الفصل 113 - الحرب العظمى
لم تكن الرحلة إلى غابة الجنيّات نزهةً بأي تعريف.
كانت الغابة الغربية تقع في الجهة الشمالية الغربية من المدينة، وخلفها مباشرةً، كأنها تختبئ وراء حارسٍ لا يرحم، تمتد غابة الجنيّات. ثلاثة أيام هي المدة المعتادة للوصول، ثلاثة أيام لمن يعرف الطريق ويسلكه بحذر، ولمن يتذكر في كل لحظة أين يضع قدمه.
لأن الغابة الغربية لم تكن مكاناً يمكن فيه ترك حذرك.
كانت تعجّ بمختلف الوحوش الخطرة، من صغيرها الكامن تحت جذور الأشجار إلى كبيرها المتربّص خلف الأدغال الكثيفة. لكن هذه لم تكن المشكلة الحقيقية. المشكلة الحقيقية كانت ما يُسمّى بالأهوال النائمة.
الأهوال النائمة.
الاسم وحده كان يكفي لأن يُسكت الغرفة حين يُذكر.
كانت إيمي تسير بجانب بيث، وقدماها تطأن الأرض الطينية المبللة بأثر مطر الليل الماضي، حين سمعتها تقول بصوت منخفض كأنها لا تريد للغابة نفسها أن تسمع:
“هل يعلم الجميع ما الذي يسكن هذه الغابة فعلاً؟”
لم يُجب أحد فوراً. كانت إيريس تسير أمامهما بخطوات حذرة وخنجرها في يدها كعادتها، وستارك يقود المجموعة بهدوء الرجل الذي مشى هذا الطريق من قبل.
أجاب ستارك دون أن يلتفت، بنبرة من يستعيد معلومة يفضّل لو أنها لا توجد:
“ثلاثة وحوش كارثية. هذا ما أكده كل من جاء قبلنا وعاد ليُحدّث.”
صمت مؤقت، ثم أضاف:
“وهي نائمة. منذ قرون.”
نظرت إيمي إلى الأشجار حولها. كانت الغابة هنا لا تزال في طورها المعتدل، أشجار طويلة يتسرّب الضوء بينها بصعوبة، وأرض مغطاة بطبقة من الأوراق المتعفنة التي تُخمد الأصوات. لكن كلما تقدّموا، كان الهواء يتغيّر. يثقل قليلاً. يحمل شيئاً لا اسم له.
الأهوال النائمة.
وحوش حتى يوليوس لا يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهتها. هذه الجملة وحدها كانت تقول كل شيء عن حجم ما تعنيه.
يوليوس الذي بلغ قمة المستوى الرابع مؤخراً، الذي تدرّبت على يديه وشاهدت من قوته ما يجعل العقل يتوقف لحظة قبل أن يصدّق، حتى هو لن يُفكّر في مواجهة إحدى هذه الكائنات.
‘ثلاثة وحوش كارثية في غابة واحدة. وهي في سبات منذ خمسة قرون.’
مشت إيمي وهذه الأفكار تعبر رأسها كأمواج هادئة لكنها ثقيلة.
قُدِّر أنهم يحتاجون ثلاثة أبطال على الأقل لقتل واحد منها. ثلاثة من المستوى الخامس، أولئك الذين يُقال إن من بلغ منتصف طريق ذلك المستوى يستطيع تدمير مدينة بضربة واحدة. والأبطال في العالم لا يتجاوز عددهم العشرين، هذا إن عددنا من لمس بداية ذلك المستوى.
عشرون شخصاً في العالم كله. وثلاثة منهم على الأقل يلزم لقتل كارثة واحدة نائمة.
‘إن استيقظ واحد منهم فحسب…’
لم تُكمل الفكرة. لم تكن بحاجة.
قال كارل بصوت أجشّ، يمشي خلفهم بخطواته العريضة التي تطحن الأوراق الجافة تحته:
“لماذا هي نائمة أصلاً؟ لم يعرف أحد السبب؟”
أجابت بيث بنبرة دراسية باردة، كأنها تُلقي محاضرة:
“لا أحد يعلم. وأعشاشها معروفة لكن لا أحد يقترب. حتى لو جرؤ أحدهم، العشّ نفسه محاط بوحوش تحرسه.”
“وحوش تحرس وحشاً نائماً،” قالها جين بصوت منخفض وفيه شيء يشبه السخرية الجوفاء.
“هذا مريح جداً،” ردّت إيريس دون أن تلتفت.
لكن إيمي لم تكن منشغلة بهذا تماماً.
كانت ذاكرتها تعود إلى شيء أبعد. إلى شيء سمعته مرةً ولم تجد له وقت التأمل، لكن هنا، في هذه الغابة التي تُشعرك أن الزمن يسير بمعدل مختلف، وجدت الجملة تعود إليها بمفردها:
الحرب العظمى.
قبل خمسة قرون. الحرب التي أودت بحياة أكثر من ثمانين بالمائة من البشرية. الحرب التي، بكل عجب، لا يعرف أحد عنها شيئاً حقيقياً.
وكان سبات الأهوال النائمة قد بدأ في نفس الوقت.
قالت إيمي بهدوء، كأنها تُفكّر بصوت عالٍ:
“أليس غريباً أنه لا توجد معلومات حقيقية عن تلك الحرب؟”
التفت إليها ستارك.
“غريب هو كلمة لطيفة جداً لوصف الأمر.”
تابعت إيمي وعيناها على الأرض أمامها:
“لم يُدوَّن شيء ذو قيمة. لا أسباب، لا مجريات، لا نهاية حقيقية. فقط أشياء ثانوية لا قيمة لها.”
“وليس لأنه لم ينجُ أحد،” قالت بيث بنبرة تحمل ثقلاً قديماً. “نجا القادة. نجا الملوك. نجا المخططون والمحاربون الذين كانوا في قلب الأحداث. أشخاص كان يجب أن يعرفوا كل شيء.”
“وحين سُئلوا؟” قال كارل.
صمتت بيث لحظة، ثم قالت:
“أجابوا جميعاً بنفس الجملة.”
وكانت الجملة بسيطة بشكل يزيده الرعب.
“لا أعرف. لقد نسيت.”
مشت إيمي في صمت بعد أن سمعت الجملة من جديد. لم تكن المرة الأولى التي تسمعها، لكن في كل مرة كانت تحمل شيئاً مختلفاً، كأن معناها الحقيقي يتكشّف طبقةً طبقةً.
‘كيف ينسى الملوك والقادة سببَ حرب أودت بثمانين بالمائة من البشرية؟’
ليس شيئاً عابراً لينساه المرء. ليس موعداً فاته، أو اسماً لم يُرسّخه في ذاكرته. كانت حرباً. كانت جثثاً وحرائق ومدناً محت من على وجه الأرض. كانت فقد أشخاص بأعداد لا تُحصى. أشياء من هذا النوع لا تُنسى، حتى لو أراد المرء ذلك بكل ما يملك.
ومع ذلك نسوا.
جميعهم. بنفس الكلمات.
قالت إيريس بصوت خافت جداً، كأنها تتحدث لنفسها:
“نهاية الحرب نفسها كانت أغرب من كل ما سبقها.”
“كيف ذلك؟” سأل كارل.
“ناموا في تلك الليلة، جنوداً وقادة وعامة الناس، وهم يعلمون أنهم سيقاتلون في الصباح. المعركة لم تكن قد انتهت. لم يكن هناك أي مؤشر على أنها ستنتهي. ثم استيقظوا اليوم التالي وسمعوا أن الحرب قد انتهت. الوحوش الكارثية سقطت في سبات. القادة نسوا. حتى سبب الحرب نسي.”
صمت الجميع.
مشوا لدقيقة كاملة في هذا الصمت، والغابة تُضيّق حولهم ببطء.
ثم قال جين بصوت أثقل مما كان في أي وقت سابق:
“إذن انتهت أعظم كارثة في تاريخ البشرية… بأن نام الجميع.”
لم يُجب أحد.
لأنه لم يكن هناك جواب.
مضت إيمي في المشي وهذا الثقل يُلازمها، وكانت أشجار الغابة قد باتت أكثر كثافةً والضوء أكثر ندرةً، والهواء الذي يملأ رئتيها يحمل تلك الرائحة البرية العميقة التي تُخبرك أنك دخلت في شيء قديم جداً.
‘خمسة قرون. وهم لا يزالون نائمين.’
نظرت إيمي إلى ما أمامها، إلى الطريق الذي لا يزال أمامهم يومان وأكثر.
وفي مكان ما خلف كل هذا، في غابة الجنيّات، كانت سيسيليا تنتظر.
وربما، ربما فحسب، كان الفهد الأسود يحمل في مكانٍ ما خيطاً رفيعاً يوصل إلى دارون.
ومهما كانت أثقال هذا الطريق، كانت هذه الفكرة وحدها تكفي لأن تُبقي قدمَيها تتحركان.