الفصل 102 - إنهيار الروح
سكن كل شيء حولي.
كأن الزمان قرر الوقوف. لا أعرف إن كان حداداً أم سخرية مما آلت إليه الأمور. كلاهما يبدو ممكناً في مكان ككاريثيون الذي لا يُفرّق بين المناسبتين.
بقيتُ جاثياً على ركبتيّ فوق الرمال التي لم تعد قرمزية فحسب. صارت مشبعة بشيء أثقل من اللون، بقطرات من أغلى ما ملكتُ في هذا السجن اللعين. جسد ميراثيل كان بين يديّ، هادئاً بشكل مرعب كأن الهدوء شيء يؤلم حين يأتي بهذه الطريقة. بارداً ببرودة تبدأ من الأطراف وتزحف نحو المركز وأنت تحمل من يبرد.
شعرتُ ببرودة خانقة تسري في عروقي.
لم تكن برودة الجو ولا برودة الرمال تحت ركبتيّ. كانت برودة الروح حين تفقد بوصلتها فجأة في مكان لا علامات فيه. ارتعشت يداي بقوة لم أستطع السيطرة عليها حتى حين أدركتُ أنها ترتعش. كأن الأعصاب قررت أن تعمل لحسابها الخاص بعد أن طلبتُ منها الكثير لوقت طويل.
كان بصري ضبابياً. مشوشاً بدموع لم أعرف أنها انهمرت إلا حين شعرتُ بحرارتها تحرق وجنتيّ. الدموع الساخنة على الوجه البارد في هواء ساحة مدمرة.
وفجأة، دوّت صرخة.
صرخة مزّقت سكون الساحة المنهارة بطريقة لا تُشبه أي صوت بشري سمعتُه من قبل. تجاوزت في قوتها عويل الرياح وصرير البوابات الحديدية التي قاومت كل شيء. لم تكن صرخة مقاتل ولا صرخة ألم. كانت مزيجاً بشعاً بين لوعة الفقد وزمجرة وحش كاسر، صوتاً ممسوساً لو سمعه أعتى القتلة لشعر بشيء لا يعرف اسمه يتحرك في صدره.
استغرقني عدة لحظات من الضياع الذهني لأُدرك أن تلك الصرخة كانت صرختي أنا.
صرخة العجز. صرخة الروح التي تمزقت حين أدركت أن كل القوة التي سعتُ لامتلاكها لم تكن كافية لحماية فتاة منحتك ثقتها دون أن تطلب ضماناً.
بكيتُ.
بكيتُ كطفل فقد أمه في زحام الموت، تلك القيود التي وضعتُها على دموعي منذ أن دخلتُ هذا العالم انهارت في لحظة واحدة لم أستأذن فيها.
ثم نهضتُ.
التفتُّ ببطء.
وعيناي تشتعلان بنور رمادي غريب لا يُشبه أي لون طبيعي رأيتُه من قبل.
كانت الفتاة البربرية ذات الشعر الذهبي تحاول الوقوف. وقد انضم إليها مقاتلان من المستوى الثالث. أحدهما ضخم الجثة يحمل مطرقة حربية ثقيلة يمشي بها كأنها امتداد لذراعه. والآخر ملثم بنظرات باردة كالنصال المصقولة.
ثلاثة من المستوى الثالث.
كانوا يشكلون جداراً من الموت أمام جسدي المنهك الذي تمزّق أصلاً من الداخل قبل أن يمسّه أحد.
عقلي كان يضخ الأدرينالين والقوة الإرادية بجنون. العقل الفعال وصل إلى مناطق لم أسمح لنفسي بالوصول إليها من قبل، تجاوز حدود الثلاثة والعشرين بالمئة نحو مناطق محظورة في وعيي. شعرتُ بأوعية دمي تنفجر داخل رأسي بإحساس واضح لا يُخطئه من عاشه. نزف أنفي بغزارة. وحتى دموعي تحولت إلى اللون القرمزي القاني من ضغط داخلي يُخبرك أنه تجاوز ما ينبغي.
لم أُلغِ القدرة.
بل ضغطتُ على روح الفهد داخلي ليزداد تعزيز قدرتي الجسدية إلى مستويات لا تُوصف إلا بكلمة واحدة: انتحارية.
استجابت روح جارح الظل داخل سيفي. شعرتُ بها تصحو لما صحوتُ له، كأن الوحش المحبوس في النصل يعرف هذا النوع من الغضب.
ثم لمستُ القلادة.
تذكرتُ كلمات أرين. أخبرني عن العقوبة. جسدي في حالته الحالية يمكنه فرض عقوبة واحدة على خصم واحد. وإلا فالارتداد سيمزّقني.
لكنني لم أكن أهتم بالنجاة.
لم يعد ذلك هو السؤال.
وجّهتُ إصبعي نحوهم.
وصوتي خرج مشروخاً عميقاً كأن من يتكلم ليس أنا وحدي بل كل شيء في داخلي قرر أن ينطق في لحظة واحدة:
“أنا أفرضُ عليكم العقوبة.”
توقفتُ لحظة.
ثم قلتُها. الكلمة الأبسط في لغتنا والأكثر ثقلاً في موازين الوجود:
“الإعـدام.”
بمجرد نطق الكلمة، ضربت القوة الارتدادية جسدي.
لم تكن صفعة. كانت إعصاراً من المسامير المحماة يخترق كل شيء في آنٍ واحد. شعرتُ بعظامي تصطك في مواضع لا يفترض أن العظام تُصطك فيها. بألياف عضلاتي تتمزق واحدة تلو الأخرى بإيقاع يمكن إحصاؤه. كان كياني يصرخ من الداخل بلغة لا تُترجم.
لكنني لم أتراجع.
لم أهتم لو تفجّر جسدي إلى قطع صغيرة طالما يجرّهم معه إلى العدم.
وقف الثلاثة في مكانهم.
تجمّدت حركاتهم كأن الزمان لُجم بسلاسل من حديد أنزلها أحد من فوق. ثم بدأت عيونهم وآذانهم وأنوفهم تنزف بغزارة متزامنة. كانت عقوبة الإعدام تفتك بإرادتهم من الداخل، تُحطم تروس حياتهم واحداً تلو الآخر بصبر لا يعرف الرحمة.
اندفعتُ نحوهم.
لم أكن أمشي. كنتُ أطير بزخم الغضب الخالص الذي تحوّل إلى وقود لا يعرف كيف ينطفئ. قبضتُ على مقبض سيفي بكل ما تبقى لي من قوة في يدين ترتجفان لكنهما لا تتركان.
استخلصتُ كل ذرة من إرادتي. كل قطرة من روحي. وركّزتُها في حافة نصلي في مساحة لا تتعدى الأربعة مليمترات من طرف السيف. في تلك النقطة الصغيرة تجمّعت قوة لا اسم لها.
وفي تلك اللحظة، شعرتُ بروح جارح الظل تصرخ مع نصلي. صرخة من عالم آخر تُعلن ولاء لم يُطلب منها لكنه جاء.
وبضربة واحدة دائرية شملت الأفق بأكمله، أطلقتُ كل ذلك التكثيف.
اهتزت الساحة الأبدية مرة أخرى. لم تكن بقوة هجمة أرين الأسطورية. لكنها كانت كافية لزراعة الرعب في قلب كل حي لا يزال يتنفس في كاريثيون ويتساءل ما الذي حدث.
الضربة لم تقطع أجسادهم فحسب.
مزّقتهم.
حوّلتهم إلى ما لا يمكن إعادة تجميعه. الفتاة الذهبية، والضخم، والملثم. رحلوا دون أن يمتلكوا فرصة حتى للصراخ الأخير.
وقفتُ وحيداً وسط الدمار الذي صنعته.
السيف يقطر دماً ليس دماً عادياً. ويداي ترتجفان.
نظرتُ حولي.
فقط الحطام وجثة ميراثيل البعيدة تشخص نحو سماء كاريثيون الكئيبة.
ثم انهار كل شيء.
عقلي الذي تحمّل ضغط العقل الفعال المحظور وصل إلى حد لا تحمل بعده. انهار التفكير المنظم وتلاشى التسلسل. جسدي الذي تمزّق من الداخل بفعل العقوبات الثلاث لم يعد قادراً على حمل وزني. وروحي التي شهدت موت كل من أحبّت في ساعات قليلة تمزّقت ببطء كقطعة قماش قديمة تحت ريح عاتية لا تسأل ما إذا كانت قد أخذت كثيراً.
بدأ بصري يتراجع.
والسواد يزحف من حواف عينيّ نحو المركز ببطء مقصود.
شعرتُ ببرودة مرة أخرى. لكنها هذه المرة كانت مختلفة. كانت برودة لا تُؤلم. برودة تُشبه الراحة حين لا تبقى قوة للمقاومة.
شعرتُ بجسدي يسقط.
يرتطم بالرمال القرمزية الناعمة.
بجانب ميراثيل.
أغمضتُ عيني.
وفجأة.
اختفى كل الألم.
اختفت رائحة الدم ورائحة الرماد ورائحة ما تتركه المعارك خلفها. اختفى تأنيب الضمير الذي لا يتوقف حتى وسط المعركة. اختفت كل الأصوات.
لم يبقَ سوى ظلام كثيف.
ظلام لا ينتهي ولا يُعلن نفسه. فراغ مطلق لا نهاية له وبه لا زمان ولا مكان ولا وجع.
فقط الهدوء الذي لا يُشبه أي هدوء عشتُه وأنا أحمل اسم دارون.
وفي أعمق أعماق ذلك الفراغ، في مكان لا تصله المسافات ولا تُقاس به الأوقات، كان الفهد الأسود يجلس.
لا يزمجر.
لا ينتظر.
فقط يكون.
نهاية المجلد الثاني-العبد