الفصل 104 - كابوس الدم
كنتُ في حالة عجز كاملة.
لم يكن مبالغة. لم يكن ذلك التواضع الذي يُبديه المحارب حين يُريد أن يبدو أقل مما هو عليه. كنتُ حرفياً وبالكامل عاجزاً. بالكاد أستطيع تحريك أصابعي. لا أُصدّق أنني وصلتُ إلى مرحلة أعتمد فيها على إيلارا في الاعتناء بي بشكل كامل.
حسناً. لستُ أحمق لأُنكر هذا أو أرفض فضلها. خاصةً في حالتي هذه حيث حتى احتياجاتي الأولية كنتُ عاجزاً عن تلبيتها بنفسي. الكبرياء في مكانه، لكن ليس حين يعني موتك ببطء بين ضمادات بيضاء لأنك رفضتَ المساعدة.
فضلها دين أحمله. وسأحمله.
في حالتي هذه، كل ما استطعتُ فعله هو متابعة التدريب من الداخل.
لا جسد يتحرك. لا سيف يُشهر. لا ساحة. فقط العقل والإرادة والصمت.
الدرس الثاني، تعزيز الجسد بالإرادة، كان لا يزال يحتاج ما لا حصر له من الوقت. خلال القتال الكبير كنتُ قد بلغتُ حوالي ثلاثة وعشرين بالمئة من تعزيز العقل فحسب.
أغمضتُ عيني وغصتُ في أعماق وعيي.
حرّكتُ إرادتي الكامنة وشكّلتُها في خيوط رقيقة تعرف طريقها. قبل أن أبدأ العمل بجد، شدّ انتباهي أمر لم أستطع تجاهله.
تلك النسبة قد ازدادت.
أكثر من الثلث. حوالي خمسة وثلاثين بالمئة.
توقفتُ.
‘ماذا حدث؟ كيف تمّ هذا وأنا فاقد الوعي؟’
مهما حاولتُ التفكير لم أصل إلى إجابة ثابتة. فقط احتمالات تُعرض نفسها:
إما أن تجاوزي لحدودي في الهجوم الأخير قد سحب مني جهداً جبارة جعل تعزيز عقلي يتمدد قسراً، كالعضلة التي تُمدّ بعيداً عن راحتها فيكتسب المطاط مرونة إضافية لم يكن يملكها. أو الاحتمال الثاني وهو الأغرب، أنني خلال فترة فقدان الوعي كنتُ أقوم بالتعزيز دون إدراك مني، كأن الإرادة استمرت تعمل حين تراجع العقل الواعي وتركت لها المساحة.
لا إجابة قاطعة.
لكن الأمر في النهاية غير مهم في الحسابات العملية. المهم أنني أفضل حالاً الآن. وبما أن لديّ ثلاثة أشهر، فأنا حتماً سأنتهي خلالها من تعزيز العقل بل سأكون قد قطعتُ شوطاً لا بأس به في تعزيز الجسد.
غصتُ مجدداً.
إرادتي التي شكّلتُها كخيوط رقيقة وجّهتُها نحو الأعصاب والمستقبلات وحتى القشرة المخية. كانت عملية بطيئة وصبورة تحتاج تركيزاً عالياً لا يتسامح مع أي تشتت. بعد كل شيء نحن نتعامل مع العقل نفسه، وهو لا يُسامح من يُخطئ فيه.
كل خيط من خيوط الإرادة كان يجد مسارة وينسلّ بينما الجسد يرقد ساكناً لا يُعطيك أي تغذية راجعة واضحة. فقط الأحساس الداخلي الذي تتعلمه ببطء كمن يتعلم قراءة خريطة بيده في الظلام.
حين تجاوز التأمل العشر ساعات وصل عقلي لحدوده.
وأحسستُ بالإرهاق الذهني المعروف يزحف، ذلك التشوش الخفيف في الحواف الذي يُخبرك بأنك بلغتَ ما تستطيعه هذا اليوم.
فتحتُ عيني.
وقسّمتُ للأمام.
بلوغ اثنين بالمئة في يوم واحد. في هذه الحالة من العجز الجسدي الكامل. إنجاز عظيم.
نظرتُ إلى الجانب نحو ذلك السيف.
قررتُ تسميته جارح الظل. نفس الاسم الذي كان للوحش الذي صنع منه وتسكنه روحه حالياً. يبدو العدل أن يحمل اسم من أصله.
كانت هيئته كما أصبحت. قرمزي غامق يوحي بما تحمله الأشياء التي شهدت ما لا ينبغي أن يُشهد. كأنه يحمل في داخله أرواح مئات الآلاف من المقاتلين والوحوش الذين سقطوا في تلك الساحة عبر ثلاثة قرون.
وذكرى ذلك الكابوس جعلتني أرتعش بالكامل.
رأيتُه هناك في الحلم. وحش هائل بحجم الجبال بريش أسود داكن كأنه لا يمكن اختراقه. مخالب قادرة على تفتيت مدن. وستة أجنحة لو فردها لحجبت السماء بأكملها. كان يشبه جارح الظل الذي واجهناه في الساحة لكنه أكبر منه وأرعب وأعظم بمراحل. كان السيف نفسه يقف أمام ذلك الوحش في الحلم كأنه يطلب الاعتراف. والوحش نظر إليّ بفضول قاتل كمن يريد اختبار ما إذا كنتُ مستحقاً لما أحمله، ثم دفعني بعيداً وانتهى الكابوس قبل أن أحصل على جواب.
‘أأصبح الآن يمنحني كوابيس لأنني جعلته يشرب كل تلك الدماء؟’
ياله من وحش ناكر للجميل.
صرفتُ نظري نحو القلادة والسوار.
كلاهما لديهما ما يكفي من الغموض ليُبقيك مستيقظاً.
القلادة. تاج ودرع وسيف. إرث أرين المبجل العظيم لإمبراطورية الشفق الذهبي. وعد بالوصول إلى كاستر الذي لا أعرف عنه شيئاً إلا الاسم. إمبراطورية كاملة تنتظر خلف كلمة واحدة.
والسوار. “أطلال الـ…” تلك الجملة الناقصة التي لن تُكتمل أبداً. مفتاح لشيء لا أعرف اسمه الكامل ولا مكانه ولا ما إذا كان مكانه لا يزال قائماً.
تنهدتُ.
“حسناً.”
قلتُها بصوت خافت في الظلام.
“أعتقد أنه تراكمت عليّ الكثير من المسؤوليات.”
كانت الزنزانة صامتة كعادتها. والسيف القرمزي ينبض بهالته المظلمة. والقلادة تلمع بضوء خافت. والسوار بارد في ركنه.
ثلاثة أشهر.
وكل هذا الثقل في انتظار جسد يستطيع حمله.
سأحمله.