يمكنك إخبارنا بمكانه؟”
صمتت سيسيليا.
وكان الصمت أطول مما ينبغي. أطول بما يكفي لأن تشعر إيمي بقلبها يُحصي ثوانيه. أطول بما يكفي لأن تتصاعد في صدرها تلك الرغبة في قول شيء، أي شيء، لتملأ ذلك الفراغ الرهيب.
ثم نظرت سيسيليا إليها. إلى إيمي تحديداً. نظرة عيون خضراوتين عميقتين كأنهما لا ترياها فقط بل تريان كل ما خلفها وكل ما تحملها وكل ما تهربان منه.
وقالت كلمةً واحدة.
كلمة واحدة فقط.
لكنها جاءت بثقل الأشجار القديمة كلها، وبرودة النهر الذي يجري في العمق، واخترقت الصدور قبل أن تصل إلى الآذان.
“لا.”
وقفت إيمي.
لم يتحرك فيها شيء. لم تنهار ولم تصرخ ولم تتراجع. وقفت فقط، وكأن تلك الكلمة الواحدة قد جمّدت الزمن حولها للحظة.
ثم أحسّت بشيء يتصدع في مكانٍ ما داخلها، في ذلك المكان الذي كانت تحرص على إبقائه صامداً منذ أن فقدته.
لا.