الفصل 105 - إيمي
قبل ثلاثة أشهر من الآن.
وقفت فتاة وحيدة في ساحة واسعة داخل المدينة.
كانت تتدرب.
تلك الفتاة التي بلغت المستوى الثاني مؤخراً حققت تطوراً جبارة في وقت قياسي يكفي للقول إنها وصلت إلى ذروته. صحيح أن الحرب الأخيرة كانت عاملاً أساسياً في هذا التطور، فقد كانت أكبر حرب شاركت فيها في حياتها. حرب شديدة لدرجة أنها دخلتها كمبتدئة ولن أقول إنها خرجت محترفة، سأكتفي بالقول إنها خرجت كشخص مختلف تماماً، أكثر ثقة، أكثر خبرة، وأكثر ألماً بما لا يُقاس.
قدرتها “خطوات النسيم” تسمح لها بالتحرك بسرعة جسدية هائلة تتجاوز حتى سرعة المستوى الثالث. وكأن الجسد ينسلخ عن المكان ليكون في مكان آخر قبل أن تُدرك العين أنه تحرك أصلاً. لكن عيب قدرتها كان التنفس. بسبب السرعة الهائلة كانت رئتاها في حالة شبه متوقفة عن العمل، الهواء لا يستطيع اللحاق بمن يسبقه.
أدركت ايمي نقاط قوتها وضعفها مبكراً فاتخذت تدريبات خاصة لحبس الأنفاس. رغم قدرتها على حبس أنفاسها ثلاثة عشر دقيقة في الأحوال العادية، إلا أن هذه المدة تتقلص إلى دقيقة واحدة لا تزيد عند تفعيل القدرة، بسبب الضغط الهائل الناتج عن السرعة على كل شيء في الجسد.
دقيقة واحدة.
كانت تدرّب على توسيعها كل يوم كأنها تُقاتل حدوداً غير مرئية.
قبل عدة أسابيع، كانت إيمي أحد أبطال المدينة في الحرب الأخيرة.
انتصار جبار على عدو يفوقهم قوةً وعدداً. معظم فضل الفوز يعود لمحبوبها دارون، ذلك الحق الذي لم تتردد في الاعتراف به في سرّها وإن لم تُعلنه بالكلمات. لكنها ساهمت. رفقة بضعة مختارين خاضت تلك الحرب وخرجت منها بمكافأة ضخمة من المال ومكانة عالية في المدينة.
كان الانتصار جباراً بالنسبة للمدينة.
لكن بالنسبة لها، كانت الخسارة أكبر من كل ما ربحته.
خسرت أكثر شخص أحبته وأهتمت لأمره.
وذلك العدو الذي ظهر من العدم ليكون كارثة جلبت الدمار وسفك الدماء، “نول”، حتى اسمه كان تجسيداً للشؤم، تمكّن من الهرب.
خسارة دارون ضربة قسمت قبلها ثم قسمت روحها الهشة التي لا يعرف كثيرون كم هي هشة.
وقفت إيمي في الساحة.
قميصها الفضفاض الأبيض البالي من كثرة الاستخدام، وسرواله الداكن الذي يتيح الحركة الكاملة، أشعلت قدرتها لأجزاء من الثانية وأطفأتها. أشعلت وأطفأت. تكرار مقصود ومرهق، تدريب على التحكم لا على الأداء.
لكن تعابير وجهها لم تتغير طوال الساعات.
كانت في حالة خمول بارد كأنها دمية تتحرك بقرار لا بشعور. هالات سوداء تحت عينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين كانتا دائماً أول ما يلاحظه من ينظر إليها، هالات تُخبرك بمقدار المعارك الهائلة التي تخوضها كل ليلة في كوابيسها دون أن تُوقظ أحداً بصراخ.
بعد التدريب لنصف يوم حزمت إيمي أسلحتها ببطء مُتقن، كل حركة محسوبة لا لأنها تُفكر فيها بل لأنها اعتادت الحسابات حتى في اللامبالاة.
سارت وحيدة في ساحة المدينة.
رغم اكتضاض الناس وقت الظهيرة باعتباره وقت الذروة حيث الأسواق تضج والباعة ينادون والأطفال يتخللون الحشود كالأسماك في التيار، كانت إيمي في حالة شبه واعية. لم تكن تهتم بالمحيط. رغم شدة الأصوات لم تكن تسمع شيئاً. كانت تمشي في الزحام كأنها تمشي في فراغ.
عادت إلى نزل خالتها سارة.
استقبلتها سارة بابتسامتها الحنونة وترحيب خفيف كعادتها، ذلك الترحيب الذي يقول لك إنك مرحب بك دون أن يُضغط عليك بشيء. لكن إيمي لم تُبدِ أي ردة فعل تُذكر. نفس تلك التعابير الخاوية التي صارت سمتها الدائمة منذ أن انتهت الحرب. كأنها تسرح في أفكارها وخيالها، كأنها تُحاول استحضار وجهه في عقلها فلا تجده كاملاً فتُعيد المحاولة.
حاولت سارة مواساتها بكل ما تملك. أعدت لها الطعام الشهي الذي كان يجعلها تبتسم في أوقات أخرى. طمأنتها على حال دارون بكلمات دافئة. نامت معها في الليالي القاتمة حين كانت الكوابيس أشد من أن تُواجَه وحدها. منحتها حضنها للبكاء متى أرادت دون أن تسألها عن السبب.
رغم كل هذا حال إيمي لم يتحسن.
الحب لا يُعالج بالحب وحده حين يكون الجرح من نوع مختلف.
سارت إيمي نحو الطاولة في الزاوية.
الطاولة المعتادة التي لم تتغير أبداً في شكلها وموضعها. لكن كل من حولها قد تغيّر.
كارل.
ذلك الرجل الوسيم ذو الكتفين العريضين، كانت تعابيره قاتمة طوال الوقت كأن الحرب أخذت معها آخر شيء كان يُضيء وجهه. لم يبتسم منذ أن انتهت الحرب. عيناه الرماديتان تغليان بغضب لا يهدأ ورغبة جامحة في الانتقام لا تجد مكاناً تُفرغ فيه نفسها. لقد فقد أعز ما يملكه مرتين على يد أفراد العصابات، خسارتان لا يُبرّرهما انتصار مهما عظُم.
ذراعه اليمنى بأكملها مُغطاة بكم ذراعية فولاذية تلمع بلون داكن مُحكم الصنع، أثر قوي يمنحه تعزيزاً وقوة هائلة تجعل قدرته الضربة الارتجاجية أشد وأعمق تأثيراً. كان يُلقي بتلك الذراع الفولاذية على الطاولة في بعض الأحيان ويحدق فيها كأنه يُخاطبها.
في الجهة المقابلة جين.
ذلك الضخم اللطيف الذي كان صمته دائماً صمت من يختار الصمت. أصبح أكثر عبوساً وأقل كلاماً بطريقة تقول إن الصمت لم يعد اختياراً. يرتدي درعاً كاملاً للجسم أسود اللون يشع بهالة الموت والدمار، ويحمل ذراعين ضخمتين تُضيفان إلى هيئته ما يجعل المرور بجانبه تجربة غير مريحة لمن لا يعرفه.
كانت أثراً أيضاً، حسب ما أخبر جين. يمتص قوته الخاصة لزيادة دفاعه إلى مستوى يُصعّب اختراقه، ويستطيع تسديد ضربته الارتدادية دون الخوف من التأثيرات الجانبية التي كانت تُثبطه في السابق.
وأخيراً نور.
رامية السهام الهادئة التي كان هدوءها دائماً هدوء الماء العميق لا هدوء الماء الراكد. أصبحت أكثر ثقة وجرأة بطريقة لا تُعلن نفسها بالكلام بل بطريقة وقوفها وطريقة نظرتها التي تُقدّر المسافات دائماً. كانت تحمل قوساً مصنوعاً من الفولاذ الصلب بلون أبيض ناصع يتناقض مع كل ما في هذه الطاولة من قتامة.
كانت أثراً أيضاً. يستهلك إرادتها لتوليد سهام من العدم دون الحاجة إلى كنانة أو سهام حقيقية، وهذه السهام أقوى وأشد فتكاً من العادية بمراحل لا تُقاس بالعين.
جلست إيمي معهم.
اجتمع الفريق مرة أخرى.
كارل وجين ونور وإيمي.
الطاولة نفسها والزاوية نفسها ونزل سارة نفسه.
لكن الاجتماع هذه المرة كان يُعاني من شرخ عظيم لا يُسدّ ولا يُستبدل.
لم يكن الشرخ في الطاولة ولا في المقاعد. كان في الهواء بينهم. في تلك المساحة الفارغة التي يعرف كل واحد منهم شكلها وحجمها لأنها كانت تحمل شخصاً بعينه لفترة طويلة حتى صار غيابه حضوراً من نوع آخر.
نظر كل منهم إلى الآخرين.
لم يقل أحد شيئاً لأول وهلة.
ولا يُخطئ أحد حين يُدرك أن الصمت في بعض الأحيان أثقل بكثير من أي كلام يمكن قوله.
دارون.
الاسم لم يُنطق. لكنه كان موجوداً في كل نظرة وفي كل لحظة صمت وفي كل طريقة جلس بها كل منهم على كرسيه كأنه يُحافظ بشكل لا واعٍ على مساحة لا يريد تجاوزها.