الفصل 106 - ترابط الفريق
ساد صمت ثقيل في أركان نزل الخالة سارة.
صمت لم تكسره سوى أصوات الأواني البعيدة في المطبخ، تلك الأصوات العادية التي تُذكّرك بأن الحياة تستمر في أماكن أخرى من المبنى رغم ثقل ما يجلس حول هذه الطاولة.
كانت إيمي تجلس وعيناها الزرقاوان غائبتان في فراغ لا يراه غيرها. كأن روحها عالقة في مكان بعيد لا يعرف الرجوع.
فجأة، قطع كارل هذا السكون.
وضع أمامها صندوقاً معدنياً صغيراً بحركة لم تكن خفيفة لكنها لم تكن عنيفة أيضاً. فتحه ببطء.
ظهر قناع حديدي مهيب يُغطي نصف الوجه السفلي بدقة مصنوعة بوضوح لمن يعرف أين يضغط الجسد وأين يحتاج إلى حرية. مُصمّم ليُلائم تقاسيم الفك والأنف، مع أحزمة جلدية متينة تُربط من الخلف بإحكام.
كان مصنوعاً من الفولاذ الأسود المصقول، يشع ببرودة غريبة تشعر بها قبل أن تلمسه. يُعطي من يراه انطباعاً بأنه غير قابل للكسر. كأنه قطعة اقتطعت من درع تنين قديم نسي أن يموت.
تفحّصته إيمي بأنامل ترتجف قليلاً. ملمسه البارد أعادها للحاضر لثانية واحدة، ثانية كانت كافية لتُلاحظ التفاصيل.
رفعت نظرها نحو كارل.
“ما هذا يا كارل؟ هل هو أثر من نوع خاص؟”
أجابها كارل بنبرة حادة جافة تخلو من أي دفء بشري، كأنه قرر منذ وقت أن يُوفّر طاقته العاطفية لأشياء أخرى.
“نعم. أثر نادر أوصى به يوليوس خصيصاً من أجلك. قدرته تكمن في تصفية الهواء وتوفير الأكسجين النقي تحت أي ضغط. صُمّم ليسمح للمستخدم بالتنفس براحة كاملة حتى في وسط سحب الغازات السامة أو الأوساط التي يقل فيها الهواء.”
سكت قليلاً. ثم أضاف:
“يعتقد يوليوس أن هذا الأثر هو المفتاح لكسر القيود التي تفرضها قدرتك عليك. لن تعودي مضطرة للتوقف بسبب اختناق رئتيك. ستكونين قادرة على دفع خطوات النسيم إلى أقصى حدودها الجسدية دون خوف من الانهيار التنفسي.”
تدخلت نور التي كانت تعبث بوتر قوسها الفولاذي الأبيض بأصابع معتادة على هذه الحركة تحديداً.
“بما أنه سيوفر لك نفساً مستمراً أثناء حالة التسريع، فلن تحتاجي لتلك التوقفات القاتلة كل دقيقة.”
أكملت بصوت هادئ يحمل حسابات دقيقة:
“من الناحية النظرية، طاقتك الجسدية تسمح لك بالقتال المستمر لمدة عشر دقائق كاملة بهذا النسق المرعب. هذا القناع ليس مجرد أداة. بل هو السلاح الذي سيجعلك كابوساً في الساحة.”
بقي جين صامتاً كعادته. جسده الضخم يُلقي بظلاله على الطاولة، درعه الأسود يشع بهالته المعتادة. يُراقب الموقف بعيون تعكس حزناً دفيناً لم يجد له تعبيراً أقل صمتاً.
استأنف كارل.
“والأهم من ذلك كله، يوليوس وافق أخيراً على العرض. سنبدأ تدريباتنا المباشرة مع فرسان النخبة في المدينة. الهدف واضح: بلوغ المستوى الثالث في أسرع وقت ممكن.”
تلمّست إيمي حواف القناع الحادة بأنامل بطيئة. البرودة تسري من المعدن إلى أصابعها وتصعد ببطء.
وهمست، لنفسها أكثر مما للجميع:
“عشر دقائق من السرعة المطلقة. سيساعدني هذا حتماً. سأرتقي للمستوى الثالث، ليس من أجل القوة.”
توقفت.
“بل لأبدأ رحلتي.”
ساد توتر مفاجئ كأن شيئاً في الهواء تبدّل.
التفت الجميع نحوها في آنٍ واحد. فضول ممزوج بقلق.
ومن خلفهم، تقدمت الخالة سارة التي كانت تقف بجانب الطاولة وقد شحب وجهها. وضعت يدها على كتف إيمي بلطف من تعرف أن الضغط الزائد يكسر ما هو هشّ بالفعل.
“إيمي. ماذا تقصدين برحلتك؟ لم تخبريني بشيء عن مغادرة المدينة. هل تنوين الذهاب بعيداً؟”
عضّت إيمي على شفتيها بقوة. ثم التفتت نحو سارة ببطء.
“خالتي.”
قالتها بصوت أجش يحمل مرارة الشهور الماضية كلها في كلمتين.
“كنتُ أحاول حمايتك من هذا الخبر. لكن الحقيقة هي أنني لا أستطيع البقاء هنا أكثر. أنوي السفر للبحث عن دارون. قلبي يُخبرني أنه ما زال حياً. يتنفس في مكان ما تحت هذه السماء الواسعة. وأنا سأجده، مهما كلفني الأمر من ثمن.”
لم يكد صوتها يتلاشى حتى دوى صوت مرعب.
لكم كارل الطاولة بذراعه اليمنى الفولاذية بقوة لم تتوقعها الأخشاب. تحطم الخشب وتطايرت الشظايا في أرجاء النزل. اهتزت الجدران كأن زلزالاً ضرب المكان لثانية واحدة.
صرخ كارل بغضب متفجر كان محتجزاً منذ وقت طويل ووجد أخيراً باباً يخرج منه:
“أتقولين أنك خططتِ لكل هذا بمفردك؟ المغادرة، البحث، المخاطرة، دون استشارتنا؟ هل نحن مجرد غرباء بالنسبة لكِ؟”
نظرت إليه إيمي ببرود خارق. عيناها كانتا كبئرين لا قاع لهما يحمل من السواد ما لا تُضاء أعماقه.
“إنه قدري يا كارل. مسؤوليتي وحدي. أنا من تركت يده في تلك الليلة المشؤومة.”
ارتجفت شفتاها. لكنها أكملت.
“وهذا هو ذنبي الذي ينهش روحي كل ليلة منذ ذلك اليوم.”
أجهشت بشهقات مكتومة حاولت كبحها بكل قوتها لكنها خرجت رغم ذلك.
اندفع كارل نحوها.
أمسكها من ياقة ثوبها ورفعها عن الأرض بيد واحدة، الذراع الفولاذية تُحكم القبضة دون قسوة تُؤذي لكن بحزم من لا يريد أن تفهم الرسالة بشكل خاطئ. وعيناه الرماديتان تغليان بنيران الانتقام والحزن معاً.
“أتعتقدين أننا سنشعر بالرضا وأنتِ تمزقين نفسك باللوم؟ أتظنين أننا سنقف نتفرج وأنتِ ترمين بنفسك في التهلكة وحدك؟”
رماها للخلف برفق يشوبه الغضب، ذلك الرفق الذي يقول إنه غضب وليس عداء. تدخّل جين بسرعة ممسكاً بكتف كارل الضخمة بيد هادئة لكنها حازمة، دون أن يقول كلمة.
تراجع كارل خطوة.
وانكسرت نبرة صوته.
ليست هشاشة. بل ذلك الانكسار الذي يحدث حين يُدرك الإنسان أن الصرامة لا تحمي ما يُريد حمايته.
“أتعتقدين أنه مهم لكِ وحدكِ؟”
مسح دمعة خانته وسقطت على خده الأيمن. لم يُحاول إخفاءها ولم يُحاول تبريرها.
“إنه صديقي. الشخص الوحيد الذي فتح لي قلبه ودعوته صديقاً بحق.”
ساد صمت مطبق في النزل.
لم يُسمع فيه سوى شهقات إيمي المكتومة وصوت أنفاس كارل الثقيلة التي تحمل أكثر مما يقوله لسانه.
أضاف كارل بنبرة حازمة لا تستأذن:
“لن تذهبي وحدك. سأكون معك في كل خطوة. ولن أقبل الرفض كجواب.”
وقفة قصيرة.
“دمه يجري في ذمتنا جميعاً.”
تقدمت نور وجين ووقفا بجانبهما.
نور بقوسها الأبيض مثبتاً على ظهرها، عيونها تلمع بشيء لا يُشبه الدموع تماماً لكنه قريب منها.
“لا تظني أننا سنبقى خلفك ننتظر الأخبار. نحن فريق واحد. وما أصاب دارون أصابنا جميعاً.”
وجين، ذلك الضخم الصامت الذي قلّ كلامه في الفترة الأخيرة حتى أصبح صمته شيئاً يشغل المساحة، أومأ برأسه برأس مرة واحدة.
لا كلمات.
لكنه كان يقف.
وهذا كان كافياً.
نظرت إيمي إليهم.
ولأول مرة منذ ذلك اليوم الأسود الذي لا تستطيع تسميته دون أن يشد شيء ما في صدرها، شعرت بشيء من الدفء يتسلل إلى قلبها الجليدي.
ليس الدفء الكامل الذي تُريده. ليس ما يُسكت الصوت الذي يُكررها في منامها أن ذلك كان ذنبها.
لكنه كان دفئاً حقيقياً.
لم تعد الوحيدة التي تحمل عبء الغياب. لم تعد تحمله وحدها في الليل وحدها في التدريب وحدها في كل لحظة تُحاول فيها استحضار وجهه ولا تجده كاملاً.
لديها الآن رفاق مستعدون لحرق العالم من أجل العثور على الشخص الذي جمعهم يوماً ما حول طاولة خشبية في نزل خالة طيبة، وجعل منهم شيئاً أكبر من مجموع أفراده.
والطاولة محطمة الآن.
لكن الفريق لا يزال قائماً.