الفصل 100 - سقوط المبجل
ساد صمت مطبق في أرجاء الساحة.
صمت لم يكن ناتجاً عن انتهاء القتال. كان ناتجاً عن ذهول شلّ الأطراف وألجم الألسن وجعل حتى أنفاس الناجين تخرج بتردد كأنها تستأذن. وقف العجوز في مركز ذلك الدمار، يداه ترتعدان قليلاً فوق مقبض فأسه الصغير، لكن وقفته كانت تحمل ثقلاً يوازي الجبال التي لا تسأل ما إذا كانت تستطيع الوقوف.
تنهّد بعمق.
تنهيدة خرجت كحشرجة ماردٍ متعب وصل إلى نقطة لا يدّعي بعدها أنه لم يتعب. وعيناه لا تزالان مثبّتتين على نقطة محددة وسط الغبار المتصاعد كأنه يرى شيئاً لا يراه أحد غيره.
ثم خرج الرجل.
من بين الحشود التي تراجعت بهلع ومن خلف ظلال البوابات الكبرى، خرج رجل لم يكن وجوده عادياً بأي معنى.
كان طويلاً جداً يتجاوز المترين طولاً، لكن بنيته لم تكن ضخمة كما يُتوقع لذلك الطول. كانت متوسطة رشيقة كبنية سياف قضى عمره في صقل حركاته لا في بناء جسده. يرتدي ملابس أنيقة لا تليق بمكان قذر ككاريثيون، كأنه جاء من مكان آخر ولم يُزعجه الانتقال. وعلى صدره يلمع الشعار، التاج المشقق والسيوف السبعة التي تنزف دماً.
لكن الغريب والمثير للقشعريرة كان وجهه.
من أنفه وحتى جبهته كان مُغطّى بقطعة من الحرير الفاخر رُبطت بإحكام لتُخفي عينيه تماماً. فمه الواضح كان يحمل ابتسامة باردة لا تُخفي ما تنوي إخفاءه لأنها لا تُريد إخفاء شيء. في يده اليمنى ثلاث خواتم كل منها يشع بهالة أثر قوية، وعباءته السوداء المُزيَّنة كانت تنساب خلفه كقطعة من الليل تتحرك.
توقف على بعد أمتار من العجوز.
“أرين.”
قالها بصوت هادئ يحمل نبرة التقدير الممزوج بالسم، تلك المزيج التي لا يُخطئها من سمعها مرة.
“لقد مضى وقت طويل حقاً أيها المبجل العظيم لإمبراطورية الشفق الذهبي.”
واجهه العجوز بنظرة حادة. وتحدث بصوت يملؤه الاحتقار الذي لا يُجمّله:
“يبدو أنكم مستميتون لدرجة إرسال أحد الفرسان السبعة المباشرين لمطاردة ظل رجل في سجن.”
“هذا ليس استماتة.”
أجاب الرجل بهدوء وهو يُميل رأسه بحركة رجل يُسلّم نقطة جدلية.
“بل هو دليل على مقدار عظمتك وأهمية هذه العملية بالنسبة للعرش.”
تجهّم وجه العجوز. مرّت أمام عينيه ذكريات لم أستطع قراءة اسمها لكنني رأيتُها تمر. التفت إلينا لثانية واحدة حادة، ثم عاد بتركيزه للرجل أمامه.
“أن يرسلوا المطهر بنفسه لمواجهة عجوز يحتضر. أنا سعيد للحصول على كل هذا التقدير. يبدو أنكم أيها السبعة مثيرو الشغب تحتاجون لبعض التأديب الذي لم أُكمله في المرة السابقة.”
ضحك المطهر ضحكة خافتة باردة.
“آسف لتخييب أملك يا أرين. فقد أصبحنا ثمانية بالفعل.”
في تلك اللحظة، انفجرت إرادة العجوز.
كانت انفجاراً بركان خامد استيقظ فجأة بعد سنوات صمت. صرخ صرخة هزّت أركان الساحة بكاملها:
“إذاً سأعيدكم سبعةً مرة أخرى!”
اندفع كالصاعقة.
سحب المطهر سيفين منحنيين من تحت عباءته، نصالهما تشع ببريق فضي غريب لا يُشبه بريق المعدن العادي بل يُشبه ضوء القمر في ليلة جليدية. صدّ هجمة الفأس بمهارة أسطورية. الارتداد عن التصادم أطاح بالمقاتلين القريبين كأنهم ريش في عاصفة.
وبدأت المعركة التي لا يمكن لعقل بشري عادي استيعاب ما يحدث فيها.
كانت سرعتهما تتجاوز حدود البصر. ومضات من الضوء الفضي والأسود تتصادم في كل ركن من أركان الساحة الهائلة. كل ضربة تائهة من أيٍّ منهما كانت كافية لإرسال أقوى مقاتلي المستوى الثاني مباشرة إلى القبر دون أن يكون هو الهدف.
لكن قدرة المطهر كانت من نوع لم أرَه من قبل.
هجماته كانت تشق نسيج الوجود نفسه. لم تكن مجرد ضربات سيف تستغل السرعة والقوة. كانت تمزقات تتخطى الزمان والمكان. رأيتُ نصله يختفي في نقطة ليظهر في نقطة أخرى تماماً دون أن يقطع المسافة المرئية بينهما. كأنه يتعامل مع المسافة كشيء قابل للطي لا كحقيقة ثابتة.
‘تباً. هجماته لا يمكن التنبؤ بها.’
حتى العقل الفعال المُعزَّز كان يجد صعوبة في تتبع الخيوط لأنها تختفي في نقطة وتظهر في نقطة أخرى دون مسار بينهما.
تمزّق جسد العجوز في عدة مواضع. جروح عميقة ظهرت على كتفه وصدره، تسيل منها دماء داكنة تُخبرك بعمقها قبل أن تُقدّرها. بدأ يفقد زخم هجمته الكبرى. اندفع المطهر بحركات تبدو كقفزات مكانية، يظهر ويختفي ويضرب ويهرب، مستغلاً جسد العجوز الذي بدأ يخذله من الداخل لا من الخارج.
اشتبكا مرة أخرى في المركز. الارتداد الناتج عن تصادم إرادتيهما مزّق خمسة مقاتلين من المستوى الثاني كانوا قد تجرأوا على البقاء قريباً.
كان العجوز يتراجع. والدماء تُغطي لحيته البيضاء.
تراجع كلاهما.
العجوز ينزف بغزارة، صدره يعلو ويهبط بجهد مُضنٍ. والمطهر بجرحين في صدره لم يكونا بسيطين.
مسح المطهر الدم عن فمه بظاهر يده ببطء.
“يالك من وحش حقيقي يا أرين. لا أصدق أنك تُقاتل بهذا الشكل وأنت في أسوأ حالاتك. يبدو أن قصة مواجهتك لخمسة من السبعة في آنٍ واحد لم تكن هراءً.”
أكمل بنبرة تشفٍّ لا يُحاول إخفاءها:
“انظر لحالك. مسموم، مصاب، بلا أثر واحد يحميك. كسرنا عمرك البيولوجي بجعل جسدك هشاً وعجوزاً. ورغم ذلك لا تزال وحشاً يرفض الاستسلام. لماذا لا تموت فقط وتريح نفسك؟”
نظر إليه العجوز.
ولم تكن في عينيه ذرة خوف. لم تكن فيهما حتى ذرة غضب. كان هناك بريق من السخرية القاتلة الهادئة، سخرية من يعرف شيئاً لا يعرفه من أمامه.
“يبدو أن الوحيد الذي سيموت اليوم هو أنت، أيها الطفل الوقح.”
تحرك العجوز حركة طفيفة.
وعبر العقل الفعال، رأيتُ شيئاً لم أرَه في خيوط إرادته من قبل. لطالما كانت إرادته معقدة غير قابلة للقراءة الكاملة بالنسبة لي. لكنها الآن أصبحت واضحة بشكل مُقصود، كأنها اتخذت قراراً بأن تكون مقروءة.
كانت ترسم طريقاً.
لم تكن حركة هجومية. كانت رسالة موجهة بدقة.
اختبئا. الآن.
لم أتردد ثانية واحدة.
أمسكتُ بيد ميراثيل التي كانت تراقب المشهد بذهول جامد، وسحبتُها بقوة نحو النقطة التي أشار إليها العجوز خلف أحد الأعمدة الحجرية الضخمة المنهارة، وانبطحنا على الأرض غاطسَين في الرمل القرمزي، جسديهما يُضغطان بالكامل خلف الحجر.
ثم اختفى المطهر.
تلاشى من مكانه كأنه لم يكن موجوداً. وظهر أمام العجوز مباشرة، في المسافة الصفرية التي لا وقت فيها للرد.
وغرس نصليه الطويلين في صدر العجوز.
اخترقاه من الجهة الأخرى.
ساد الصمت.
ثانية واحدة طويلة كأنها عمر.
اعتقد الجميع أنها النهاية.
لكن العجوز أرين لم يسقط.
ابتسم.
ابتسامة دموية تخرج من وجه رجل يعرف أنه ينزف لكنه أعد هذه اللحظة بالتحديد. أمسك بذراعي المطهر بقوة لا تنتمي لجسد مُصاب بهذا الشكل، قبضة محكمة سُمع معها صوت يُخبر بما حدث للعظام.
“لقد أمسكتُ بك.”
همسها بصوت خرج من قعر مكان عميق جداً.
بدأ العجوز في تفعيل التكثيف المفرد.
لكن هذه المرة لم يُركّزه في الفأس وحده. هذه المرة ضغط كينونته بالكامل في نقطة انفجارية واحدة. كل ما بقي له من إرادة وحياة وسنوات لم تُعَش ومستقبل لم يُقرر، كله في لحظة واحدة.
هجوم انتحاري بكل ما تحمله الكلمة.
بوووم.
لم يكن صوتاً بالمعنى الذي تسمعه أذنك. كان زلزالاً ضرب الوجود من الداخل. ضوء أبيض وأسود تداخل ليحجب الرؤية تماماً، وموجة ضغط مرعبة مسحت شكل الساحة المعتادة كأن الساحة الهائلة بمدرجاتها وجدرانها وتاريخها العنيف لم تكن إلا ورق أمام ما انفجر.
فقدتُ الرؤية للحظة.
وربما أكثر من لحظة.
حين بدأ الغبار يترسب ببطء وعادت الأشكال لتظهر من وسط الدمار، رفعتُ رأسي بصعوبة.
كل شيء من حولي قد سُوِّي بالأرض. الأعمدة الحجرية العظيمة التي صمدت قروناً أصبحت أنقاضاً. المدرجات تشقق جزء منها. والرمال الحمراء أصبحت رماداً في أجزاء منها.
رأيتُ المطهر يخرج من وسط الغبار.
لكنه لم يكن ذلك الفارس الأنيق بعد الآن. كان يترنح. يصرخ بهستيرية لم يُخفها رغم أنها تُكسر كل هيبة بناها. وذراعه اليسرى قد اختفت بالكامل من عند الكتف، تاركةً خلفها فجوة تنزف بشدة.
نظر حوله بذعر حقيقي. ثم بحركة أخيرة يائسة، مستخدماً ما تبقى من طاقته المكانية التي كانت سلاحه الأكبر، اختفى تماماً.
هرب.
ترك وراءه كرامته وذراعه وكل ما جاء من أجله.
في المركز كان العجوز راقداً.
لم تكن هناك دماء تنزف منه بعد الآن. استهلك كل شيء حتى لم يتبقَّ ما ينزف. جسده يبدو هادئاً بهدوء لا يشبه هدوء النوم. ووجهه الذي كان يحمل تجاعيد الهموم الثقيلة وأسرار لا يُبوح بها، قد استرخى أخيراً. استرخاء من وصل.
رقد المبجل العظيم للأبد.
لكنه رحل وهو يجرّ معه ثلثي مقاتلي الساحة الذين مُسحوا بفعل انفجار إرادته الأخير، ومن بينهم المطهر الذي أُقصي بذراع واحدة وهرب بما لم يتوقع أن يفقده.
اقتربتُ منه.
ركبتاي على الرمال الدافئة من الدمار.
ونظرتُ إلى وجهه المسترخي.
‘الرجل الذي يُدمدم لحناً قديماً وهو يسير إلى المذبحة. الذي أمسك المعدن بيده ولم ينزف. الذي سلّمني القلادة في ليلة صمت ثقيل. الذي قال لي لا تسأل لأن المعرفة حكم بالإعدام. الذي كان أعظم مما أخبرني به وأضعف مما أظهره.’
نظرتُ إلى ميراثيل.
كانت تبكي بصمت. دموع لا تُعلن نفسها بصوت بل تسيل فقط لأنها لا تستطيع إلا ذلك. وأنا لم أبكِ. لكن شيئاً ما كان يضغط على صدري من الداخل بطريقة لا اسم لها دقيق.
أخرجتُ القلادة.
نصف دائرة ذهبية تحمل سيفاً ودرعاً وتاجاً ملكياً. ثقيلة بحجمها وأثقل بما تحمله. أمسكتُها بيد مُحكمة.
“لقد ترك لنا الطريق يا ميراثيل.”
همستُها بمرارة لا تُريد أن تكون مرارة لكنها لا تستطيع أن تكون غير ذلك.
“علينا أن نخرج من هنا. الآن.”
أومأت ميراثيل.
ببطء نهضنا من الرمال.
والساحة التي كانت تعجّ بالمئتين أصبحت صمتاً فيه الرمال والأنقاض وذاكرة من لن يُذكروا بالأسماء.
أرين رحل.
وأنا أحمل ما طلب مني حمله.
كاستر.
الإمبراطورية.
وطريق لم يبدأ بعد لكن قدماي تعرفان أنه لن ينتظر.