الفصل 108 - عزم إيمي
مرّ أسبوع كامل من التعب والدموع والعرق.
أسبوع سحق العظام وأنهك الأرواح، ولم يترك للفريق ذرة وقت للراحة من هذا التدريب الجحيمي الذي فرضه يوليوس بهدوء من يعرف أن الراحة المبكرة ثمنها مؤجل.
في وسط الساحة، سقطت إيمي على ركبة واحدة.
كانت تلهث بجنون لدرجة أن جسمها بأكمله أصبح يرتجف بارتعاشات لا إرادية، كأن عضلاتها قررت أن تُعلن رأيها بالصوت الوحيد الذي تعرفه. لم يعد من الممكن التمييز بين صوت تنفسها وشهقات رجل يحتضر في أنفاسه الأخيرة. القناع الفولاذي الأسود على وجهها السفلي لم يُخفّف شيئاً من هذا الإرهاق.
كان هناك سيل من العرق البارد المختلط مع الدماء القانية ينساب من جرح في أعلى رأسها. يمر بجبينها الملطخ بالتراب ليقطر بصمت على أرض الساحة الصلبة التي لا تهتم بما يقطر فوقها.
شتمت في سرها. ثم قالت بصوت مخنوق بالجهد:
“تباً. ماذا تريد منا أن نفعل؟ كل ما قلته لنا هو تركيز الإرادة في منطقة الهجوم وتخفيفها في باقي الجسد. أتتوقع منا أن نُطبّق تقنية تقلب موازين القوة مباشرة دون أي شرح مفصّل؟”
كان كلامها المليء بالحنق موجهاً ليوليوس الذي كان يجلس في الزاوية بكل ثقة ومراقباً المشهد بابتسامته المعتادة التي لا تفارق وجهه مهما اشتدت الظروف، كأن العالم يؤدي أمامه مسرحية كان يعرف نهايتها منذ البداية.
“حقاً؟”
أجاب يوليوس بكل عفوية وسخرية لاذعة اخترقت مسامعها:
“أتريدين الانتقام يا إيمي وأنتِ عاجزة عن إدراك شيء بسيط كهذا؟ القوة لا تُشرح بالكلمات. بل تُنتزع من رحم العجز.”
تجهّم وجه إيمي بغضب مكتوم كاد ينفجر لكنه وجد لنفسه قناة أخرى.
التفتت بصعوبة نحو خصمها. تلك الفتاة الطويلة الرشيقة التي لم تكن سوى بيث، رفيقة السلاح القديمة التي أصبحت في هذه الساحة تدريباً متحركاً لا رفيقة.
نظرت بيث إليها بإشفاق ممزوج بتحدٍّ خفيف. وابتسمت بلطف مستفز يعرف أنه مستفز وهذا تحديداً ما يجعله أكثر إزعاجاً.
“حسناً، أنكمل تدريبنا عزيزتي؟ مازال أمامك وقت طويل جداً لتنضجي وتصلي لمستوانا.”
نهضت إيمي بتمايل.
جسدها يأبى الطاعة وعضلاتها تصرخ ألماً لا يستطيع تجاهله أحد. وقفت. رغم أن الوقوف في حد ذاته كان قراراً يتطلب تركيزاً في تلك اللحظة.
أبدت استياءها واعتراضها مراراً خلال هذا الأسبوع. كانت مستاءة حقاً. غاضبة حقاً. محطمة حقاً. لكنها استمرت بالمحاولة ورفضت فكرة الاستسلام بطريقة لا يعرفها من يراها من الخارج لكن من يعيشها يعرف أنها تختلف عن العناد.
لأن كراهيتها لذاتها كانت أعظم من أي ألم جسدي.
كرهت نفسها الحالية الضعيفة.
كرهت عجزها الذي منعها من حماية من تحب. كرهت ذلك الضعف الذي جعلها تقف متفرجة أمام القدر في اللحظة التي كان يجب أن تكون فيها أقوى. كرهت تلك اليد التي أُفلتت في الليلة المشؤومة وبقيت تُلاحقها في النوم وفي التدريب وفي كل لحظة يهدأ فيها الضجيج حول أذنيها.
كل هذه المشاعر السوداء تراكمت. لم تتبخر ولم تتلاشى. بل تجمعت بصبر لا تعرف أنها تمتلكه، ومن جمعها صنعت شيئاً لا يُصنع من الأماني الجميلة.
عزيمة فولاذية لا تلين.
في هذا العالم، يمكن تقسيم البشر إلى نوعين من حيث مصدر القوة.
النوع الأول هو من يستمد وقوده من المشاعر الإيجابية. الحب. الأمل. تشجيع من حوله. يحوّل ذلك الضياء إلى طاقة تطوّره نحو الأفضل بطريقة تجعل التطور يبدو طبيعياً كالنمو.
والنوع الثاني نقيضه التمام.
هذا النوع يحوّل السلبيات إلى محرك. الألم إلى وقود. الندم إلى سلاح. ما أُلقي عليه من قسوة الخارج أو ما نبع من مرارة الداخل يتحول في يده إلى طاقة لا تهدأ.
هذا النوع هو الأكثر فتكاً ودواماً في مساره. وهذا راجع لطبيعة الذات البشرية المعقدة التي تتأثر بالسلبية أعمق بكثير من تأثرها بالإيجابية. قد ينسى المرء فضلك عليه في شهر أو ربما أسبوع. لكن الإهانة والسخرية والإساءة العميقة، تلك الندوب لا تندمل بسهولة. قد تنسى أنت أنك أسأت. لكنه هو لن ينسى. في كل مرة يضع فيها رأسه على الوسادة في عتمة الليل سيتذكر تلك الكلمة الجارحة أو ذلك الفعل المهين ويشعر بنيرانها تحرق صدره من جديد.
كانت إيمي تقتات على هذا الحريق.
كانت الكراهية التي تحملها لعجزها وفقدانها تُغذّي كل ضربة تُسددها وكل ساعة تصمد فيها وكل مرة ترفض فيها أن تسقط نهائياً. ليس جمالاً في هذا الوقود. لكنه كان يعمل.
ربما، وبشكل ساخر ومرير لا تُريد الاعتراف به، كان فقدان دارون قد أيقظ فيها شيئاً لم يكن سيستيقظ لولا تلك الليلة.
منحها خسارته خزيناً لا ينضب من العزيمة الداكنة. وقوداً أسود يحملها نحو قمة المستوى الثالث، حتى لو كان الثمن هو حرق روحها بالكامل في الطريق.
لكن في مكان آخر من قلبها، في تلك الزاوية الصغيرة التي لا يصلها الحريق، كانت تعرف السبب الحقيقي الذي يُبقيها واقفة كلما سقطت.
ليس كراهيتها لضعفها.
بل حبها له.
والكراهية والحب كانا يشتعلان معاً في نفس المكان، وكلاهما يقول لها نفس الكلمة:
قاتلي.
رفعت إيمي نظرها نحو بيث.
أمسكت بقبضة سلاحها.
وبدأت من جديد.