الفصل 97 - بداية المعركة الكبرى
تحركنا في الممر المظلم المؤدي إلى الساحة.
صدى خطواتنا يتردد في الجدران الضيقة كدقات قلب مضطرب. المسافة قصيرة. لكنها بدت كأميال من الترقب. تلك الأميال التي لا يقطعها الجسد بل يقطعها شيء آخر.
شعرت بارتعاشة خفيفة بجانبي.
ميراثيل.
ليست ارتعاشة استسلام. بل ارتعاشة جسد يدرك حجم ما يقترب منه ويستعد لا يتراجع.
التفت إليها.
تحت ضوء المشاعل الخافت كان انعكاس القلق واضحًا في عينيها الزرقاوين. لم تخبئه. في هذا المكان لا أحد يخبئ الأشياء الحقيقية.
وضعت يدي على كتفها.
“لننجو معًا يا ميراثيل. مهما حدث، لن يخرج أحدنا دون الآخر.”
نظرت إليّ.
وتلاشت تلك الارتعاشة تدريجيًا. لم تختفِ دفعة واحدة. تلاشت. كأن الكلمات وجدت مكانها.
“بالتأكيد سننجو.”
همستها بشيء من الأمل الصلب. الأمل الذي يعرف ما أمامه ويصر على أن يكون أملًا رغم ذلك.
“سننجو ونصبح أحرارًا يومًا ما. بعيدًا عن هذه الجدران اللعينة.”
وقفنا أمام البوابة الحديدية العملاقة.
العتبة الأخيرة.
الرائحة تسبق الرؤية.
رائحة الدم المتراكم الذي تغلغل في ذرات التراب لسنوات طويلة لا تُحصى. رائحة الحديد المؤكسد. العرق. البارود القديم الذي لم ينتهِ أثره. رائحة ثقيلة خانقة وضعت إصبعها على الذاكرة وعرفت أنها ستبقى هناك.
دوّت السلاسل الضخمة وهي تُسحب.
وارتفعت البوابة بصرير مهيب.
وانكشفت الساحة تحت ضوء الشمس الحارق.
تقدمنا. خطوات متثاقلة في البداية. ثم ثابتة حين وطأت أقدامنا الرمال.
لم تكن رمالًا صفراء.
كانت قرمزية داكنة. بسبب بحور الدماء التي شربتها على مر العقود حتى أصبح لونها ملكها.
والمشهد يفوق ما كنت أتوقعه.
جميع البوابات الاثنتا عشرة مفتوحة على مصراعيها. والبوابات الرئيسية الأربع الكبرى مشرعة. وتتدفق الحشود.
مقاتلون من كل صنف ولون. مجرمون. أسرى حرب. مرتزقة سقطوا في قبضة كاريثيون. ووجوه لا تشترك في شيء سوى السلاسل التي كانت عليها قبل الساحة.
بدأت الساحة الهائلة بالاكتظاظ.
شغّلت العقل الفعال والنسبة الثلاثة والعشرون بالمئة للعمل. الأرقام تتصاعد.
مئة. مئتان. ثلاثمئة.
واستمر التوافد.
حتى تجاوز الستمئة مقاتل.
ثلاثة أضعاف أي حدث شهدناه سابقًا. من أين أحضروا كل هذا الوقود للمحرقة؟
المئات من المستوى الأول في الغالبية. سيُسحقون في الدقائق الأولى والبقية تعرف ذلك. العشرات من المستوى الثاني. متمرسون. يعرفون كيف يبقون أحياء فترة أطول. وأكثر من ثلاثين من المستوى الثالث. كل واحد منهم يشع بهالة قتالية لا تخطئها العين المعزّزة.
ثم تجمّد كل شيء.
بصري والغريزة والنسبة الثلاثة والعشرون بالمئة من الوعي تجمعت في نقطة واحدة.
في الجهة المقابلة.
شخصان.
ينبعث منهما ضغط طاغٍ. هالة لا تُخطئها حين تعرفها. نفس ما شعرت به من يوليوس. نفس ذلك الثقل الذي يجعل الهواء حولهما يبدو مختلفًا.
كانا كالجبال وسط التلال.
لكن المثير للقلق لم يكن هالتهما.
بل كانت نظراتهما.
لم تكن تجوبان الساحة بحثًا عن غنائم سهلة. كانت مثبتة. كالنصال. على شخص واحد فقط. بجانبي.
العجوز.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
استطعت تقدير أن العجوز بقوته التي يخفيها قادر على قتل أحدهما. لكن اثنان من المستوى الرابع؟ هنا تختلف الحسابات اختلافًا جوهريًا.
التفت إليه سرًا.
لم يهتز.
على وجهه تلك الابتسامة. نبرة مليئة بالثقة والزهو الهادئ الذي يرتديه من يعرف شيئًا لا يعرفه غيره.
“ماذا؟ أأنت قلق عليّ يا فتى؟”
صوته العميق لم يرتجف.
“هذان الطفلان غير قادرين على قتلي. سأفوز حتمًا. لذا كفّ عن التحديق بي وركز على جانبك. الجحيم لا يرحم المشتتين.”
دوّى قرع الطبول.
صوت زلزل الأرض تحت أقدامنا.
وتحولت الساحة.
فوريًا. كأن إشارة واحدة حوّلت ستمئة كائن من الانتظار إلى الفعل. الصرخات امتزجت باحتكاك الدروع وصيحات القتال وأصوات السيوف تُسحب من أغمادها. سيمفونية الفوضى المطلقة.
انطلقت.
ليس مجرد حركة. انفجار للإرادة.
ثلاثون مقاتلًا من المستوى الأول اعترضوا طريقي. ظنوا أن الكثرة تغلب المهارة. هذا الظن أعمار المساكين لا يُطيل.
العقل الفعال رأى خيوطهم فورًا. هشة. مبعثرة. تفتقر إلى منهجية. كانوا مبتدئين دفعهم الخوف للاندفاع الأعمى. والخوف سيف يُعطى لعدوك.
بفضل الثلاثة والعشرين بالمئة بدا الزمن يتباطأ قليلًا. السيف الجديد يتحرك كأنه امتداد للروح لا للذراع. بحركة دورانية خاطفة رقصت بينهم. ليست ضربات عشوائية. طعنات مكثفة في الفراغات التي كشفها لي العقل الفعال بدقة لا تتسامح.
ثانية.
اثنتان.
ثلاث.
هذا كل ما احتجته.
ثلاثون على الرمال. أجسادهم لم تدرك حتى أنها ماتت.
السيف الجديد يشرب الدماء بنهم. وملمسه بارد مطمئن بطريقة لا يفهمها إلا من حمل سلاحًا قاتل معه بما يكفي.
في الجهة الأخرى كانت ميراثيل.
تُظهر لماذا هي شريكتي المثالية.
برشاقتها التي تشبه الفهد كانت تسدد هجمات جراحية بسيفها الخفيف. ثلاثة عشر مقاتلًا من المستوى الأول حاولوا الاستخفاف بقوامها الرقيق.
ردها كان صاعقًا.
ثلاثة عشر موتًا محققًا في أقل من عشر ثوانٍ.
رأيت من زاوية عيني مقاتلين من المستوى الثاني يحيطان بها، يحاولان استغلال انشغالها. لكنها بدأت بالفعل في نسج سلاسلها. التمويهية. غير المرئية. التي تقود الخصم دون أن يعرف من يقوده.
أما العجوز فكان في عالم آخر.
فأسه الصغير يحصد الأرواح بصمت. عشرة من المستوى الثاني بضربات لم أتمكن حتى من تتبع مساراتها. ضربات تنتهي بنتيجتها قبل أن يفهمها من استقبلها.
ثم أحاط به أربعة من المستوى الثالث. مربع قتالي. مدروس. يهدف للمحاصرة.
لمحته ولم يتغير في وجهه شيء.
كأن المربع القتالي لم يُحكم حوله بل حولهم هم.
أكملت الاندفاع.
هذه المرة أربعة من المستوى الثاني.
ليسوا كالسابقين. تشكيل قتالي محكم. دروع ثقيلة معدّلة. ونظرات من يعرف أين يتوقف الجسم المعتاد.
شعرت بالقلادة تحت درعي تشع بحرارة طفيفة.
كأنها تستجيب لتركيزي. كأنها تسمع.
“انتهى وقت الإحماء.”
همستها لنفسي.
وأعدت التكثيف في يدي اليمنى.
الخيوط أمامي. واضحة. بفضل الثلاثة والعشرين بالمئة بدأت أميز ما هو أعمق من الحركة. أحدهم يخطط لهجمة منخفضة. الثاني يُغطي. الثالث ينتظر ردة فعلي لأي منهما. والرابع في الخلف يراقب لينقض بعد استنزاف الزخم.
استراتيجية جيدة.
لو واجهوا شخصًا يرى فقط بعينيه.
لكنني أرى الخيوط.
نزلت الضربة الأولى. الهجمة المنخفضة كما قرأتها.
لم أتراجع. تقدمت.
في نقطة التصادم كثّفت الإرادة. الطريقة التي علّمها العجوز. البرق لا النور. الاختراق لا الانتشار.
الاصطدام جعل الزخم يتحطم. الهجمة المنخفضة تحولت إلى لا شيء في نقطة التلاقي.
والثاني الذي كان يُغطي… لم يكن يتوقع أن الأول لن يُكمل.
الفراغ الذي تركه الارتباك.
سيفي فيه.
اثنان على الرمال.
الثالث والرابع يُعيدان الحساب.
في هذا الإعادة للحساب يكمن الوقت الأثمن.
الرمال القرمزية تشرب. دون توقف. دون تعب. كأنها كانت تنتظر هذا الشراب منذ أيام الاستعداد الهادئة.
والمعركة الكبرى بدأت للتو.
مرحلتها الأولى فقط.
والمستوى الثالث ينتظر. وأصحاب الهالات المرعبة في الجهة المقابلة لا يزالون يراقبون العجوز بعيون الصقور التي وجدت طعامها ولم تنقض بعد.
لأن الصقر الذكي يختار التوقيت.
والسؤال الحقيقي ليس من سيفوز.
بل أيٌّ من التوقيتات سيكون.