الفصل 103 - ثمن الانتقام
كان الوعي ينسلّ إليّ كقطرات سمّ ثقيلة.
بطيئة ومؤلمة كل منها بطريقة مختلفة عن التي قبلها. لم يكن جسدي وحده الثقيل. كانت أفكاري نفسها قد غاصت في مستنقع من القطران، ترفض الحركة وترفض الوضوح وترفض حتى البحث عن أيٍّ منهما.
كان عقلي في حالة خمول لم أعهدها في كل ما مررتُ به. خمول لذيذ ومخيف في آنٍ واحد. لم أكن أريد الحراك. لم أكن أريد التفكير. بل لعلني لم أكن أريد حتى أن أفتح عيني لأبصر عالماً سلبني كل ما منحني إياه ولم يسأل إذا كنتُ مستعداً لذلك.
لكن غريزة البقاء، تلك اللعنة التي سكنت أحشائي منذ أول يوم في كاريثيون، أجبرت وعيي على الانفتاح.
استعدتُ سمعي أولاً.
كان هناك صوت أنفاس هادئة بجانبي وصوت تمزيق قماش رقيق. ثم عاد الإحساس. وبدأ الألم. ألم لا يُوصف لأنه ليس ألماً في مكان واحد بل في كل مكان في آنٍ واحد، وكأن كل خلية في جسدي قد أُعيد ترتيبها بواسطة أدوات لم تُصمَّم للعمل بحذر.
وأخيراً انفتحت أجفاني.
رؤية ضبابية تتراقص فيها الظلال قبل أن تستقر الصور وتعود الألوان إلى مكانها الطبيعي ببطء كأنها لا تُريد العودة أيضاً.
كنتُ مستلقياً.
جسدي ملفوف بالكامل بضمادات طبية بيضاء تجعلني أبدو كمومياء أُخرجت لتوها من ضريح قديم. حاولتُ رفع يدي. فشلتُ. حاولتُ ثني ساقي. فصرخ جسدي محتجاً بطريقة لا تحتمل النقاش. أقصى ما استطعتُ فعله هو تحريك أناملي بشكل طفيف، كطفل يتعلم الحركة لأول مرة ويكتشف أن الجسد شيء لا يُطاع تلقائياً.
ميّزتُ المكان فوراً.
تلك الجدران الحجرية الباردة ورائحة الرطوبة الممزوجة بالعفن والضوء الشحيح الذي يتسلل من القضبان العالية. الزنزانة نفسها. نفس المكان الذي شهد انكساري وتدريبي وتعلّمي وذلك الوداع الذي لن تُنسيه أي ساحة.
بعد كل ذلك الدمار وبعد كل تلك التضحيات، عدتُ إلى نقطة الصفر.
لكن لغرابة الأمر، لم أشعر بذرة ندم واحدة.
يقولون إن الانتقام يُخلّف فراغاً. يقولون إنك تجد نفسك بعده وحيداً بلا هدف. لكنهم كاذبون، أو لعلهم تحدثوا عن نوع مختلف من الانتقام. تلك اللحظة حين رأيتُ قتلة ميراثيل يتمزقون تحت عقوبة الإعدام كانت نشوة لن أُنكرها. كان الغضب وقوداً أحرق روحي لكنه أنار عتمة داخلي بدلاً من أن يُطفئها.
لم يكن فراغاً. كان امتلاءً صاخباً بالعدل الذي لا يأتيك من قاضٍ بل تصنعه بيديك.
لمحتُ إيلارا بجانبي.
ترتدي ثيابها الطبية المعتادة، منشغلة بتغيير ضمادات مستهلكة ملطخة بالدماء والسوائل بأخرى جديدة. حين رأت عيني مفتوحتين توقفت عن الحركة للحظة، ثم تنهدت تنهيدة طويلة تحمل مزيجاً لا يتناقض عندها من الراحة والتعجب.
أشارت كي أظل ساكناً.
“استرح يا دارون. لا تحاول الحراك. حالتك هي الأسوأ بين كل المقاتلين الذين رأيتهم طوال حياتي. كسور في معظم العظام، تمزقات عضلية وصلت إلى الأوتار، وأعضاء داخلية تضررت بفعل الضغط الهائل. بقاؤك حياً حتى هذه اللحظة هو معجزة.”
حاولتُ الكلام. خرج صوتي مبحوحاً خشناً كأنه يعبر صخوراً محطمة.
“ميراثيل والعجوز. ماذا حدث لجثمانيهما؟”
ساد الصمت للحظة. نظرت إليّ إيلارا بعيون حزينة، عيون رأت من الموت ما يكفي لأن تُدرك أن الشفقة ليست ضعفاً.
“لا تقلق يا دارون. كاريثيون تملك قانوناً غير مكتوب. من يموت في الساحة من المقاتلين المرموقين يحصل على دفن يليق به في مقبرة الأبطال خلف الجبل. لقد تم دفنهما بكرامة.”
شعرتُ بغصة في حلقي. أغمضتُ عيني لبرهة احتراماً لذكراهما.
ثم أضافت إيلارا وهي تُشير إلى ركن مظلم في الزنزانة:
“أغراضك بجانبك. لم يجرؤ أحد على لمسها. القلادة الملكية والسوار الفضي والخنجر الأسود وذلك السيف المرعب.”
توقفت عند الكلمتين الأخيرتين بنبرة غريبة.
“سيف مرعب؟”
فتحتُ عيني ونظرتُ ناحية المكان.
كان السيف هناك.
لكنه لم يكن السيف الذي تركتُ الساحة به.
ذلك السيف النقي المصنوع من مخالب جارح الظل الذي كان يعكس الضوء ببريق فضي شفاف قد تغيّر بالكامل. ازداد حجم النصل بشكل ملحوظ وأصبح أكثر عرضاً وأثقل. لكن التغيير الأكثر إثارة للرعب كان اللون. تحوّل من الشفافية إلى لون قرمزي غامق لا يُشبه دماً طازجاً. يُشبه الدماء المتخثرة التي سُكبت منذ قرون وقررت أن تبقى.
كان النصل ينبض بهالة مظلمة تشعّ رعباً صرفاً لدرجة أن إيلارا كانت تتجنب القرب منه.
‘هل أصبح هكذا بعد شرب دماء الأعداء؟ لكن حتى لو شرب دماءهم، هذا التغيير أكبر بكثير من معركة واحدة.’
قاطعت إيلارا أفكاري بصوت مشوب بخوف لم تُخفه:
“لقد حدث أمر أشد غرابة يا دارون. أمر لم يره أحد منذ تأسيس هذه الساحة. تلك الرمال القرمزية التي تشبعت بالدماء لعقود، لقرون طويلة، تلك الرمال التي كانت فخراً لكاريثيون ورمزاً لموت الآلاف، أصبحت صافية وبيضاء من جديد. كأنها رمال بكر لم تُمس.”
قفز قلبي في صدري رغم الألم.
“ماذا؟ تلك الرمال الحمراء اختفت؟”
التفتُّ إلى السيف مرة أخرى. وبدأت الروابط تتشكل في عقلي المنهك.
‘هل أنت من فعل ذلك؟ هل امتصصتَ الدماء بالكامل؟ ليس دماء معركتي الأخيرة فحسب، بل دماء كل من سقط في تلك الساحة منذ نشأتها؟’
“منذ متى أُنشئت هذه الساحة؟”
سألتُ إيلارا.
نظرت إليّ بغرابة.
“منذ أكثر من ثلاثة قرون. في عهد الملك أوزيريس الأول.”
“وهل تغيرت الرمال خلال هذه الفترة؟ هل تم استبدالها أو تنظيفها؟”
“أبداً. يُعتبر الدم هنا مقدساً وجزءاً من روح المكان. لم تُمس الرمال قط. لهذا السبب يعتقد الكهنة والحراس الآن أن الساحة طهّرت نفسها استعداداً لعهد جديد. رغم أنني كطبيبة لا أملك تفسيراً آخر.”
اخترتُ البقاء صامتاً.
تركتُ الحقيقة بيني وبين النصل القرمزي.
‘ثلاثة قرون من الدماء. عشرات الآلاف أو مئات الآلاف أو ربما الملايين. كل من سقط في تلك الساحة منذ نشأتها. كل ذلك في نصل واحد.’
نظرتُ إليه وتساءلتُ بجدية لا عبث فيها: أي نوع من الكائنات كان جارح الظل في حياته؟ إذا كان جزء بسيط من مخالبه المبتورة، وروح تائهة سكنت نصلاً، قد استطاعت امتصاص إرادة ودماء ثلاثة قرون في لحظة غضب واحدة، فكيف كان الوحش حين كان يجوب العوالم بكامل قوته؟
لقد ورثتُ أكثر من سيف.
ورثتُ جوعاً قديماً لا أعرف حدوده.
مددتُ أصابع يدي اليمنى ببطء، متجاهلاً الألم الذي احتج على الحركة، ولمستُ السوار الفضي الذي تركته ميراثيل.
كان بارداً بالطريقة التي تكون فيها الأشياء الثمينة باردة. يحمل لمستها الأخيرة في معدنه.
“أطلال الـ…”
ماذا كانت تقصد حين قاطعها الدم الذي غصّت به؟ مكان سري؟ سلالة بادت؟ شيء يختبئ خلف تلك الكلمة الناقصة التي لن تُكتمل أبداً؟
ثم القلادة. تاج ودرع وسيف. إرث أرين المبجل العظيم لإمبراطورية الشفق الذهبي. رموز قد تُشعل حروباً وتُسقط تيجاناً وأنا أحملها في زنزانة ضيقة بجسد يرفض الحركة.
كنتُ أحمل الآن ثلاثة أشياء لا أفهم كل ما تعنيه: سيفاً صار هو نفسه وحشاً، وسواراً يُشير إلى سر لم يُكتمل، وقلادة تحمل مسؤولية وعد.
إرثان عظيمان وسلاح أكبر منهما.
“استرح يا دارون.”
قالتها إيلارا وهي تُطفئ السراج الوحيد في الزنزانة.
“ثلاثة أشهر.”
همستُها لنفسي بعد أن أظلم المكان.
“ثلاثة أشهر لأستعيد جسدي. ولأتعلم كيف أتعامل مع هذا الوحش الذي ينام بجانبي.”
تظن كاريثيون أنها حطمتني بإعادتي إلى الزنزانة. تظن أن العبد الذي دخل هذه الأبواب هو نفسه من يرقد الآن بين ضماداته.
لكنهم لم يدركوا أنهم حبسوا إعصاراً داخل غرفة صغيرة.
وعندما تفتح الساحة أبوابها مرة أخرى لن يجدوا دارون العبد.
سيجدون حصاد الدماء.
في الظلام استسلمتُ للنوم.
ورأيتُ في أحلامي رمالاً بيضاء تتحول فجأة إلى بحار من الدماء. ورأيتُ وحشاً بظلال هائلة يقف فوق جثث الملوك. وكان يحمل في يده سيفاً قرمزياً.
يُشبه سيفي تماماً.