الفصل 107 - ترابط الفريق
مع خيوط الفجر الأولى في اليوم الموالي، انطلقت المجموعة.
الهواء كان بارداً في تلك الساعة المبكرة التي تقف فيها المدينة بين النوم واليقظة، حيث الأصوات قليلة والضوء لا يزال يُحاول إثبات نفسه أمام الظلام المتراجع. خطواتهم على البلاط الحجري كانت ثابتة، لا تستأذن ولا تتردد.
نحو القلعة الحصينة.
ذلك الصرح الحجري العظيم الذي يمثل قلب المدينة العسكري ومقر يوليوس وفرسانه النخبة. أسوار شاهقة تعكس ضوء الشمس الباهت في هذه الساعة المبكرة، وكأنها تراقب القادمين ببرود وتحدٍّ متساوٍ لا يُفرّق بين ضيف ومقاتل.
عند البوابة الضخمة المصنوعة من خشب البلوط والحديد المعزز، استقبلهم فارس متدرب يرتدي درعاً فضياً مصقولاً. لم يكن استقباله عادياً. انحنى بوقار ملحوظ، ونبرة صوته مشبعة بالتبجيل الذي لا يُكلَّف بل يأتي عفواً.
“السيد يوليوس بانتظاركم في ساحة التدريب الكبرى. تفضلوا خلفي.”
كان أسلوب كلامه وطريقة مخاطبته مليئة بالإجلال وكأنه يخاطب أبطالاً عائدين من أساطير، لا مرتزقة يحملون ندوبهم.
ساروا خلفه في ممرات القلعة العريضة.
خمس دقائق لم تكن طويلة بالحساب لكنها كانت كافية لتشعر بثقل التاريخ. الجدران الحجرية القديمة التي يحكيها التآكل الخفيف. الراية التي ترفرف في المنعطفات. وذلك الهواء الخاص الذي تحمله الأماكن التي شهدت تدريبات لا تُحصى ودماء جرت وقرارات اتُّخذت.
ثم انفتحت الساحة.
كانت خلية نحل بشرية.
مقسّمة إلى مجموعات منتظمة تعمل بإيقاعات مختلفة في آنٍ واحد. الفرسان المتدربون يُصارعون جدران التعب الصباحي. العرق يتصبب من الجباه قبل أن يحمى النهار. الصرخات الحماسية تمزق سكون الصباح بطريقة تقول إن هذا المكان لا يتوقف. وصوت احتكاك السيوف الفولاذية ببعضها واصطدامها بالدروع يُشكّل سيمفونية حربية تملأ المكان بهالة من الجدية المطلقة.
بمجرد أن تقدم الفريق نحو منتصف الساحة، حيث كان يوليوس واقفاً بجسده الضخم وجبروته المعتاد، حدث ما لم يُتوقع.
ساد الصمت.
فجأة. كأن أمراً صدر دون أن يُنطق. توقفت السيوف عن الحركة. واتجهت مئات الأعين نحوهم.
نظرات الفرسان المتدربين، سواء المخضرمون منهم الذين يحملون في أعينهم تجربة لا تُشترى أو الجدد الذين التحقوا مؤخراً وتلمع في عيونهم فضول لم يختبر بعد، كانت جميعها موجهة نحو فريق إيمي بمزيج من الاحترام والتقدير العميق.
العيون الجديدة كانت تنظر إليهم كأنها تُشاهد لأول مرة تجسيداً حياً للشجاعة التي سمعت عنها في الكلام ولم تره بعد في الواقع.
عند يوليوس وجدوا في استقبالهم وجوهاً لم يكن ثقلها عليهم ثقلاً غريباً.
ستارك بأناقته المعتادة وهدوئه الرصين الذي لا يتزعزع. ومحمد بعيونه الداكنة التي تُقيّم دائماً. وجون وبيث وإيريس وعمر وخالد، تلك الوجوه التي شاركتهم ما لا يُحكى لغير من عاشه.
تقدم ستارك بابتسامة ترحيبية على وجهه، ذلك النوع من الابتسامة الذي يقول أكثر مما يُعلن.
“لقد وصلتم في الوقت المناسب تماماً. الساحة كانت تنتظر اكتمال أركانها.”
أكمل يوليوس من بعده. على وجهه ابتسامة بسيطة لكنها تحمل ثقلاً عظيماً كأنها تأتي من مكان أعمق من أي ابتسامة تُعطى بسهولة.
“مرحباً بكم في ساحة تدريب الفرسان.”
نظر إلى كل وجه بالترتيب ببطء مقصود.
“لقد تابعتُ مسيرتكم. وأعترف اليوم أمام الجميع بجهودكم وإرادتكم التي لا تلين. امتثالاً لرغبتكم الصادقة، سأُشرف شخصياً على تدريبكم حتى تبلغوا أعتاب المستوى الثالث.”
تغيّرت نبرة يوليوس.
من الترحيب إلى الجدية التي لا تُزاح. وواصل حديثه وهو يجول بنظره بين أعضاء الفريق بطريقة تقول إنه يُعطي كل شخص منهم حصته الكاملة من الانتباه.
“قبل أن نخطو خطوة واحدة، عليكم أن تُدركوا حقيقة هذا العالم.”
تنفّس.
“إن بلوغ بداية المستوى الثالث ليست مجرد تدريب عابر. بل هي رحلة قد تستغرق من المحاربين العاديين سنوات طويلة من العمل الشاق. وبلوغ قمة هذا المستوى قد يستغرق من البعض دهراً حقيقياً من الصبر والتضحية. أنتم لا تطلبون القوة فحسب.”
توقف لثانية ليُشعرهم بوزن ما سيقوله.
“أنتم تطلبون تجاوز الحدود البشرية.”
“أولاً.”
قالها يوليوس بنبرة معلم لا يُلقي درساً بل يفتح باباً.
“سيكون درسنا الأول هو الجوهر الذي يفصل بين الهاوي والمحترف. تقنية التكثيف والتخفيف. إنها سر القوة التدميرية للمستوى الثالث.”
شرح بوضوح مذهل لمن يعرف كيف يجعل المعقد مفهوماً:
“عند الهجوم بيدك، لا يكفي أن تضرب بجسدك. عليك أن تتعلم كيف تُكثّف إرادتك وطاقتك بالكامل في تلك اليد، وفي نفس اللحظة تقوم بتخفيفها في باقي أجزاء جسدك. هذا التوزيع المتعمد وغير المتناسق للطاقة يمنح ضربتك قوة جسدية مرعبة تفوق قوتك الحالية بعشرة أضعاف.”
أكمل وهو يُمرر بصره على وجوههم:
“هذا التلاعب المتطرف بالكتلة والإرادة هو الأسلوب الذي يُقاتل به محاربو النخبة. وهو ما يجعل ضربة واحدة منهم قادرة على شق الصخر أو تحطيم الدروع الثقيلة. ضربة واحدة تحمل كل ما في الجسد لا جزءاً منه.”
اتجه يوليوس نحو زاوية الساحة ببطء ملكي لا يستعجل. جلس على كرسيه الخشبي الكبير ووضع يديه على ركبتيه بهدوء من يعرف أن ما سيحدث بعد ذلك لا يحتاج مزيداً من الكلمات.
ثم قال بصوت عالٍ وحازم تردد صداه في جدران القلعة الحجرية وملأ الساحة بكاملها:
“حسناً. انتهى وقت الكلام.”
وقفة.
“لنبدأ تدريبكم الحقيقي الآن. أروني معدنكم.”
بمجرد صدور الأمر، اشتعلت الساحة مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان فريق إيمي في قلب العاصفة.
وقفت إيمي في مكانها، القناع الفولاذي الأسود مثبّت على نصف وجهها السفلي، يده الباردة على بشرتها تُذكّرها بوجوده. نظرت أمامها. الساحة الواسعة والمتدربون والجدران الحجرية وصوت السيوف يعود تدريجياً.
لم يكن هذا تدريباً عادياً. كان بداية رحلة.
رحلة نحو المستوى الثالث. ومن ورائه شيء أهم من المستوى وأعظم من القوة.
نحو دارون.
شدّت قبضتها وبدأت.