الفصل 98 - جنون كاريثيون
كانت الساحة تغلي.
صراخ المئات يمتزج بقرع السيوف والدروع ليخلق ضجيجاً يصم الآذان ويجعل التفكير الواضح رفاهية لا يملكها إلا من تعلّم كيف يُغلق الباب بينه وبين ما حوله. لكن بالنسبة لي، تقلّص العالم كله في تلك اللحظة ليصبح محصوراً في الأمتار القليلة التي تفصلني عن أربعة مقاتلين من المستوى الثاني يتشكلون في نصف دائرة تضيق.
‘لو كنتُ بلغتُ ذروة المستوى الثالث لربما اندفعتُ نحوهم بصدري العاري واستخدمتُ القوة الغاشمة لتمزيق دروعهم. لكنني لستُ أحمق. والغلطة في هذا المكان لا تُصحح بكلمة آسف، بل تُدفع ثمناً من الدماء.’
تأملتُ وجوههم من خلف خوذاتهم.
كانوا يتحركون بتناغم يُخبرك أنهم اعتادوا القتال معاً، ذلك التناغم الذي لا يُعلَّم في التدريب بل يُكتسب في المعارك المشتركة، حين يتعلم كل شخص توقيت شريكه دون أن يحتاج إلى إشارة. ميزان القوة يميل لجانبهم بوضوح. أربعة ضد واحد. والكثرة تغلب الشجاعة كما يُقال.
لكنني لستُ شجاعاً بالمعنى التقليدي. الشجاعة في كاريثيون مرادف للانتحار. أنا أُقاتل بأسلوب قد يصفه البعض بالدنيء، أسلوب يخلو من النزاهة والفروسية. وليقل العالم ما يشاء. المبادئ لا تُنقذك من نصل يغرس في حنجرتك. القاعدة الوحيدة التي تُحترم هنا هي البقاء حياً.
فعّلتُ العقل الفعال.
الثلاثة والعشرون بالمئة من تعزيز العقل كانت تعمل بكامل طاقتها، الكثافة المتاحة لي بعد الأسبوعين اللذين لم يكونا للراحة. رأيتُ خيوط إرادتهم تتشابك في النسيج الذي أراه وحدي. أحدهم وهو الأكثر اندفاعاً من بينهم، يتهيأ لهجمة منخفضة تستهدف ساقيّ لشل حركتي قبل أن يُجهز الثلاثة الآخرون.
لم أنتظر.
اندفعتُ نحوه مباشرة بقوة التكثيف في قدميّ، وبمجرد أن بدأ حركته المنخفضة ورأيتُ الخيط يشد رسغه، سددتُ ركلة عنيفة لرسغه في اللحظة التي بدأ فيها التزام الهجمة. انحرف نصله بالكامل وتشتت زخمه في الهواء.
في تلك اللحظة، انطلق الثلاثة الآخرون نحوي كالصقور المُطلَقة في آنٍ واحد.
تراجعتُ بحركة انسيابية للخلف، وبدلاً من الاشتباك المباشر معهم، غرزتُ سيفي الجديد المصنوع من مخالب جارح الظل في الرمال القرمزية تحتي. شحنتُ إرادتي في النصل بالطريقة التي تعلمتُها في الزنزانة على ركبتيّ مع الصداع الذي لا ينتهي، ثم فجّرتُها دفعة واحدة. التخفيف المفاجئ متبوعاً بالتكثيف الطاقي.
انفجرت سحابة رملية هائلة تملأ المكان في ثوانٍ، رمال حمراء كثيفة تُعمي البصر وتملأ الرئتين.
تراجع الثلاثة وهم يسعلون، يحاولون الرؤية وسط الغبار الكثيف الذي أعمى أعينهم. بالنسبة لهم أصبحت الساحة ظلاماً. أما بالنسبة لي فالعقل الفعال كان يمنحني رؤية رادارية تعمل بالإرادة لا بالضوء. رأيتُ خيوط إرادة الخصم الأول، ذاك الذي ركلتُ رسغه، وهو يحاول الوقوف مترنحاً في الغبار الكثيف.
بلمح البصر، سحبتُ أحد خناجري المخبأة تحت درعي. لم أكن بحاجة لرؤية جسده بالعين، خيط إرادته كان يُشير إلى نقطة مكشوفة تماماً في جبهته كأنه خريطة توجيه دقيقة.
حلّق الخنجر مخترقاً الغبار.
سمعتُ صوت ارتطام المعدن بالعظم. ثم صوت جسد يرتطم بالأرض بذلك الثقل المميز الذي لا يُشبه سقوط المغمى عليه.
واحد سقط.
شحنتُ التكثيف في ساقيّ واندفعتُ كالسهم وسط الغبار نحو ثاني من أحس بموقعه من خيوط إرادته. كان هذا المقاتل أذكى من الأول. أحسّ بحركتي قبل أن أصل رغم الغبار، وفُتح سيفه الثقيل أمامه ليصد هجومي الأمامي المتوقع.
لكنني لم أنوِ مواجهته وجهاً لوجه.
وضعتُ قدمي اليمنى على الأرض أمامه مباشرة وأشغلتُ انتباهه لكسر ثانية، ثم بحركة دورانية سريعة مُفاجئة استخدمتُ التخفيف في جسدي العلوي لأزيد من سرعة الالتفاف، كنتُ خلف ظهره بالفعل قبل أن يُدرك أين ذهبتُ. سددتُ طعنة دقيقة مُركّزة بالتكثيف في منتصف ظهره، اخترقت الدرع والجسد ليخرج النصل من صدره.
انفشع الغبار تدريجياً كأنه يريد الكشف عن مشهده.
جثتان هامدتان. واحدة يتوسط رأسها خنجر والأخرى مخترقة من الخلف. بقي اثنان: واحد يحمل رمحاً طويلاً يرتجف في يده من صدمة ما رآه، وآخر يُمسك بفأس ضخم يبحث في الغبار المتلاشي عن موقعي.
الرمّاح كان يحاول استعادة تركيزه لكن الثلاثة والعشرون بالمئة كانت تمنحني أن أُخطط لخطوتي قبل أن يُغلق جفنيه. اندفعتُ نحوه وحركتُ سيفي في قوس لولبي لامع، قاطعاً نصل رمحه أولاً لأسلبه أهم ما يملكه وهو المدى، ثم أكملتُ القوس في حركة واحدة متصلة.
لم يبقَ سوى حامل الفأس.
انطلق نحوي بهجمة أفقية يائسة وضع فيها كل ثقله وكل قوته الغاشمة، هجمة من علم أن لا شيء خلفه. كانت الهجمة قوية فعلاً. لكنها كانت مكشوفة بالكامل لمن يرى الخيط الذي يسبقها.
انحنيتُ تحت نصل الفأس بهجمة منخفضة، وقطعتُ أوتار ساقيه بلمسة واحدة خفيفة مُحكمة. سقط على ركبتيه يزأر من الألم بنبرة من لا يُصدّق ما حدث. وأنهيتُ عذابه بضربة نظيفة.
على الجانب الآخر من الساحة، كانت ميراثيل تخوض معركة من نوع مختلف.
رجل ضخم بكتفين عريضتين يحمل سيفاً عريضاً لمعناه يقول إنه استُخدم كثيراً. وامرأة رشيقة بحركات محسوبة تستخدم خناجر يلمع طرفها بشيء داكن يُخبرك بما هو دون أن تُقرأ التسمية.
تحرك الثنائي بتكتيك المطرقة والسندان. اندفع السياف من الأمام ليشغل ميراثيل ويُجبرها على التركيز الكامل عليه، بينما تسللت صاحبة الخناجر خلفها بهدوء لتغرس نصلها في ظهرها.
لكن ميراثيل لم تكن لقمة سائغة.
استخدمت سلاسلها في لحظة واحدة مُحكمة. قيّدت سرعة الرجل دون إيقافه كاملاً، وسلبت بصر المرأة تماماً في الآن ذاته. ثم انسابت بينهما كرقصة الشبح التي لا يُتوقع مسارها.
الرجل كان في منتصف هجمة أفقية جبارة، وجد نفسه عاجزاً عن التراجع أو تغيير مسارها بسبب التقييد الطارئ. وبدلاً من أن تصد ميراثيل الضربة، دفعته ببراعة باتجاه رفيقته العمياء.
سيف الرجل العريض شقّ صدر رفيقته.
تلاشت السلاسل عن بصر المرأة في لحظة موتها. فتحت عينيها للمرة الأخيرة ورأت وجه شريكها.
انهار الرجل.
تلك الفوضى النفسية التي لا يستعيد منها المقاتل تركيزه في ثوانٍ جعلته هدفاً مكشوفاً. لم تأخذ ميراثيل وقتاً طويلاً. سحبت سلاسلها مرة أخرى وقيّدت قوته وبصره دفعة واحدة. وبضربة واحدة دقيقة من سيفها الخفيف، انتهى ما بدأ.
وقفت ميراثيل وسط الجثث.
صدرها يعلو ويهبط. نظرتها تحمل برودة مخيفة لا تشبه الوحشية بل تشبه الاحتراف الذي يذهب إلى أبعد مما تُحب أن تراه في نفسك. لقد أثبتت أنها ليست مجرد مقاتلة تُقاتل بشجاعة. بل سيدة ساحة قادرة على تحويل أعدائها إلى أدوات لقتل بعضهم.
وقفتُ بجانبها. السيف يقطر دماً لا أُحسب وقتاً لمسحه.
نظرتُ نحو العجوز.
كان محاطاً بأربعة من المستوى الثالث يتحركون حوله بإيقاع من يعرف أن الوقت لصالحه. لكن العجوز كان يبدو وكأنه يتلاعب بهم بهدوء الصياد الذي اختار موقعه جيداً وينتظر فقط اللحظة المناسبة لينهي ما رتّبه.
ثم رأيتُهما.
ذوا المستوى الرابع.
بدآ في التحرك أخيراً من طرفي الساحة نحو مركزها. خطواتهما الثقيلة تزيح المقاتلين الآخرين من طريقهما كأنهم موجودون في مستوى مختلف من الواقع. لا يُقاتلانهم ولا يُعيرانهم انتباهاً. يمشيان كمن يعرف وجهته ولا يحتاج إلى التأكد من الطريق.
والهدف واضح.
العجوز.
كسر إرادته وقتله أمام الجميع.
تحسستُ القلادة تحت درعي.
الذهب البارد نبض نبضة واحدة خافتة تحت أصابعي.
‘إذا ماتَ في هذه الساحة أمام عيني فلن يستطيع أحد قول إنني لم أرَ وأنا لم أفعل شيئاً.’
“ميراثيل.”
همستُها وعيناي لا تفارقان ذوي المستوى الرابع المتقدمَين.
“الأمور على وشك أن تصبح قبيحة حقاً.”
أومأت برأسها دون أن تسألني ماذا أعني. كانت ترى ما أراه. قبضت على سيفها الخفيف بيدها اليمنى وعلى الخنجر الأسود الذي منحها إياه العجوز بيدها اليسرى.
كنا نعلم أن ما مررنا به كان مقدمة فقط.
القتال الحقيقي لم يبدأ بعد.
وكانت معزوفة الموت الكبرى تُرفع ستارتها ببطء لا يُخطئه أحد.