الفصل 95 - الاستعداد
مرّ الأسبوعان وكأنهما حلم من الدم والتأمل.
ليس مجرد مضي وقت. بل شيء حدث خلاله. تحول. بطيء في بعض الأحيان ومفاجئ في أحيان أخرى. كالطريقة التي ينضج بها الفولاذ في النار دون أن يُعلن عن نفسه.
لم تكن الجراح الجسدية هي الوحيدة التي التأمت تحت إشراف إيلارا الصارم. الجسد يلتئم بمنطقه الخاص. لكن ما حدث لأرواحنا في تلك الزنزانة المظلمة، بعيدًا عن ضجيج الساحة ورائحة الرمل والدم، كان شيئًا مختلفًا.
شيء لا يسمّيه الطب.
التحدي الأكبر كان تعزيز العقل بالإرادة.
ليس لأنه مستحيل. بل لأنه مؤلم بطريقة لا تشبه الألم الجسدي. الجسد حين يؤلمك يصرخ. العقل حين يتجاوز حده يصمت أولًا، ثم يُعطيك ذلك الدوار المعروف. ثم الصداع الذي يشعرك كأن شيئًا يريد الخروج من الداخل دون أن يجد منفذًا.
لكن النتائج…
كانت تستحق كل ثانية من ذلك العذاب.
ثلاثة وعشرون بالمئة.
هذا ما أخبرني به العجوز بعد الجلسة الثالثة. قالها بنبرته الهادئة التي لا ترفع ولا تخفض، لكن في عينيه شيء يشبه الاهتمام الحقيقي.
“معدل مذهل لشخص في رتبتك.”
وميراثيل بلغت واحدًا وعشرين. لم تكن بعيدة. وفي صوتها حين عرفت حين سألته كان هناك شيء لم أسمعه منها من قبل. ارتياح. ليس ارتياح من ربح بل ارتياح من وجد أنه يتقدم.
أما العقل الفعال… فقد تطور بطريقة لم أكن أتوقعها حتى.
في السابق كان يُريني الخيوط. تلك الخيوط المنبثقة من أجساد الخصوم التي تُخبر عن نواياهم. لكنها كانت خيوطًا. مجرد خيوط. تراها ولا تفهم دائمًا ما تعنيه بالضبط.
الآن…
أصبحت أميّز. أُميّز بين خيط هجوم غادر ينطوي على ضربة من الخلف، وبين خيط دفاع صلب يستعد لاستقبال لا للإرسال. أرى ليس فقط ما الذي سيفعله الخصم، بل أبدأ بفهم لماذا. المنطق الذي خلف الحركة. الخوف أم الثقة أم اليأس.
قراءة نية الخصم قبل أن يفكر هو فيها.
وذلك الحد الذي كان يُقعدني. تلك العشرون ثانية التي كانت سقفًا لا جدارًا، والتي بعدها كان الرأس يعاقبني. امتدت الآن إلى خمس دقائق كاملة.
خمس دقائق من الوضوح المطلق.
لا أعرف لمن أقول ذلك. لكنه كان تقدمًا حقيقيًا. تقدم يُحسّ في كيفية حمل السيف. في كيفية الوقوف. في كيفية قراءة المسافة.
على الصعيد القتالي، الطعن بالسيف كان دائمًا أفضل حركة أملكها.
أقصر مسار. أعلى دقة. لكنها كانت تفشل أمام الضربات الأقوى مني لأن القوة الخام تسحق الدقة إذا لم يكن معها شيء آخر.
شيء آخر جاء من تجارب تلك الأسابيع.
التكثيف والتخفيف.
تركيز قوة في نقطة التصادم بدلًا من توزيعها على مساحة الضربة. الفرق بين البرق والنور. كلاهما طاقة. لكن أحدهما ينتشر والآخر يخترق.
حين أصادم الآن ضربة أقوى مني، لا أحاول الصد بالقوة. أتوقع اتجاه الخيط، وأُكثّف إرادتي في نقطة التصادم بشدة تساوي شدته. فيتحطم زخمه لا لأنني أقوى منه، بل لأن طاقتيه تصطدمان في نقطة واحدة.
أصبحت أقف ندًا لند أمام القوة الغاشمة.
ليس بالقوة.
بالفهم.
وميراثيل.
ميراثيل في الأسابيع الأولى كانت خطيرة. ذلك لم يتغير. لكنها الآن شيء آخر.
السلاسل غير المادية التي كانت تُقيّد صفتين من صفات العدو في وقت واحد، القوة أو السرعة أو الإدراك، أصبحت قادرة على تقييد ثلاث صفات في آن واحد.
ثلاث صفات.
في لحظة واحدة.
الخصم الذي يقع تحت هذا لا يبقى مقاتلًا. يتحول إلى دمية خشبية يجيد حركات لا يستطيع أداءها بعد الآن.
واكتشفت طرقًا للتمويه. استخدام السلاسل لتوجيه حركة الأعداء دون أن يدركوا ما الذي يقيدهم. كأن الساحة نفسها تتعاون معها.
ولأول مرة منذ التقيت بها، رأيت ميراثيل تضحك.
ضحكة حقيقية. نابعة من مكان لا يختلق الفرح.
كانت الضحكة عن الإنجاز. عن الشعور بأن شيئًا كان في مكانه ينتظر واستُدعي أخيرًا.
وشعرت بشيء حين رأيتها تضحك. شيء بسيط. سعادة من يعرف أن من بجانبه في صفه لا في مواجهته.
وطوال تلك الأسابيع، كان العجوز.
جالسًا في ركنه. هادئًا كعادته. يُلقي ملاحظاته بدقة من يُعطي معلومة ثمينة بنبرة من يُلقي تعليقًا عابرًا.
لكن في نظراته كان هناك شيء لم ألاحظه في البداية.
لمحات.
لمحات توحي بأنه يودّعنا في قلبه.
ليس وداع من يغادر. وداع من يعلم أن شيئًا قادمًا سيغيّر شيئًا.
تذكرت حديثه تلك الليلة. “أنا مجرد عجوز يبحث عن مكان للموت بسلام.”
لكن ثلاث عملات ذهبية في يوم واحد. بلا خدشة.
من يريد قتل هذا الرجل؟
ومن يستطيع ذلك أصلًا؟
ذكر الإمبراطورية.
كلمة واحدة مرّت في حديث عابر. لكنها فتحت بابًا في ذهني.
بحسب ما أعرفه عن هذا العالم حتى الآن، لا توجد إلا قوة واحدة تهيمن على القارة بهذا الحجم: إمبراطورية الشفق الذهبي. قوة عظمى تخوض حروبًا في أكثر من ست وعشرين جبهة قتال في آنٍ واحد. وتُحكم سيطرتها من جهات لا يعرف كثيرون عنها الكثير.
ما العلاقة التي تربط هذا العجوز الجالس في سجن كاريثيون بتلك الإمبراطورية الأسطورية؟
لا أعرف.
ولا أستطيع أن أسأل. ليس لأنه سيرفض الجواب. بل لأنني أشعر بأن السؤال سيُغلق شيئًا بيننا كان مفتوحًا بطريقة نادرة.
لكن التفكير في الماضي لم يعد يجدي.
غدًا هو اليوم.
المعركة الكبرى التي تحدث كل ثلاثة أشهر في كاريثيون. ليست نزالات فردية. ليست اختبارات عادية. مفرمة لحم. الكلمة الأكثر دقة.
وستشارك فيها مقاتلون من المستوى الثالث. وربما أكثر.
إذا كان هناك من يستطيع قتل العجوز… ومن الواضح أن مثل هذا الشخص موجود، وإلا لما تحدث عن الموت بتلك الطريقة الهادئة… فهذا يعني وجود مستويات أعلى من الثالث. رابع. ربما خامس.
مجرد التفكير في ذلك يصنع بردًا في المعدة.
نظرت إلى يدي في الظلام الخافت للزنزانة.
الجروح التأمت. الفهد أتم ما بدأه. الذراع تحمل سيفها. الفخذ يحمل الجسد.
نظرت إلى ميراثيل.
كانت مستندة إلى الجدار بعينين مفتوحتين. تُفكر. بالطريقة التي تُفكر بها في الليالي التي قبل الأيام الصعبة.
ونظرت إلى العجوز.
مغلق العينين. كعادته.
لكن أنفاسه هذه الليلة كانت مختلفة قليلًا.
أبطأ. أعمق. كأنفاس من يُودّع شيئًا.
“المعركة القادمة لن تكون مجرد قتال من أجل الذهب.”
قلتها بصوت منخفض.
لا أعرف إن كان أحد سمعها.
“ستكون أكبر معركة شهدتها هذه الساحة منذ تأسيسها.”
ميراثيل حوّلت نظرتها نحوي.
لم تتكلم.
لكنها أومأت بطريقة خفيفة.
وذلك كان كافيًا.
أغمضت عيني.
وحاولت ألا أُفكر في رمال الغد وما ستحمله. حاولت أن أُركّز على ما بنيته في هذين الأسبوعين. على الثلاثة وعشرين بالمئة. على خمس الدقائق. على التكثيف في نقطة التصادم.
وعلى وصية العجوز.
لم يقلها بوضوح. لكنه قالها.
ابقَ حيًا.
ليس لأن الحياة ثمينة بالمعنى الفلسفي. بل لأن الحياة هي الشرط الوحيد لكل شيء آخر.
للحرية.
لفيرون.
لمن ينتظرون هناك إن كانوا ينتظرون.
لإيمي إن كانت…
أبعدت الفكرة.
ليس الآن.
ليس قبل أن أنام.
وليس قبل أن أستيقظ على رمال الغد.