الفصل 111 - الدرس الثاني-التعزيز
أشار يوليوس بإصبعه نحو العنوان الثاني المنقوش على اللوح الأبيض أمامه، وكانت الكلمتان تحملان ثقلاً لا تعكسه بساطة خطوطهما:
“التطور الجسدي”
صمت لحظة، كأنه يمنح الكلمتين حقهما من الوقار، ثم التفت نحو إيمي التي كانت جالسةً أمامه بظهر مستقيم وعينين تحدقان فيه بتركيز محموم، كأن كل كلمة سيقولها ستُحفر في روحها قبل أن تصل إلى أذنيها.
— “هذا هو الفاصل الحقيقي”، قال يوليوس بصوت هادئ يشبه صوت من يعلم أن ما سيقوله سيُغيّر شيئاً ما في الشخص الذي أمامه. “هذا ما يُميّز المستوى الثاني عن الثالث. ليس القوة، وليس السرعة، بل هذا.”
أخذت إيمي نفساً عميقاً دون أن تشعر. كانت أصابعها مضمومة على ركبتيها بإحكام، والدم بالكاد يجري فيها من شدة الضغط. “دارون”، همست كلمته في عقلها كما تفعل كلّ مرة، وكما في كل مرة جاءت تلك الكلمة مصحوبةً بوخزٍ خفيف في الصدر لا يكاد يُحتمل.
— “عملية تعزيز الجسد بالإرادة”، تابع يوليوس وهو يُبعد النظر عنها ويتجول بصره في الفضاء أمامه كأنه يُعيد ترتيب الأفكار في رأسه قبل أن يُفرغها أمامها، “صعبةٌ ومعقدة، وتستغرق مدةً طويلة جداً في أغلب الأحوال. من يظن أن الطريق إلى المستوى الثالث سهل الاختصار فهو لا يعلم ما الذي يتحدث عنه.”
توقف، ثم أضاف:
— “والعامل الأهم في كل هذا… هو التركيز.”
كان الجو في الغرفة هادئاً حد الثقل، والضوء الآتي من النافذة الجانبية يرسم خطاً ذهبياً باهتاً على أرضية الحجرة. كانت إيمي في تلك اللحظة تبدو صغيرة، أصغر مما يجب، بشعرها الأسود المسحوب خلفها بفوضى مدروسة، وتلك الهالات الداكنة تحت عينيها التي باتت تشهد على ليالٍ لم يأتِ فيها النوم إلا زائراً عابراً.
—” التركيز هو الأساس، والتأمل هو الطريق الوحيد للوصول إليه. لا بديل، ولا اختصار.”
ثم مال يوليوس قليلاً إلى الأمام، ويداه متشابكتان أمامه، وفي عينيه شيءٌ يشبه التحدي الهادئ:
— “ربما تتساءلين الآن: كيف؟ كيف يُمكن تعزيز الجسد بالإرادة؟ بشيءٍ لا يُلمس، بشيءٍ لا يُرى، بل بشيءٍ لا يكاد يُفهم؟”
لم تُجب إيمي. لكن أهدابها ارتجفت قليلاً، وهذا كان جواباً كافياً.
— “الإرادة… “قالها يوليوس ببطء، كأنه يتذوق الكلمة في فمه قبل أن يُطلقها، “هي في آنٍ واحد الأبسط والأعقد. الأبسط لأن كل حيٍّ يحملها. والأعقد لأن لا أحد يعرف حقاً ما هي.”
نهض من مكانه ببطء، وبدأ يُخطو بخطوات واسعة ومتأنية في المساحة الضيقة بين الطاولة والجدار، وكان صوته يملأ الغرفة دون رفعٍ أو خفض، ثابتاً كصوت من ولدت الحكمة معه:
— “هناك من يقول إن الإرادة ليست سوى تحوّل للرغبات العميقة، تلك التي تختبئ في قاع النفس بعيداً عن ضوضاء العقل الواعي. وهناك من يراها تطوراً للغريزة البدائية، تلك الطاقة الأولى التي دفعت الكائن الأول ليتشبث بالحياة حين لم يكن ثمة سبب واضح للتشبث. وهناك حتى من يقول إنها مفهوم مستقل كلياً، أقدم من الكائنات الحية وأكبر منها.”
توقف في منتصف خطوته، والتفت نحو إيمي:
— “وأنا؟ لا أعلم أيّهم على حق. ولعلّهم جميعاً على حق. ولعلّهم جميعاً مخطئون. الحقيقة أننا لن نتمكن من إدراكها إدراكاً حقيقياً، مهما بلغنا من العلم أو القوة. الإرادة لا يمكن حصرها في مفهومٍ مجرد ومحدود.”
أدار ظهره للوح مجدداً، وكتب بخط واسع كلمة واحدة: “الحياة”. ثم التفت:
— “هل يمكنك تعريف الحياة؟”
فتحت إيمي فمها، ثم أغلقته. كانت على وشك أن تقول شيئاً منطقياً تماماً، شيئاً عن التنفس والحركة والإحساس. لكن شيئاً ما في عينَي يوليوس جعلها تتوقف.
ابتسم ابتسامةً خفيفة.
— “إن كان جوابك عن التنفس والأكل وسائر الأفعال، فما قلته صحيح ومنطقي. لن أقول إنك مخطئة. لكن بحصرك الحياة في هذه الجوانب وحدها… أنتِ تُصغّرين شيئاً لا نهاية له.”
ثم محا الكلمة وكتب تحتها: “الإرادة”.
—” الإرادة امتداد للحياة. وكما أن الحياة تشمل كل شيء ولا تُختزل في أيِّ شيء، كذلك الإرادة. يمكننا القول بجرأة إن الإرادة هي الحياة. ربما. من يدري.”
صمتت إيمي، وكان في صمتها شيءٌ أعمق من الاتفاق.
ثم رفعت رأسها فجأة، وفي عينيها بريق سؤال:
—” إذا كانت الإرادة هي الحياة، فهل الموت نقيضها؟”
أُعجب يوليوس بتفكيرها.و لم يُخفِ ذلك.
— “سؤال وجيه. فلماذا إذن تتشكّل إرادة القتل؟ إن كان الموت نقيض الإرادة التي هي الحياة، فما الذي يدفع بعض الكائنات إلى إرادة الفناء؟”
أطرق، ثم قال بهدوء:
—” ليس وكأننا سنُدرك هذا يوماً… هناك من تتولّد لديهم الرغبة في القتل لأجل الحياة ذاتها. لحماية شيء، لإبقاء شيء آخر. ومحاولتنا استيعاب هذه الأشياء ستوقعنا في دوامة لا تنتهي من التساؤلات.”
وقف يوليوس ثانيةً، ورفع إصبعه:
— “لكن هذا يُعيدنا للسؤال العملي: إن كانت الإرادة غير مفهومة، فكيف نستخدمها؟”
ابتسم ابتسامةً يسكنها شيءٌ قديم:
— “سأُجيبك بسؤال مقابل: إن كانت الحياة غير مفهومة، فلماذا تعيشينها؟”
لم تنتظر إيمي إجابة. كانت تعرف أنها ليست بحاجة لواحدة. الأمر كان أبسط مما يبدو، وأعمق مما يُوصف.
— “سواء كانت الحياة أو الموت أو الإرادة، تابع يوليوس وقد عاد ليجلس، هي جميعاً قوانين تحكمها الحتمية. مثلما هو محتومٌ عليك الموت، محتومٌ عليك الحياة. ومحتومٌ عليك أن تحملي إرادتك. إنها ليست هبةً ولا لعنة. هي أساس من أساسيات هذا العالم. شرطٌ من شروط الوجود.”
أخذ نفساً عميقاً، ثم ابتسم بطريقة مختلفة، أكثر عملية، أقل فلسفية:
— “حسناً. لنعد إلى الموضوع.”
— “عند كل كائن حي إرادة”، قال يوليوس وقد تغيّرت نبرته تماماً، أصبحت أكثر حدةً وتركيزاً، كأنه قد أسدل ستار الفلسفة وفتح باب العلم، “لكنها في حالتها الطبيعية خاملة، نائمة في أعماق الكيان. عند التأمل الشديد، يمكن للمرء أن يشعر بها، أن يلمسها بوعيه، وأن يبدأ بالتحكم بها بشكل بسيط.”
نهض مجدداً ورسم دائرة كبيرة على اللوح:
— “تخيّلي بحراً. ليس عليكِ التحكم بكل موجاته وكل تياراته، ذلك مستحيل. لكن يمكنك أن تمسكي بخيطٍ واحد من ذلك البحر، ثم بخيطين، ثم بعشرة. وتوجّهي تلك الخيوط الرفيعة لتُعزّزي جسدك من الداخل. كل جزء. كل ليفة عضلية. كل ليفة عصبية. كل خلية صغيرة في هذا الجسم.”
صمت، ثم أردف بنبرة أثقل:
—” لكنها عمليةٌ طويلة. تستغرق شهوراً في أفضل الأحوال، وسنوات في الغالب. ولن أتفاجأ إن استغرق الشخص العادي عقودا كاملة.”
رفعت إيمي حاجبيها قليلاً، وفي عينيها سؤال يُقاوم الصعود.
— “لأنها خطيرة حقاً”، قالها يوليوس قبل أن تسأل، كأنه قرأ ما في عينيها. “تخيّلي أنكِ فقدتِ السيطرة على إرادتك، وأنتِ تُعزّزين عصباً دقيقاً داخل عقلك. أدنى ارتجاج في التركيز، أدنى تشتت، وستكون النتائج كارثية. في أفضل الأحوال، عاهةٌ دائمة. وفي أسوأها…”
لم يُكمل. لكن الصمت أكمل عنه.
— “ولهذا، أول ما يجب تعزيزه هو العقل.”
نظرت إيمي إليه بعيون تُعبّر عن فهم تام وتقبّل هادئ، لا خوف يظهر فيهما، ولا تراجع.
—” العقل هو أساسنا”، تابع يوليوس بجدية،” وهو أعقد ما نملك وأصعبه. نصف المدة الإجمالية على الأقل سيكون من نصيبه وحده. هذا وحده يخبرك بحجم أهميته.”
أغلقت إيمي عينيها لثانيةٍ واحدة. رأت في تلك الثانية شيئاً ليس هنا في هذه الغرفة: وجهاً، ابتسامةً، يداً مدودةً نحوها في وقتٍ كانت فيه الظلمة تبدو أوسع من أي نور.
“دارون.”
فتحت عينيها.
بالنسبة لإيمي، التي كانت في أسوأ حالاتها، بجسدٍ أنهكته الرحلة وروحٍ تتشبث بخيطٍ واحد لا يزيد، لم يكن الوقت ترفاً. لم تكن السنوات خياراً. لم تكن الشهور سوى وعد كاذب.
الوقت كان العامل الأكثر قسوةً والأكثر أهمية في معادلتها.
لكن مهما تضاعفت المخاطر، ومهما اتسعت الهوّة بين قدرتها الآن وما يُتطلب منها، لم تُولِ إيمي كل هذا سوى نظرة واحدة باردة ثم أدارت عنه وجهها.
لأن دارون لم يكن مجرد هدف. كان جزءاً منها. جزءٌ اقتُطع منها في ليلة لم تختر فيها الوداع، وهي لن تستريح حتى تستعيده.
كانت مستعدة لفعل المستحيل. كانت مستعدة لتحريق كل حدٍّ آمن بينها وبين الخطر. كانت مستعدة لأن تُغامر بكل شيء على خيطٍ واحد من ذلك البحر الذي لا يُحصى.
لأن بعض الأشياء لا تحتاج إلى فهم لكي تكون تستحق كل شيء.