الفصل 101 - زهرة كاريثيون
سكنت الساحة الأبدية بعد انفجار أرين.
لكنه كان سكوناً كاذباً كذلك السكون الذي يسبق الموجة الثانية من الزلزال. الغبار لم يترسب تماماً حتى انشقت من بين الأنقاض ثلاثة خيالات لم تمسسها الموت. كانوا الناجين من المستوى الثالث، الذين امتصت دروعهم أو مهاراتهم أو مجرد حظهم المقيت صدمة الانفجار الأخير.
بينهم برزت فتاة كانت تبدو كشعلة ذهبية وسط هذا السواد الشامل. بشرة سمراء مذهبة بفعل الشمس، وشعر ذهبي طويل يتطاير خلفها في الغبار كأنه خيوط من لهب لا تطفئه الرياح. بيدها فأس هائل الحجم، نصله يلمع ببريق يُهدد بتمزيق الهواء نفسه، وفي طريقة حملها له ما يُخبرك أنها ولدت به لا أنها تعلمت استخدامه.
بجانبها مقاتلان آخران. سياف صامت وعيناه مليئتان بالحقد الذي لا يحتاج سبباً حين يكون قديماً بما يكفي. والثالث اتجه مباشرة نحو ميراثيل بنظرة من قرر أين ينتهي.
لم يكن هناك وقت للنحيب على أرين.
الموت لا يمنحك وقتاً للنحيب على من سبق أن مات.
اندفع المقاتل الثالث نحو ميراثيل بصرخة وحشية تملأ الفراغ الذي خلّفه انفجار الإرادة. كان من المستوى الثالث وبنيته الجسدية توحي بقوة انفجارية تختزن نفسها لتُطلقها في لحظة واحدة.
ميراثيل التي كانت لا تزال ترتجف من أثر الانفجار، استجمعت بقايا إرادتها بطريقة أشبه بمن يجمع قطع صينية مكسورة بكفين ترتجفان.
“لن تمر!”
صرخت. وأطلقت سلاسلها.
فعلت القيود الثلاثة دفعة واحدة. سلاسلها التفت حول الخصم لتقيد سرعته وقوته وبصره في آنٍ واحد. كان استهلاكاً مرعباً لطاقتها في وضع كان فيه جسدها أصلاً يشتغل على ما تبقى. لكنها لم تتوقف.
استلت الخنجر الأسود ذا الحواف الحمراء، ذلك الأثر الذي منحها إياه أرين بيده في زنزانة تبدو الآن بعيدة بعد حياة كاملة. انزلقت بين ضربات الخصم المتثاقلة تحت القيود وغرست نصل الخنجر في كتفه.
تجمّد الخصم.
اتسعت عيناه برعب لا يوصف وهو يشعر بالشلل يسري في عروقه شلالاً لا يمكن إيقافه. لكن في عينه الأخرى كان يلمع شيء آخر. بريق انتحاري. بريق شخص لم يعد يملك ما يخسره فقرر أن يجعل خسارته مُكلفة.
في الجهة الأخرى، وجدتُ نفسي بين الفتاة ذات الفأس والسياف الصامت.
ضربات الفأس الهائل كانت تترك حديراً في الأرض القاسية، وكل ضربة كانت تقول بوضوح أنها ليست مُصممة للتعطيل بل للإنهاء.
‘العقل الفعال لا يكفي هنا وحده.’
قررتُها بوضوح لا تردد فيه.
ونبشتُ في أعماق روحي نحو المكان الذي يسكنه الفهد الأسود. لم أستدعِه ليتجسد كما اعتدتُ. استدعيتُه ليندمج. ذلك الاندماج الوحشي الذي تعلمتُ وجوده لكنني أخّرتُ استخدامه لأنه يغيّر شيئاً لا أعرف تماماً إن كان يعود كما كان.
شعرتُ بحرارة حارقة تسري في عروقي كأن الدم نفسه قرر أن يرفع درجة حرارته. تضخمت عضلاتي بطريقة تشعر بها من الداخل قبل أن تراها بالعين. وتحوّل لون عيني إلى بريق أرجواني بارد لا يشبه أي لون طبيعي رأيته في مرآة.
شعرتُ بسيفي يتغير في يدي.
ليس الثقل. ليس الحجم. شيء آخر. كأنه يشعر بالاندماج ويستجيب له. كنتُ قد لاحظتُ من قبل ذلك الإحساس بأنه يشرب دماء ضحاياه وظننتُه وهماً. لكن الآن، وفي هذه اللحظة من الاندماج الكامل، شعرتُ به بوضوح لا مجال فيه للشك.
هل سكنت روح جارح الظل نصله؟
السؤال مرّ ولم يتوقف لأن المعركة لا تنتظر أجوبة.
بفضل الاندماج أصبحتُ قادراً على مجاراة سرعة المستوى الثالث. ليس بتفوق واضح لكن بما يكفي لأن أبقى في المعادلة بدلاً من أن أُشطب منها.
استخدمتُ التكثيف في نصل سيفي ليزيد من حدته بما يخترق ما لا يُخترق بالحدة الطبيعية. والتخفيف في قدميّ لأتحرك بسرعة تجعلني أشبه بظل يتنقل لا جسداً يُحسب.
اندفعتُ نحو الفتاة البربرية.
تفاديتُ نصل فأسها في اللحظة التي حطم فيها الأرض خلفي بصوت يُخبر عن قوة لم تُصِب هدفها. وسددتُ طعنة مُخترِقة في جانب خصرها تجاوزت الحماية في تلك المنطقة.
صرخت بألم حقيقي لأول مرة.
لم أتوقف.
استدرتُ نحو السياف وسددتُ له سلسلة من الضربات السريعة تركت جروحاً عميقة في صدره وذراعه. كنتُ أُقاتل بطريقة لا تشبه القتال بل تشبه تفريغ شيء متراكم منذ لحظة رأيتُ فيها أرين يرقد.
ثم سمعتُ الصرخة.
لم تكن صرخة قتال. كانت صرخة أعرف فيها فرق.
التفتُّ.
رأيتُ ما سيبقى محفوراً في روحي للأبد.
الخصم الذي شلّته ميراثيل لم يستسلم للموت بصمت كما يستسلم من لا يملك خياراً. في حركة انتحارية أخيرة فجّر جوهر إرادته بالكامل داخل جسده، محطماً قيود الشلل والقيود الثلاثة معاً لثانية واحدة فقط.
ثانية واحدة كانت كافية.
اندفع كالقذيفة التي لا تُغيّر مسارها. وغرس نصله الطويل في صدر ميراثيل في اللحظة التي كان يُلفظ فيها أنفاسه الأخيرة.
“ميراثيل!”
الصرخة خرجت ولم أقررها. خرجت من مكان في الجسد لا اسم له لكنك تعرف وجوده في اللحظات التي تخسر فيها ما لا يُستعاد.
أطحتُ بالفتاة الذهبية بضربة يائسة لم أفكر في قوتها وارتميتُ بجانب ميراثيل قبل أن يرتطم جسدها بالرمال. سقطتُ على ركبتيّ وحملتُ رأسها بين يديّ.
الدم القرمزي يتدفق من صدرها.
يمتزج برمال الساحة التي شهدت كل شيء ولا تتأثر بشيء.
“لا. لا تفعلي هذا بي الآن.”
همستُها وصوتي يرتجف بطريقة لم أسمعها فيه من قبل.
“لقد وعدنا العجوز. وعدنا بعضنا أننا سننجو معاً.”
فتحت ميراثيل عينيها بصعوبة.
تلك العينان السوداوان اللتان رأيتُهما لأول مرة في عربة العبيد وفيهما بريق يرفض الانكسار. كانت نظرتها باهتة الآن لكن فيها شيء لم يبهت، شيء يشبه الحنان الذي كسر كل دفاعاتي دفعة واحدة.
حاولت الابتسام.
“دارون.”
همستُها بصوت يكاد لا يُسمع.
“أنا سعيدة لأنني لم أمت وحيدة في تلك الزنزانة. سعيدة لأنني عرفتُك.”
بصعوبة بالغة رفعت يدها المرتعشة، ونزعت السوار الفضي من معصمها. ثم أخرجت الخنجر الأسود ووضعتهما في يدي الملطخة بدمها.
“خُذ هذا. السوار يحمل مفتاح أطلال الـ…”
غصّت بالدم. ثم أكملت بضعف أكبر:
“والخنجر سيحفظك. اخرج من هنا يا دارون. كن حراً. من أجلنا جميعاً.”
“ميراثيل تماسكي!”
كنتُ أتحدث بهستيرية لم أُسمع فيها من قبل بينما كانت برودة الموت تزحف في جسدها خطوة خطوة.
أمسكت يدي بقوة أخيرة. نظرت في عيني بعمق لا يُشبه نظرة من يُودّع بل نظرة من يترك شيئاً ثميناً في يد تثق بها.
“عِش يا دارون.”
ثم ارتخت يدها.
سكن صدرها.
وتلاشت الحياة من عينيها الجميلتين لتبقى شاخصة نحو سماء كاريثيون الكئيبة التي لم تُشرق يوماً كما ينبغي لها.
في تلك اللحظة، انكسر شيء داخلي.
لم يكن حزناً عادياً يأتي ثقيلاً ثم يخف بالوقت. كان فراغاً أسوداً ابتلع كل شيء في لحظة واحدة ولم يُعلن عن نفسه بصوت. بل بصمت أشد وطأة من أي صوت.
فقدتُ أرين في بداية هذا اليوم.
والآن فقدتُ ميراثيل.
الرجل الذي علّمني أن الإرادة نهر لا سد. والمرأة التي علّمتني أن النصل في يدك أصدق من الكلمات المزوّقة في القصور.
أمسكتُ السوار والخنجر وضممتُهما إلى صدري وأنا أنحني فوق جسدها البارد. يدي تضم ما أعطته وقلبي يضم ما لا يُعطى.
كان اندماج الوحش لا يزال نشطاً في أعماقي. لكنه الآن لم يكن يمنحني القوة وحدها. كان يُغذّي غضباً أسوداً لم أعرف له مثيلاً في كل المعارك التي خضتها، غضب لا يريد الانتقام فحسب بل يريد أن يُحرق كل شيء يذكّره بما حدث.
رفعتُ رأسي.
وعيناي تشتعلان بلهيب رمادي مرعب نحو الفتاة الذهبية التي كانت تحاول النهوض من بين الأنقاض.
لم يعد دارون الذي يطمح للنجاة موجوداً في هذه اللحظة.
لم يبقَ سوى الوحش.
الوحش الذي سيحرق كاريثيون بما فيها.
لكن في مكان ما خلف الغضب، في تلك الزاوية الصغيرة التي لا يُطفئها الاندماج ولا الحزن، سمعتُ صوت ميراثيل لآخر مرة.
“عِش يا دارون.”
والفتاة الذهبية كانت تنظر إليّ بعيون لا أستطيع قراءتها بعد.