الفصل96 - طبول المعركة الكبرى
لم يكن وقع أقدام السجان هذه المرة ككل مرة.
صرير النعال الثقيلة فوق الحجارة الباردة كان يحمل نبرة مختلفة. الممر نفسه بدا مختلفًا. كأن حتى الحجارة القديمة المتشربة بكل رائحة أمكنة كهذه أدركت أن الساعة قد أزفت.
انفتح الباب الحديدي بصرخة من الصدأ.
السجان بملامحه التي لم تعد تثير الرعب بقدر ما تثير الاشمئزاز من اعتياد رؤيتها.
“استعدوا. المعركة الكبرى ستبدأ بعد ساعة. الساحة تنادي والجمهور جائع للدماء.”
أغلق الباب بقوة.
والزنزانة التي ستتحول بعد قليل إلى ذكرى لمقاتلين قد لا يعودون، ملأها صمت مختلف. صمت من يعرف ما ينتظره ويقرر بهدوء ماذا سيفعل حيال ذلك.
تقدمت نحو الركن الذي وضعت فيه معداتي الجديدة.
الزمردية منحتني إياها كمكافأة على بقائي. أو ربما كاستثمار لضمان بقائي مدة أطول في عرضها القادم. الفرق بين الاثنين لا يهمني في هذه اللحظة.
الدرع الجلدي أولًا.
جلد سميك معالج بمواد جعلته صلبًا كالصخر. صفيحتان معدنيتان عند الصدر والظهر لحماية المناطق الحيوية. ثبّته بحركات معتادة أصبحت طقسًا.
ثلاثة خناجر قصيرة في جيوب سرية تحت الدرع. لا أعرف إن كنت سأحتاجها. لكن الغريزة التي صقلها العجوز في تلك الأسابيع تقول دائمًا: أحضر ما لن تحتاجه. لأن اللحظة التي تحتاجه فيها ولا تجده هي اللحظة التي لا تكرر نفسها.
درع حديدي على ساعدي الأيسر. تَرس صغير يصد الضربات التي تأتي بسرعة لا تسمح بالتفادي الكامل.
ثم السيف الجديد.
أمسكت به وشعرت بثقله أولًا. ثقل متوازن. ليس الثقل الذي يرهق بل الثقل الذي يُطمئن. مصنوع من مزيج الفولاذ النقي ومخالب جارح الظلال التي اقتلعناها بعد المعركة. النصل يلمع ببريق أسود خافت وغريب. كأن روح الوحش لا تزال تسكن المعدن.
أرجحته في الهواء.
الصفير الحاد الذي أصدره ملأ الزنزانة الصغيرة.
“هذا السيف يشع بقوة من الدرجة الأولى.”
قلتها لنفسي. لكن قلتها.
ثم الشعر. كان قد طال خلال الأشهر الماضية طولًا يجعله عائقًا في القتال. ربطته بإحكام خلف رأسي برباط جلدي. لا شعر يحجب الرؤية. لا شيء يمنح الخصم شيئًا يمسكني منه.
نظرت إلى ميراثيل.
كانت قد أتمت استعداداتها بطريقة من يعرف ما يفعله.
الدرع الأسود المصنوع من ريش وجلد جارح الظلال يُحيط بها بهيبة لا تناسب زنزانة. ذلك الريش الذي كان قبل أسابيع يحاول تمزيقنا، أصبح الآن رداءها. صلب كالفولاذ وخفيف كالظل. تعطيها الحماية دون أن تسرق منها ما يجعلها خطيرة: تلك الرشاقة التي تجعل مراقبتها في القتال أمرًا مربكًا حتى للعين المدربة.
السيف الخفيف في يدها. نصل رفيع يشبه أسلوبها تمامًا. لا أداة تحارب أفضل مما يشبه من يحملها.
ومسند ركبة معدنية على ساقها اليسرى المتضررة. تفصيل صغير يحكي قصة كبيرة عن من يُحضّر لا من يتمنى.
بدت كسيدة الحرب خرجت من رحم الظلام.
أما العجوز، فكان هادئًا كعادته.
الفأس الصغير بجانبه. يبدو تافهًا. نحن نعرف أنه ليس كذلك.
التفت نحوي بنظرة اخترقت الهواء بيننا.
“دارون. ارتدِ تلك القلادة التي منحتك إياها. الآن. إنها أثر.”
أخرجت القلادة. قلادة السيف والتاج التي سلمها إليّ تلك الليلة. كنت قد حملتها دون أن أفهمها بالكامل. طبيعتها غريبة. تلمعان لها خاصة بها.
“لحظة…”
قال العجوز. وفي نبرته شيء بين الدهشة والاستغراب الحقيقي.
“لا تخبرني أنك لا تعرف ما هي الآثار يا فتى. بحقك، هل هذه مرتك الأولى التي تسمع عنها؟”
ترددت.
وميراثيل سبقتني.
“حقًا يا دارون؟ ألا تعرف الآثار؟ أين كنت تعيش؟!”
رفعت يدها وأرتني سوارًا فضيًا يلتف حول معصمها. نقوش ثعبانين متداخلين تتوسطهما نجمة خماسية.
“انظر. حتى سواري هذا أثر. كيف استطعت النجاة باستخدام قدراتك فقط دون أن تعرف ماهيتها؟”
تنهد العجوز تنهيدة طويلة.
“اسمع يا دارون…”
وشرح.
بنبرته الهادئة التي تعطي المعلومة الثمينة بطريقة من لا يرى فيها شيئًا استثنائيًا.
البشر يولدون بقدرات متنوعة. ليست كلها قتالية. هناك من يولد بقدرات حرفية. حين يبلغ هؤلاء المستوى الثالث على الأقل، يصبح بمقدورهم ضخ إرادتهم وتشكيلها داخل أغراض مادية. ما ينتجون يُسمى الآثار.
أغراض تمتلك قوة تشبه القدرات البشرية.
نوعان. آثار نشطة يكفي ارتداؤها لتفعيل مفعولها. وآثار خاملة تتطلب ضخ الإرادة فيها لتستيقظ قوتها.
أمسك العجوز بالقلادة. وشرح قدراتها الثلاث.
الأولى: القدرة الهجومية. تسمح بتعزيز الضربات بإرادة طاغية. تضاعف قوة الاختراق والتدمير.
الثانية: القدرة الدفاعية. مناعة مطلقة ضد جميع الهجمات لفترة وجيزة. حياة إضافية في لحظة اليأس.
الثالثة: القدرة الملكية. فرض عقوبة على أي خصم في نفس المستوى. شخص واحد. عقوبة واحدة. قد تشل حركته. قد تضعف قدراته. قد تكون الفاصل.
نظرت إلى القلادة في يدي بطريقة جديدة.
كنت أحملها. دون أن أعرف ما أحمل.
“ثلاث قدرات في أثر واحد؟”
ميراثيل. بصوت خافت. وفي وجهها ذهول حقيقي.
“هذا لا يُسمى أثرًا عاديًا. يمكن تصنيفه كأثر عريق. أيها العجوز، هل تمنح شيئًا كهذا لدارون حقًا؟”
نظر إليها العجوز.
“أنا لا أمنحه إياه. أقرضه إياه فقط. لضمان بقائه.”
توقف.
“أما أنتِ، فخذي هذا.”
رمى نحوها خنجرًا أسود. صغير الحجم. لكن حوافه تلمع بلون أحمر قانٍ. كأنه مغمس في شيء لا علاقة له بالدهان.
“هذا الخنجر يشل حركة حتى ذوي المستوى الرابع لو خدش جلدهم فقط. اعتني به. قد يكون خلاصك.”
ضمته ميراثيل لصدرها بقوة. ويدها ترتجف بطريقة لا تفعلها يد مرتعبة. بطريقة تفعلها يد تمسك شيئًا تعرف وزنه.
“سأحسن استخدامه. أعدك.”
ابتسمت لميراثيل.
محاولًا تخفيف شيء من ذلك الثقل الذي كان يملأ الزنزانة.
“سوارك الجميل. ما قدراته؟”
تلعثمت قليلًا.
“أثر بسيط وجدته في أطلال قديمة. يمنحني زيادة في تدفق الطاقة. لا أعرف كل قدراته بعد. لكنه رفيقي منذ زمن.”
قالتها بطريقة من يتحدث عن شيء يثق به أكثر مما يفهمه.
ثم ارتجت الزنزانة.
وقع أقدام الحرس من الممر. قريب. تعددها.
وقف العجوز.
وبمجرد أن اعتدل في وقفته، تغير شيء في الغرفة. كأن هالته التي كانت هادئة في الأسابيع الماضية قررت أن تظهر الآن. لتملأ المكان بشيء لا يُسمى لكنه يُحسّ.
“استعدا.”
صوته هز جدران قلبي.
“نحن على وشك البدء. تذكرا كل ما تعلمتماه. التكثيف. التخفيف. تعزيز العقل. والآن الآثار.”
نظر إلينا.
“اليوم لن نكون مجرد ترفيه لجمهور الساحة. اليوم سنكون العاصفة التي تقتلع جذور كاريثيون.”
وضعنا أيدينا فوق بعضنا للحظة.
نظرة متبادلة بيني وبين ميراثيل. بلا كلمات.
وذلك الشعور الغريب بالانتماء لهذا الرجل العجوز الذي أصبح في أسابيع قليلة… شيئًا لا أملك له اسمًا مناسبًا. هوية. أو ربما أكثر من ذلك.
تحركنا نحو المخرج.
والقلادة الذهبية تحت درعي تلامس جلدي ببرودة هادئة. كأنها تُذكّر لا تُحذّر.
بالعهد الذي قطعته مع نفسي.
البقاء حيًا.
الخروج بهذه القلادة إلى العالم الخارجي.
إلى فيرون.
إلى من ينتظرون إن كانوا ينتظرون.
وبدأت طبول الساحة تقرع في الخارج.
وصراخ الآلاف يتصاعد كأنه زئير وحش أسطوري يطالب بما وعد به.
الخطوة القادمة هي الموت.
أو الخلود في رمال الساحة.
وبينهما خط رفيع يُسمى الإرادة.