الفصل 109 - اتقان الدرس الاول
اثنا عشر يومًا.
اثنا عشر يومًا من التدريب الذي لا يعرف اسمًا أحسن من الجحيم.
إيمي لم تنم فيها إلا قليلًا. لم تكن القلة من الإهمال. كانت من الاختيار. كانت تقتطع من ساعات الراحة القليلة لتضع كل ذرة من وعيها وجسدها في بوتقة شيء لم تستطع في البداية أن تسمّيه بدقة.
والآن وقفت في مواجهة بيث.
عيناها تلمعان ببريق لم يره فيها أحد من قبل. مزيج غريب. الإرهاق القاتل من جهة. واليقين المطلق من جهة أخرى. وبين الاثنين شيء لا يظهر في العيون عادةً. ذلك الشيء الذي يظهر فقط حين يُكسر الإنسان مرات كافية ويُعاد تجميعه بطريقة مختلفة.
جوهر ما فهمته إيمي في اليوم الثاني عشر لم يكن ما توقعته.
لم يكن القوة.
كان الوقت.
التكثيف والتخفيف ليسا أداةً لزيادة القوة الخام. هما أداة لتوزيع الإرادة بشكل غير عادل بين أجزاء الجسد. مثل وضع ثقل هائل على كفة ميزان واحدة. لكن مع فارق واحد حاسم: لا يجب أن يتركز هذا الثقل في مكان واحد لأكثر من ثلاث ثوانٍ.
بعدها؟
الجسد يدفع الثمن.
التوازن الفسيولوجي ينهار من الداخل. العضلات تتمزق. الأنسجة تحترق. الجسد يتحطم بيده الخاصة.
لم تكن المشكلة في فهم هذا.
كانت المشكلة في الحركة. تلك المناورة المعقدة لنقل مركز الثقل الإرادي عبر أنحاء الجسد في سباق مع الزمن لا يتجاوز الثلاث ثوانٍ لكل منطقة. كأنك تمشي على حبل والحبل يتحرك.
نظرت إيمي نحو بيث.
بتركيز جمّد الهواء بينهما.
وفي لحظة خاطفة انطلقت.
ركزت إرادتها بالكامل في قدميها. الانطلاق كالسهم المنفلت من قوسه. ثم قبل أن يتداعى التوازن، سحبت تلك الإرادة بلمح البصر نحو عضلات الحوض. الثبات في الدوران. الحركة لا تنكسر.
وعندما وصلت إلى مدى الاشتباك، نقلت التكثيف إلى عضلات الظهر العلوية والأكتاف والصدر. مرونة انسيابية وقوة دفع هائلة في آنٍ واحد.
ثم في الجزء الأخير من الثانية، في تلك الشريحة الزمنية التي لا تُقاس:
صبّت كل شيء في ساعدها ومعصمها.
طرررررررخ.
الصوت لم يكن صوت تدريب.
كان صوت حقيقي. صوت حديد في حديد بقوة لا تأتي من جسد وحده.
بيث، رغم خبرتها ورغم تصديها للضربة بكل ما لديها، اندفعت للخلف عدة أمتار. يداها ترتجفان من الارتجاج الذي تولّد في نقطة الاصطدام.
سقطت إيمي أرضًا.
الإجهاد أسقطها قبل أن تقرر الجلوس.
لكنها رفعت رأسها.
ونظرت إلى بيث المذهولة.
وانشق وجهها الشاحب الملطخ بالدماء والعرق عن ابتسامة.
ليست ابتسامة مجاملة. ليست ابتسامة من يريد أن يبدو سعيدًا. ابتسامة بالأسنان كاملة. ابتسامة نصر حقيقي حملت فيها كل آلاف المحاولات الفاشلة التي سبقت هذه اللحظة.
“لقد فعلتها. نعم. وأخيرًا أتقنتها!”
صوتها كان مبحوحًا من فرط الاستخدام والإرهاق.
لكنه كان أجمل صوت سمعته الساحة في ذلك اليوم.
على الجانب الآخر من الساحة، كارل كان يواجه ستارك.
وحصل هو الآخر على التلميح الذهبي.
لكن أسلوبه كان مختلفًا تمامًا. ليس الاندفاع الحركي. ليس الرشاقة الانسيابية. كارل بطبيعته جبل. فكان منطقيًا أن التكثيف عنده يُعبّر عن نفسه بالثبات الساحق.
ركّز الإرادة في ساقيه فصار كالجبل لا يتزحزح. نقلها لحوضه وظهره لتقوية الركيزة حتى الأرض تحته تبدو جزءًا منه. ثم صبّها في معصميه اللذين يمسكان السيف الثقيل.
الضربة التي أطلقها شقّت أرض الساحة الحجرية.
ستارك تجنبها في اللحظة الأخيرة بحركة بهلوانية تدل على أنه عرف ما كان قادمًا قبل أن يصل. وتركها تمر. والأثر في الأرض بقي.
حفرة في الحجر.
ليست خدشًا. حفرة.
دليل لا يحتاج كلامًا على أن كارل وصل إلى عتبة لم يقف عندها من قبل.
وأما نور، فكانت الأهدأ.
والأسرع.
أتقنت التقنية قبل الجميع بيومين. كأنها كانت تعرفها من قبل ولم تعرف أنها تعرفها.
كونها رامية سهام، كان جسدها يعرف بالفطرة كيف تتدفق الطاقة من المركز إلى الأطراف. ركزت الإرادة في ظهرها ثم كتفيها وصولًا إلى ساعديها. السهام التي خرجت بعد ذلك لم تكن مجرد سهام. كانت تخترق الهواء بصوت مختلف. بزخم لا تصنعه القوس وحدها.
إيريس التي كانت تتدرب معها شريكة ومراقبة لاحظت الفرق فورًا. والفرق كان واضحًا كوضوح الشمس.
وجين.
جين كان الأسرع إتقانًا على الإطلاق.
تسعة أيام فقط.
والسبب كان منطقيًا حين فُهم. جين مدافع بطبيعته. تدريبه السنوات الطويلة كله كان على الصمود، على الصد، على تلقي الضربة بطريقة تُبقيه واقفًا. وهذا هو التكثيف في جوهره لمن يفعله دفاعًا.
كل ما فعله هو إضافة الوعي لما كان يفعله بالغريزة.
التكثيف في الساعدين في اللحظة التي تسبق تلقي الضربة مباشرة. لا قبلها بثانية فيضيع التركيز. لا بعدها فتصل الضربة قبل أن ينتهي التحضير. في تلك الشريحة الزمنية الدقيقة. ثم نقل التركيز لحوضه وساقيه ليبقى واقفًا.
وحين واجه جون في التدريب، كان جون يضرب بكل ما يملك من قوة المستوى الثالث.
وجين كان لا يزال واقفًا.
كالطود العظيم الذي لا يعرف التزحزح.
وفي غروب ذلك اليوم، حين نزل الضوء الأخير على الساحة وصبغها بذهب محمّل بالتعب…
وقفوا.
جميعهم.
وجوههم ملطخة بالدماء والتراب والعرق. أجساد منهكة لكنها قائمة. والشيء الذي في عيونهم لم يكن موجودًا اثني عشر يومًا قبل ذلك.
يقين.
ليس الأمل. ليس التمني. اليقين الذي يأتي حين تشعر بشيء في يدك ولا تعود خائفًا من أنه قد ينسحب.
أتقنوا الدرس الأول.
ووجوههم كانت تُعلن أنهم يريدون الدرس التالي.
لأن المستوى الثالث لم يعد مجرد حلم بعيد.
أصبح حتمية.
حتمية يقتربون منها بكل خطوة. بكل سقوط. بكل محاولة فاشلة سبقت هذه اللحظة.
وكل ذلك الألم.
كل ذلك الإرهاق.
كل تلك الليالي القصيرة.
كانت ثمنًا.
وكالعادة مع الثمن الحقيقي: كان يستحق.