الفصل 99 - التكثيف المفرد
في تلك اللحظة التي كان فيها الموت يحصد الأرواح في كل زاوية من زوايا الساحة القرمزية، كان هناك ثقب أسود من السكون يُحيط بالرجل العجوز.
لم يكن سكوناً نابعاً من السلام. كان سكون المفترق الذي يسبق الهاوية، ذلك الصمت الذي يشعر به الجسد قبل أن يشعر به العقل، حين تعرف أن ما أنت على وشك مشاهدته لن يشبه أي شيء رأيته من قبل.
كنتُ أُراقب.
وكان كل ما تعلمتُه عن القتال يبدو وأنا أُراقب كأنه كان لعب أطفال في حضانة.
أحاط بالعجوز أربعة مقاتلين من المستوى الثالث.
لم يكونوا مقاتلين عاديين بأي معنى من المعاني. كانوا يتحركون بتناغم يُشعرك أن هناك عقلاً واحداً يُحرّك الأربعة، يرتدون عباءات سوداء داكنة لا تعكس الضوء بل تمتصه، مما جعل أجسادهم تبدو كقطع من الليل تتحرك فوق الرمال الحمراء بشكل يُربك البصر.
فعّلتُ العقل الفعال وركّزتُه عليهم.
رأيتُ سلاسل معدنية ثقيلة تتدلى فوق عباءاتهم. ورأيتُ على تلك السلاسل رمزاً جعل الدماء تتجمد في عروقي:
تاج محطم، تحته جمجمة بشرية، يُحيط بها سيفان متقاطعان.
رمز يفوح برائحة الاغتيالات السياسية والمنظمات التي لا تترك أثراً وراءها في السجلات الرسمية ولا في ذاكرة من بقي حياً.
كان العجوز واقفاً بظهره المنحني قليلاً، يُمسك فأسه الصغير بيده اليمنى. لكن في عالم الرؤية الذهنية التي منحتني إياها الثلاثة والعشرون بالمئة، كانت خيوط إرادته مستقرة كسطح بحيرة في ليلة عديمة الرياح. لا اهتزاز، لا اضطراب، لا شيء يُشير إلى أن هؤلاء القتلة المهرة المحيطين به يمثلون أي خطر بالنسبة له.
وكأنهم ذباب يحوم حول جبل أزلي لا يُعير انتباهه للبزاز.
اندفع الأربعة في لحظة واحدة.
كانت سرعتهم تفوق الخيال الجسدي. تحولوا إلى خطوط سوداء متقاطعة تستهدف نقاطه الحيوية الأربع في آنٍ واحد، الحنجرة والقلب والكليتان، مذبحة مُخططة لا تترك للجسد زاوية دفاع.
سألتُ نفسي برعب حقيقي:
‘كيف سيتعامل هذا العجوز مع أربع هجمات متزامنة من أربع جهات؟’
الجواب جاء كالصاعقة.
بحركة كانت من السرعة بحيث لم يُدركها بصري إلا بعد انتهائها بثانية، مدّ العجوز يده اليسرى العارية وأمسك بنصل سيف أحدهم.
أمسك بالمعدن. بيده العارية. ولم تنزف قطرة دم واحدة.
كأنه أمسك بقطعة ورق يُريد تحريكها.
وبنفس الزخم، قذف المقاتل نحو زميله القادم من اليمين، ليصطدما معاً في مشهد مثير للشفقة لمن كان يعتقد قبل ثانية أنه يُحاصر وحشاً هرماً.
في الوقت نفسه، هوت يده اليمنى التي تحمل الفأس الصغير.
لم تكن ضربة. كانت حكماً بالإعدام مُوقَّعاً ومُنفَّذاً في لحظة واحدة. شطر الفأس المقاتل الثالث من كتفه الأيسر وصولاً إلى خصره الأيمن، وكأن جسد المقاتل المصنوع من اللحم والعظام والدروع المقوى لم يكن إلا هواءً يُشق لا مادة تُقاوم.
أما المقاتل الرابع فقد تلقى ركلة من قدم العجوز حطمت ذراعه وقفصه الصدري بأكمله في آنٍ واحد، وطار بعيداً كدمية خرقة رميتَ بها عبر الغرفة.
حاول الاثنان الأولان النهوض. اندفعا مرة أخرى بكل ما بقي لهما من طاقة إرادية واندفاع يائس. انفجرت الرمال تحت أقدامهما في سحابة غبار قرمزي هائلة من قوة الاندفاع.
لكن العجوز كان قد انتهى من صياغة حركته التالية بالفعل.
تحرك بخصره فقط. في حركة انسيابية لا تُسرف في جهد. وقسم أحدهما نصفين طوليين، كورقة هشة تتمزق أمام إعصار لا يُعلن نفسه.
أما الأخير فقد تراجع بهستيرية حقيقية، وعيناه تملأهما رعب لا اسم له. اصطدم برفيقه ذي الذراع المحطمة. وقبل أن يحصلا على فرصة لالتقاط أنفاسهما، تحرك نصل الفأس في قوس فضي صغير.
رأسان. حركة واحدة.
لو كان عليّ تسمية ما رأيتُه لما سمّيتُه معركة. كانت مذبحة يقوم بها شيطان يرتدي جلد إنسان هرم.
ساد صمت مفاجئ في تلك المنطقة من الساحة.
كأن الهواء نفسه خاف من التنفس. كأن الساحة بأكملها قررت أن تتوقف لحظة لتفهم ما رأت.
وقف العجوز وحيداً وسط الجثث الممزقة.
ثم ظهرا.
كانا من المستوى الرابع.
بمجرد أن وقفا في الساحة شعرتُ أن ثقلاً هائلاً هبط على المكان بأكمله من فوق. ليس ثقل أجسادهما. ثقل وجودهما. تجمّد معظم المقاتلين الباقين في أماكنهم كأن قراراً خارجياً أصدره أحد. حتى أصحاب المستوى الثاني سقطوا على ركبهم تحت وطأة الضغط الطاقي المنبعث منهما دون أن يُريدا ذلك.
كلاهما سيافان يرتديان دروعاً فضية لامعة تعكس لهيب الشمس كأنها مصممة لذلك.
لكن ما شدّ انتباهي كان الشعار المنقوش على صدريهما بدقة الصائغ الذي يعرف أن ما يصنعه سيُرى:
تاج فضي عريض تتخله شقوق عميقة كأنما ضُرب بمطرقة عظيمة، ينقسم في منتصفه إلى صدعين متعرجين يمتدان حتى حوافه الحادة. ومن أسفل تلك الشقوق تنساب خيوط داكنة بلون الدم المتجلط تُعطي انطباعاً بأن التاج كائن حي يحتضر وينزف. وخلف التاج ارتفع جناحان معدنيان فضيان عظيمان مفرودان بهيئة السلطة المطلقة لكن في امتدادهما برودة تُشبه أجنحة نسر يراقب أرض المعركة من السماء في انتظار الجثث. وفوق كل ذلك سيفان طويلان يتقاطعان بزوايا حادة، نصالهما تلمع ببريق يقتل الأمل، ومقابضهما تنتهي بزخارف عظمية.
فرسان التاج المشقق.
استلّا سيفيهما ببطء مُتعمّد. لم يتحدثا ولم يتبادلا الشتائم. في هذا المستوى الكلام مضيعة للوقت. استلال السيفين كان الإعلان الوحيد: انتهى زمن الكلام ولم يتبقَّ إلا ما جاءا من أجله.
اندفعا بسرعة لا يمكن لعقل بشري إدراكها.
حتى بعقلي الفعال المُعزَّز بثلاثة وعشرين بالمئة، عجزتُ عن تتبع حركتهما الكاملة. كانا ومضات فضية تتصادم مع العجوز، تُحدث في كل تصادم صوت صاعقة رعد لا تنتهي.
كان جسد العجوز يتأرجح كالظل، يصد الهجمات بحركات تبدو انسيابية لكنها تحمل دقة لا تُسامح في مليمتر. صوت تصادم الفأس مع السيفين الفضيين كان يدوي كصواعق متتالية، يُحدث موجات ضغط تُطير الرمال في كل اتجاه وتجعل من تسمعها يشعر بالاهتزاز في صدره.
ثم توقف العجوز.
توقف تاماً. سكن كل شيء فيه في لحظة واحدة حادة.
رفع فأسه الصغير عالياً بصبر شديد، كأن الفأس يزن الآن وزناً لا تستطيعه الجبال. تمكّنتُ من قراءة حركة شفتيه رغم المسافة والضجيج:
“التكثيف. المفرد.”
في تلك اللحظة، رأيتُ شيئاً لا يُوصف بالكلمات الاعتيادية.
لم يكن تكثيفاً كما أفهمه أنا أو كما تعلمتُه في الزنزانة مع الصداع والنزيف وساعات المحاولة. قام العجوز بضغط كل ذرة من إرادته الطاغية في مساحة لا تتعدى الميليمترات على حافة نصل الفأس. التركيز كان شديداً لدرجة أن الهواء حول الفأس بدأ يتشوه بشكل مرئي. كأن الضوء نفسه ينحني هرباً من تلك النقطة الواحدة التي أصبحت كثافتها تفوق ما ينبغي أن يوجد في هذا العالم.
بحركة خفيفة تبدو لمن لا يرى كأنها لمسة حانية، أسقط الفأس باتجاه الفارسين.
رفع أحدهما سيفه الفضي العظيم ليصد الضربة. قرار من يثق بأن قوته في المستوى الرابع كافية لاستقبال ما يأتيه.
لم تمر إلا أجزاء من الثانية.
لحظة التقاء الفأس بالسيف لم يحدث انفجار بالمعنى الذي يُدوي ويُضيء. حدث انهيار. الكلمة الوحيدة التي وجدتها.
تمزّق نصف جسد الفارس بالكامل. اختفى درعه ولحمه وسيفه الفضي وكأنهم لم يكونوا موجودين أصلاً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. الأرض التي كان يقف عليها تمزقت بعمق أمتار، وظهر صدع في الرمال والحجارة تحتها. كأن ضربة الفأس لم تُصب الجسد فقط بل مسّت نسيج المكان وجعلته يتذكر أنه قابل للانكسار.
اهتزت الساحة الأبدية بأكملها.
ارتجت الجدران الحجرية الشاهقة التي لم تهتز في عمرها بأي شيء. انهار المقاتلون من المستوى الثالث الباقون على الأرض كأن شيئاً سحب الطاقة من أرجلهم دفعة واحدة، غائبين عن الوعي تحت موجة الإرادة المحضة التي انبعثت من تلك الضربة الواحدة.
الفارس الثاني فتح فمه دون أن يُصدر صوتاً. عيناه تحاولان استيعاب ما رأتا.
قبل أن يستعيد تركيزه من هول المشهد، سدّد العجوز ضربته التالية. موجة هواء جبارة ناتجة عن تحريك الفأس بسرعة تفوق الصوت. لم تكن بالتكثيف المفرد هذه المرة، لكنها كانت كافية. أطاحت بكل من كان ضمن عشرين متراً من مركز القتال كأنهم أوراق يابسة أمام ريح لا تتذكر أنها ينبغي أن تتوقف.
تشبثتُ بميراثيل وتشبثت بي.
كنا من ضمن من اندفعوا بعيداً لكننا أمسكنا بعضنا وأمسكنا بالرمال وانتهينا بعيدين عشرين متراً نحاول أن نتنفس.
نظرتُ إليها.
نظرت إليّ.
لم ننطق بشيء للحظة طويلة.
ثم نظرتُ نحو العجوز الواقف وحيداً في منطقة الدمار.
الرجل الذي كنا نتدرب في زنزانته. الرجل الذي سلّمني القلادة في ليلة يُخفي فيها أثقل مما يُظهر. الرجل الذي كنتُ أعتقد أنني فهمتُ شيئاً عن حجم قوته.
لم أكن قد فهمتُ شيئاً.
‘كيف يمكن لبشري أن يبلغ هذا المستوى؟’
السؤال دار في عقلي لكن العقل لم يجد له جواباً يقنعه. لأن ما رأيتُه لم يكن قوة بشرية تطورت. كان شيئاً آخر. كان تجسيداً لقوة تُحرّك الأقدار.
العجوز الذي يُدمدم لحناً قديماً حين يسير إلى المذبحة. العجوز الذي يُمسك المعدن بيده العارية ولا تنزف قطرة دم. العجوز الذي جعل الأرض تتذكر أنها قابلة للانكسار.
وحش من المستوى الخامس يعيد في كل حركة تعريف معنى الدمار.
أطبقتُ يدي على القلادة تحت درعي.
وتساءلتُ في سري: من هو كاستر الذي أُرسل إليه هذه القلادة من رجل كهذا؟
وما الذي يُخفيه العجوز تحت ظهره المنحني وأسراره المُحكمة؟
الساحة لا تزال تهتز تحت أقدامنا.
والأجوبة تنتظر في مكان ليس هنا.