الفصل 110 - إرادة دارون
وقف يوليوس.
لم يكن مجرد وقوف — كان حضور. الفارس الذهبي بهيبته الكاملة التي لا تحتاج إلى إعلان ولا إلى تقديم، يقترب من المجموعة بخطوات بطيئة ومقيسة كأن كل خطوة تحمل وزناً مختلفاً عن التي قبلها. وقف أمامهم وبدا في تلك اللحظة كأنه يحجب الساحة خلفه بالكامل — ليس بجسده، بل بشيء آخر يُشعر به من يقف أمامه ولا يستطيع تسميته.
نور الشمس نفسها بدت وكأنها تُعدّل زاويتها لتتجنب مزاحمته.
ابتسم. تلك الابتسامة التي لا تُفارق ملامحه أبداً — الابتسامة التي لا تُشبه الفرح بالمعنى العابر ولا الرضا البسيط، بل شيء أعمق وأكثر استقراراً. رضا من رأى نهاية قصة كان يعرف فصولها منذ البداية.
نظر إليهم واحداً تلو الآخر. إيمي بعيونها المشتعلة دائماً. كارل بعبوسه الذي يُخفي خلفه انتباهاً حاداً. جين بذلك الحزم الصامت الذي يجعل صمته يُشبه الكلام. ونور بتركيزها المطبق كأن العالم كله لا يستحق انتباهها إلا بمقدار ما يُفيد اللحظة الراهنة.
— “ممتاز.” قالها بوضوح. ليس كلمة مجاملة بل كحكم نهائي صادر عن من يعرف ما يعنيه. “تحقيقكم لهذه النتيجة أمر مبهر حقاً. عزيمتكم لا يمكن الاستخفاف بها — لا أنا ولا غيري.”
بدأ يسير ذهاباً وإياباً أمامهم بإيقاع منتظم، يداه خلف ظهره، كأن حركته تُساعد تفكيره على التشكّل.
— “تقنية التكثيف والتخفيف ليست مجرد أسلوب قتالي. هي الأساس الذي يقوم عليه المستوى الثالث كله. هي الخط الفاصل — ليس خطاً رفيعاً بل هوّة — بين من يقف في المستوى الثاني وبين من يبدأ يلمس الثالث.” توقف وأدار وجهه إليهم. “صحيح أنكم لن تستطيعوا مجاراة المستوى الثالث في مواجهة مباشرة بعد. المسافة لا تُقفَز في يوم. لكن إتقان هذه التقنية يمنحكم شيئاً ثميناً لا يمنحه المستوى الثاني عادةً — فرصة. فرصة لتسديد ضربات تؤثر فعلاً في من هم فوقكم. وهذه الفرصة، في الميادين الحقيقية، هي الفرق بين الحياة والاختفاء.”
نفخ صدره بطريقة تحمل شيئاً من الفخر الحقيقي لا المُصطنَع:
— “عملية إتقان هذه التقنية صعبة. وهي تختلف من شخص لآخر بحسب طبيعة إرادته وبنيته الداخلية — ليس قوته الجسدية، بل بنيته الداخلية. في المعدل الطبيعي، سبعة بالمئة فقط من المقاتلين ينجحون في إتقانها إتقاناً حقيقياً.” نظر إليهم بعيون تحمل ما يُشبه الفخر المُحكَم. “وأنتم منهم.”
سكتت الساحة بذلك الصمت الذي يتبع الكلام الثقيل. ثم تغيّرت نبرة يوليوس — تحوّلت من الإشادة إلى شيء أكثر صلابة وأكثر وزناً:
— “لكنها تبقى مجرد تقنية. الأساس — نعم. لكن الأساس ليس البناء. ومنها ننتقل إلى درسكم الثاني.”
توقف. والتوقف كان مقصوداً كأنه يُعطيهم ثانية ليستعدوا لما سيأتي.
— “وهو ما ينقلكم فعلاً إلى بداية المستوى الثالث.”
شدّت إيمي قبضتيها حتى سمع كارل الذي يقف بجانبها صوت مفاصلها. ازداد كارل عبوساً — عبوس من يُركّز لا من يُعارض. وازداد جين حزماً في وقفته. أما نور فبقيت كما هي — الوجه الهادئ الذي يُخفي آلة تعمل بأقصى طاقتها.
أكمل يوليوس، وفي صوته الآن شيء يُشبه الثقل المتعمّد:
— “درسكم الثاني هو تعزيز الجسد بالإرادة. ليس تركيزها في نقطة كما في التكثيف، بل نشرها — إشباعها في كل جزء، كل ليفة عضلية، كل عصب، كل خلية، كل ذرة. هذا التعزيز حين يكتمل لا يُحسّن أداء الجسد — ينقله نقلة بنيوية كاملة. قوتك الجسدية والعقلية معاً تتخطى الحدود البشرية السائدة. لا تُرقيّة في الأداء بل إعادة صياغة في الطبيعة.”
صمت لحظة. ثم:
— “وهي عملية طويلة. طويلة بمعنى حقيقي لا مجازي. حتى الأكثر موهبة والأكثر إرادة لن يُكملوها في أقل من نصف سنة. والمتوسط أقرب إلى السنة.”
تغيّرت نبرته مرة أخرى. إلى شيء يُشبه التردد — وهذا نادر على يوليوس.
— “لكن هناك ما يجب قوله بوضوح تام.” نظر إليهم بعيون لا تُخفي شيئاً. “هذه الخطوة لا يستطيع فعلها إلا ثلث من أتقنوا التكثيف والتخفيف. ثلث فقط. ولمن يحاول ولا يصل إلى النهاية، الثمن ليس مجرد الفشل.” توقف. “من الممكن أن ينتهي بكم الأمر بعاهة دائمة. في الجسد أو في القدرة أو في كليهما.”
الجملة الأخيرة وضعها في الهواء وتركها.
وكانت إيمي تنتظر.
— “إن كنتَ تتوقع مني التراجع الآن—” قالتها وصوتها ينزّ من حرارة حقيقية، “فأنت تحلم حتماً.”
لم تتوقف. رفعت صوتها قليلاً وعيناها تشتعلان بذلك البريق الذي يجعل من يقف في مواجهتها يُقرّر عدم مواجهتها:
— “أنا لم آتِ إلى هنا لأسمع هراء الفشل والاستسلام. أتيتُ لأصبح أقوى. لم أصل إلى هنا بالمصادفة ولم أتعلّم التكثيف لأقف عنده. لن أغادر هذا المكان حتى أكون من المستوى الثالث — بعاهة أو بغيرها.”
ضحك يوليوس. ضحكة مسموعة حقيقية غير مُتكلّفة، خرجت بسرعة كأنها فاجأته قبل أن تُفاجئ أحداً آخر. ثم قال:
— “عزيمتك هي الأفضل حتى الآن. لم أرَ — في وقت طويل — شخصاً قد يبلغ مكانة دارون.”
توقفت الساحة.
فتحت إيمي فمها. أغلقته. ثم:
— “دارون.” قالت الاسم ببطء كأنها تتأكد أنها سمعته صحيحاً. “ما الذي قلتَه الآن؟ ما علاقة دارون بهذا الوضع؟”
ابتسم يوليوس بطريقة تُشبه من يعرف أنه فتح باباً لا يُغلق بسهولة.
— “من بين جميع من رأيتُهم في حياتي كلها — وأنا رأيتُ ما يكفي لأن أُقيّم بدقة — لم أرَ إرادةً أشدّ وضوحاً وأشدّ فتكاً من ذلك الفتى. لا بين من هم في مستواه. لا بين المستويات العليا.” توقف. “حتى بيننا نحن.”
اتسعت عيون إيمي بطريقة لا تتحكم فيها.
— “عندما رأيتُه لأول مرة..” أكمل يوليوس وهو يحك صدغه بحركة تُشبه من يحاول استحضار ذكرى بالتفصيل الكامل، “كدتُ أُهاجمه خطأ. كدتُ أُعامله كتهديد حقيقي بدلاً من الوحش الذي كنا نواجهه. لأن إرادته طغت على إرادة الوحش بأكمله. لم تُغطّها. طغت عليها.”
تلعثمت إيمي — وهذا شيء نادر:
— “مم.. ماذا تقصد بهذا تحديداً؟ كيف يطغى على وحش—”
قاطعها يوليوس بلطف حازم:
— “لا تسأليني عن التفسير لأنني لا أملكه.” قالها ببساطة غير معتادة على رجل يملك إجابة لكل سؤال. “صدقيني يا إيمي — حتى أنا نفسي لا أعرف. ولم أشهد شيئاً كهذا أبداً في كل ما عشتُه.”
سار خطوتين ثم استدار:
— “قابلتُ مئات من المستوى الثالث. قابلتُ العديد ممن بلغوا المستوى الرابع كما أنا. وقابلتُ في حياتي أشخاصاً بلغوا المستوى الخامس — وهؤلاء يُعدّون على أصابع اليدين في هذا العصر.” توقف وجاءت الكلمات التالية ببطء مقصود كأنه يُقيس كل كلمة قبل إطلاقها: “أقولها بكل يقين — لم أشهد إرادةً كإرادته. وقفتُ أمامها وعجزتُ عن تفسيرها. لم تُشبه أيّ شيء في تصنيفاتي.”
كان الصمت الذي جلس بعد هذه الكلمات من النوع الذي لا يُملأ بسهولة.
نظر يوليوس نحو إيمي التي بدت للمرة الأولى كأنها لا تعرف تماماً ما تفعله بيدها — قبضت عليهما ثم أرخت ثم قبضت مجدداً. في عيونها شيء يتشارك فيه ألا وهو الغياب والحضور في الوقت ذاته — كأنها هنا جسداً لكن جزءاً منها ذهب مع اسم تم نطقه.
قال يوليوس بنبرة أكثر هدوءاً وأكثر مباشرة:
— “لا أعلم أين هو الآن. لا أعلم ما الذي يحدث معه. لكنني سأقول بثقة تامة — هناك شيء غير عادي في ذلك الفتى. غير عادي بمعنى لا أملك له كلمة أدق.”
صفّى حلقه. تنهّد. ثم نظر إليهم جميعاً بنظرة تُعيد الأمور إلى مسارها:
— “على كل. لنعد إلى موضوعنا.” ونبرته عادت إلى تلك الحزمة من القيادة والوضوح. “الدرس الثاني لن ينتظر، والتفكير في المجهول لن يُفيد تدريبكم القادم شيئاً — خاصةً أنتِ يا إيمي.”
نظر إليها بعيون فيها شيء يُشبه التحدي الودّي:
— “عزيمتك التي ذكرتِها قبل قليل — أحتاج أن أراها في التدريب. لا في الكلام.”