الفصل 112 - غابة الحنيات
لم يكن التدريب الذي تخضع له إيمي مألوفاً بأي معنى من المعاني.
لم تكن هناك أوزان تُرفع، ولا مسافات تُقطع، ولا عضلات تُشقّ بالجهد المتراكم. لم يكن جسدها يتعرق تعرق المحاربين في ميادين التدريب، ولم تكن ساقاها تحترقان من الركض أو قفزة الفجاءة. كان الجسد ساكناً، شبه ميت في ظاهره، وكانت هي تموت من الداخل.
كان الإرهاق عقلياً من نوعٍ لم تعرفه من قبل.
كانت تُجبر نفسها على التركيز لساعاتٍ متواصلة، تلتهم فيها كل طاقتها الذهنية حتى لا يبقى فيها شيء. ثم تمنح نفسها خمس دقائق من الاسترخاء، تستلقي فيها بعيون مغلقة وجسد مرتخٍ لكن عقل لا يزال يرتجف من أثر ما مرّ به، ثم تعود. تعود دائماً.
ساعة تعزيز. خمس دقائق راحة. ساعة تعزيز. خمس دقائق راحة.
دورة مغلقة بلا رحمة.
كانت تستمر اثنتي عشرة ساعة في هذا الجحيم الصامت، وإن أضفنا وقت الاسترخاء المبعثر بينها صارت ثلاث عشرة ساعة بالتمام. ثم تنهار على فراشها لعشر ساعات من النوم العميق الذي يشبه الإغماء أكثر من الاستراحة. وحين تستيقظ تجد نفسها جائعةً جوعاً وحشياً، فتأكل ما يعادل مرة ونصف من حصتها المعتادة، تُركّز على الفواكه بشكل خاص، تلك الحلاوة الطبيعية التي يبدو أن جسدها بات يطالب بها كحقٍّ لا يُفاوَض عليه.
والغريب أن جسدها لم يتغير.
ظلّت رشيقةً كما كانت دائماً، خصرها الضامر وساقاها المشدودتان وكتفاها اللتان تحملان خفةً وقوةً في آنٍ واحد. لم تزد غراماً واحداً من الدهون ولم يتبدّل فيها شيء مرئي، لأن كل طاقة ذلك الطعام كانت تُلتهم بالكامل في التأمل، تحترق في بطاقة الإرادة الخاملة التي تحاول إيمي إيقاظها خليةً خليةً. هذا وحده كان يكفي لتدرك حجم ما تبذله.
مضى الأسبوعان هكذا. لا يومَ راحة واحد. لا استثناء. لا رحمة.
لم تكن إيمي وحدها في هذا.
في الجهة الأخرى من الممر، وراء الأبواب الموصدة على أنفاسهم الثقيلة، كان كارل وجين ونور يسيرون على نفس الطريق بنفس الثمن.
كارل، ذو البنية العريضة والكتفين اللذين يملآن باب الغرفة حين يمرّ منه، كان يستهلك ضعف ما يأكله عادةً. طبقان من اللحم والخبز والحبوب الثقيلة في كل وجبة، وعيناه شبه غائبتين خلفهما تعب لا يُعبّر عنه. أما جين، الأطول والأوسع، الذي كانت ضخامته واضحة حتى حين يجلس ساكناً، فكان يأكل ثلاثة أضعاف حصته المعتادة، وكأن جسده الهائل يطالب بأكثر بما يتناسب مع حجم ما يحرقه من الداخل.
كان يوليوس يراقبهم جميعاً في صمت، بتلك العيون التي تقيس دون أن تُصدر حكماً.
وفي نهاية الأسبوع الثاني، حين بدا على وجوههم ما لا يمكن إخفاؤه، حين باتت الهالات تحت عيونهم بنفسجيةً داكنة وخطواتهم أثقل مما ينبغي وأصواتهم أقل مما اعتادت أن تكون، لم يُصدر يوليوس أمراً بالراحة. لم يكن الرجل ممن يُصدرون الأوامر من هذا النوع. لكنه كلّفهم بمهمة.
ومهمته كانت بطريقته الخاصة أمراً بالراحة.
كانت المهمة بسيطة في ظاهرها: مرافقة الفرسان في جولة دورية.
والوجهة؟
غابة الجنيّات.
حين سمعت إيمي الاسم، شيءٌ ما تحرّك في ذاكرتها. كانت قد زارتها من قبل، قبل الحرب، في وقتٍ كانت فيه الأمور أبسط مما هي عليه الآن، أو ربما كانت تبدو كذلك فحسب. غابةٌ تملؤها طبقات من الضوء الأخضر المصفوم عبر الأوراق، ورائحة تراب رطب ونباتات برية لا تنمو في مكان آخر، وهواءٌ يحمل ثقلاً خفياً كأنه يحمل أسراراً من قرون.
مكانٌ يملؤه الغموض، وتحكمه امرأة ترمز للحياة والرحمة، اسمها سيسيليا.
أخبرهم الفرسان أن هذه الزيارة جزء من جولة دورية يقومون بها بين فترة وأخرى، لكن الحرب الأخيرة كانت عنيفةً بما يكفي لتجعل هذه الزيارة ضرورة لا مجرد روتين.
اجتمع الفريق في الفناء الخارجي صباحاً، حيث كان الهواء لا يزال بارداً والضوء لم يُقرر بعد أن يكون ذهبياً أو رمادياً. وقفت إيمي في معطفها الداكن ذي الياقة العالية التي تُغطي قاعدة عنقها، وشعرها الأسود مسحوبٌ خلفها بضفيرة مشدودة لكنها فوضوية قليلاً كعادتها، وعيناها تمسحان المكان بتلك النظرة الهادئة التي باتت تُخفي خلفها أكثر مما تُظهر. إلى يمينها كان كارل يتمدد قليلاً في كتفيه كأنه يستعيد الجسد بعد أسابيع من السجن الجالس، وإلى يسارها نور الهادئة التي نادراً ما تتكلم لكن حضورها دائماً يملأ الفراغ. وخلفهم جين الذي لا تشعر بحجمه إلا حين يقف معك في نفس المكان.
استقبلهم ستارك بابتسامته الأنيقة المعتادة، تلك الابتسامة التي تقول كل شيء ولا تقول شيئاً. كان يرتدي سترته الجلدية الداكنة فوق قميصٍ أبيض مطوي الأكمام بعناية، وسيفه على خصره كما لو أنه لم يُفارقه يوماً. إلى جانبه وقفت بيث بذلك التعبير الحذر الدائم على وجهها، وإيريس التي كانت تُدار بيدها الخنجر الصغير بحركة اعتيادية لا إرادية.
تبادلوا التحيات بدفء حقيقي، فيه أثر الرفقة القديمة التي لا تحتاج إلى كثير كلام.
ثم تقدم الجميع معاً نحو الغابة الغربية.
كانت الرحلة ستستغرق ثلاثة أيام على الأقل، والطريق يمتد عبر أراضٍ انفتحت بعد الحرب على فضاءاتٍ من الصمت الثقيل. كانت الأشجار على جانبَي الطريق تتراكم رويداً رويداً حتى صارت جداراً أخضر داكناً يُضيّق الأفق من الجانبين. وكان الصوت الوحيد المنتظم هو وقع الأقدام على الأرض الطينية الطرية، وبين الحين والآخر صوت طائر لا يُرى.
سارت إيمي بجانب ستارك، ونظرت إليه من طرف عينها.
“ماذا تتوقع من المهمة يا ستارك؟”
أجابها بعفوية، بصوته الذي يحمل دائماً طبقةً من الخفة فوق طبقةٍ من الجدية:
“نعلم أنه لم يحدث شيء بشكل خاص للغابة. نحن فقط نتخذ الأسباب الثانوية من أجل غرضنا الحقيقي.”
ثم صمت.
لم يكن صمتاً عابراً. كان صمتاً يتردد فيه شيءٌ لم يُقَل بعد، كأنه يختار اللحظة المناسبة أو يختار الكلمات.
مشت إيمي بجانبه وأبقت نظرها على الطريق أمامها، لكن ذهنها كان في مكانٍ آخر:
‘غرض حقيقي؟ هل هناك أمرٌ مخفي يحتاجونه من الغابة؟’
ثم التفت إليها ستارك، وكان في عينيه شيءٌ يشبه التردد، شيءٌ نادر على وجهه الذي اعتادت أن يكون راسخاً:
“نريد سؤال سيسيليا… إن كان بإمكانها تحديد مكان دارون.”
توقفت إيمي.
لم تكن الأرض قد اهتزت، ولم تكن السماء قد تغيرت. لكن شيئاً ما في داخلها توقف وانطلق في آنٍ واحد.
“لحظة… هل تستطيع سيسيليا تحديد موقعه؟”
كانت قد اندفعت نحوه قبل أن تُدرك أنها تتحرك، يداها تمسكان بطية ملابسه، عيناها مفتوحتان على أقصاهما، وفيهما كل الأسئلة التي كانت تتراكم فيها منذ أسابيع.
مدّ ستارك يده بهدوء وأمسك كتفيها برفق، لا ليبعدها بل ليُثبّتها:
“إنها مجرد فرضية لا غير. نعتقد أنها قادرة… لأن معه الفهد الأسود.”
خصمت لحظةٌ كاملة في الهواء، ثم أكمل بنفس الهدوء المدروس:
“الفهد الأسود كان مرافق سيسيليا لقرون. ربما تستطيع تحديد مكانه من خلاله.”
أفلتت إيمي ملابسه ببطء. لم تكن قد أدركت كم كانت تمسك بإحكام حتى شعرت بأصابعها تنفك.
نظرت إليه.
كانت عيناها غائمتين، كأن شيئاً يرتجف خلفهما يحاول أن يجد شكله. ثم، ببطء، كأن الفجر يسرق على الليل انتصاره لحظةً لحظة، أشرقتا ببريقٍ لم تُشعله منذ وقت طويل.
بريقٌ لا يُشبه الفرح ولا اليقين. يُشبه شيئاً أكثر ندرةً من هذين.
يُشبه الأمل.
أملٌ انفتح وسط ظلام اليأس الطويل كنافذةٍ صغيرة في جدارٍ سميك، لا تُدخل النهار بأكمله، لكنها تكفي لتُذكّرك أن النهار موجود.
وأحياناً، هذا يكفي.