الفصل 94 - وعد الرجل العجوز
لم تكن جراحنا هذه المرة مجرد خدوش عابرة تُنسى مع الليل.
كانت أوسمة من الألم حفرها جارح الظل في أجسادنا وأرواحنا بعناية من لا يريد أن تُنسى. كل حركة كانت تُذكّرك بالضبط أين وصلت مخالبه وبأي قوة وبأي زاوية. الجسد يحفظ ما يشاء العقل نسيانه.
دخلت إيلارا الزنزانة في الصباح.
مشيتها الواثقة التي لا تستأذن ونظراتها الباردة التي تُصنّف قبل أن تشعر كانت كفيلة بجعل الجو يزداد ثقلاً فور دخولها. فحصت جراحي المفتوحة في ظهري بأصابع تعمل بكفاءة لا تتعاطف مع ما تلمسه، ثم انتقلت لتفحص ذراع ميراثيل التي تدلت بزاوية لم تكن طبيعية. لم تنطق بكلمة إعجاب واحدة ولا كلمة شفقة واحدة. كان كل ما يهمها هو تقييم صلاحية ما بين يديها.
“أنتما محظوظان لأنكما لا تزالان تتنفسان.”
قالتها وهي تمسح الدماء عن يديها بقطعة قماش حريرية بيضاء لم تبقَ بيضاء طويلاً.
“آمركما بفترة نقاهة مدتها أسبوعان. لن تخرجا للساحة حتى تلتئم هذه التمزقات.”
توقفت عند الباب والتفتت إلينا، وفي ابتسامتها ذلك الغموض الذي لا تُريده أن يبقى غامضاً:
“استغلا الوقت جيداً. عودتكما ستتوافق مع معركة الربع السنوي. المعركة الكبرى التي تحدث كل ثلاثة أشهر.”
غادرت.
وساد صمت خانق من النوع الذي يملأ المساحة بما لا يُقال لا بالهواء.
تبادلتُ النظرات مع ميراثيل.
ورأيتُ في عينيها السوداوين ذات الرعب الذي شعرتُ به أنا ويُحاول جسدي إخفاءه عني دون نجاح. تذكرنا أول يوم لنا في هذه الساحة بتفاصيله التي لا يُنساها جسد رآها، الدماء التي غطت الرمال حتى غيّرت لونها إلى لون أكثر قتامة، صرخات المئات وهم يُذبحون بإيقاع لا يعرف التوقف، والجثث التي كُدست فوق بعضها كأنها كانت مجرد تفاصيل في مشهد أكبر.
فكرة العودة إلى ذلك الجحيم الجماعي كانت تجعل الضلعين المكسورين يُعلنان أنفسهما بقوة.
تدخل العجوز.
كعادته. بلا استئذان ولا تمهيد. كأن قرار التدخل سبق وجود الصمت.
“لا وقت للارتجاف.”
قالها بلهجة من لا يُناقش ما يقوله.
“هذان الأسبوعان ليسا للراحة. هما فرصتكما الأخيرة. عليكما الغوص في تدريب التأمل حتى تبلغا أقصى ما يمكن لعقولكما تحمله. المعركة القادمة لا ترحم الضعفاء، والخمسة بالمئة التي أنجزتماها لن تكون إلا كفناً لكما إن لم تطوراها.”
قضينا الأيام التالية في صمت مطبق.
الأجساد تُلتئم ببطء والعقول تغوص في أعماق لا يُوصف ما تجده هناك. كان الألم الجسدي يتلاشى بإيقاع أبطأ مما نُريد ولكن موثوق. والإجهاد الذهني كان يزداد حدة كلما تعمقنا في التأمل، ذلك الإجهاد الذي لا يُخبرك أين يؤلم بدقة لأنه يؤلم في أماكن لا أسماء لها.
كانت ميراثيل تعمل بصمت المحارب الذي لا يحتاج إلى إثبات جهده بصوت. وأنا كنتُ أعمل بصمت من يعرف أن الوقت ينفد لكنه لا يستطيع تسريعه بالصراخ.
في ليلة هادئة.
بعد أن غلب النوم ميراثيل التي أرهقها تعزيز أوتار ذراعها المصابة حتى بعد التئامها، استلقت على الأرض الحجرية بنفَس طويل أخيراً منحها الراحة قبل أن تنتهي منه.
وجدتُ نفسي وحيداً مع العجوز.
كان يجلس في ركنه المظلم المعتاد ويُحدّق في الفراغ أمامه بتلك الطريقة التي تجعلك لا تعرف إن كان يرى شيئاً أو لا يرى.
“أيها العجوز.”
ناديتُه بصوت خافت لا يُوقظ ميراثيل.
“لقد جمعنا أنا وميراثيل ست ذهبيات بصعوبة بالغة. كم بلغ عدد عملاتك أنت؟”
أغمض عينيه.
وأجاب بهدوء لم أكن أتوقعه.
“لقد تجاوزتُ الثلث بقليل يا دارون.”
اتسعت عيناي.
الثلث من مئة يعني أكثر من ثلاثين ذهبية. ثلاثون ذهبية في هذا المكان الذي يأخذ منك أكثر مما يُعطيك في كل جولة. إنجاز يبدو شبه مستحيل حين تضعه في سياق ما تكلّفه كل عملة منها.
“أكثر من الثلث؟”
تمتمتُها بذهول حقيقي.
“يالك من وحش حقيقي. كيف استطعت البقاء كل هذه المدة؟”
ضحك العجوز ضحكة خافتة جافة كأنها خروج هواء من رئة تعبت من الاحتفاظ به طويلاً.
“أنا وحش؟”
قالها وفي نبرته شيء يُشبه التصحيح المُفاجئ.
“ألم تُقابل سيسيليا بعد؟ روح الحياة التي تحكم غابة الجنيات. إنها أعظم مني بمراحل يا فتى.”
تذكرتُ سيسيليا.
تلك الكائنة التي كانت وجودها وحده يزرع شيئاً يُشبه الطمأنينة في قلبي في وقت لا تتوقع فيه الطمأنينة، رقيقة الحضور واسعة الهدوء.
“سيسيليا؟ لكنها تبدو مسالمة جداً.”
قلتُها باستغراب حقيقي.
“المسالمة لا تعني العجز.”
ردّ العجوز بجدية لا مكان فيها للمجاملة.
“لقد فرضت على نفسها قيداً صارماً بعدم إيذاء أحد. لكن هذا القيد هو ما يحمي الآخرين من قوتها الحقيقية. إنها أحد القلائل الذين جعلوا هذا العجوز يشعر بالخوف يوماً ما.”
تجمّدتُ في مكاني.
‘سيسيليا التي تنشر الراحة والطمأنينة. التي يبدو وجودها كاملة هدنة مع العالم. تلك الكائنة هي في الحقيقة مرعبة لدرجة إخافة هذا الرجل الذي حطّم كياناً من المستوى الثالث بفأس بحجم الكف؟’
شعرتُ بجهل عميق يحيط بي من كل اتجاه. العالم أكبر بكثير مما تُريك إياه المعارك التي تخوضها فيه. والقوى التي تحرك الخيوط خلف الستار تفوق ما يبلغه إدراكي في هذه المرحلة بمراحل.
استعددتُ للعودة للنوم.
ثم مدّ العجوز يده فجأة نحوي.
“دارون.”
كانت في نبرته شيء لم أسمعه فيها من قبل. شيء يُشبه الثقل الذي يُشبه بدوره الاعتراف.
“إذا مِتُّ خلال المعركة القادمة، أُريد منك طلباً.”
توقف قلبي عن النبض للحظة.
سلّمني شيئاً بارداً. قلادة ذهبية ثقيلة لا يتناسب ثقلها مع حجمها، تحمل رمزاً معقداً منحوتاً بدقة لا تُتاح لصانع عادي: سيف ودرع يتوسطهما تاج ملكي.
“خُذ هذه.”
قالها بصوت يحمل شيئاً يُشبه التهدج لكنه يُحكم إخفاءه.
“إذا خرجتَ من هنا اذهب إلى الإمبراطورية. وأوصل هذه القلادة لشخص يُدعى كاستر. إنه فارس كبير هناك.”
شعرتُ بالرعب يسري في أوصالي بطريقة مختلفة عن رعب الساحة.
رعب الساحة يأتي من الخارج ويُشعرك بالخطر. هذا الرعب كان يأتي من الداخل ويُشعرك بالفقد.
“ما الذي تتكلم عنه؟”
سألتُه بصوت لا أُحكم اتزانه تماماً.
“تموت؟ أنت أقوى شخص عرفتُه. من الذي يستطيع قتل وحش مثلك في هذه الساحة؟”
نظر إليّ العجوز بعينين غائرتين لحظة. وبدا وكأنه صغر في السن وكبر في الألم في آنٍ واحد، ذلك التناقض الذي يحدث حين يحمل الإنسان شيئاً ثقيلاً لوقت أطول مما ينبغي.
“من يدري يا دارون؟ لا أحد يعلم كيف يمضي القتال. أنا الآن في أسوأ حالاتي. جسدي قديم وجروحي الداخلية لا تلتئم كما تظن. ما يراه الجلد ليس كل شيء.”
خفّض صوته لدرجة الهمس الذي يقطعه الخوف لا الإرادة.
“وهم لن يتركوا فرصة كهذه تضيع من أيديهم. سينتظرون لحظة ضعفي في المعركة الكبرى ليُجهزوا عليّ.”
“من هؤلاء؟”
سألتُه وصوتي يملؤه الرهبة التي لا أُريدها فيه لكنها موجودة.
“منذ متى وأنت مصاب؟ ما الذي يحدث ماذا بحقك؟”
هز العجوز رأسه بأسى ليس عجوزاً فيه. أسى شخص يرى شيئاً قادماً ولا يستطيع تغييره.
“أرجوك يا دارون. لا تسأل. هناك أشياء لا يمكنني البوح بها لأن معرفتها هي حكم بالإعدام عليك. وأنت لا تحتاج إلى حكم إضافي في هذا المكان.”
ساد صمت ثقيل امتد بيننا.
أطبقتُ يدي على القلادة الذهبية الباردة. وشعرتُ بثقل المسؤولية يضغط على صدري بطريقة مختلفة عن ثقل الضلعين المُلتئمين. هذا الثقل لا يُشخّصه طبيب ولا يُخففه ترياق.
لم أجد كلمات لمواساته.
والكلمات الفارغة في مثل هذه اللحظة ليست مواساة بل إساءة. فاخترتُ البقاء صامتاً. ثم أومأتُ برأسي موافقاً بالطريقة التي تعني إنني فهمتُ وإنني سأفعل.
“سأحرص على إيصالها يا سيدي. عندما أخرج سأجد كاستر.”
“شكراً لك يا فتى.”
قالها العجوز وهو يعود لمرقده، ثم أغمض عينيه بحركة رجل ينهي فصلاً لا يريد إطالته.
عدتُ إلى فراشي.
لكن النوم طار من عيني بعيداً لا يُريد العودة.
كانت القلادة في يدي تبدو وكأنها تزن أثقل من حجمها بكثير. سيف ودرع وتاج ملكي. رموز لا أعرف تاريخها لكنها تحمل وزناً يُشعر به.
‘من هو كاستر؟ وما علاقته بهذا الرجل الذي يُخفي من هو بكل كلمة يقولها؟ ومن هم الذين ينتظرون لحظة ضعفه؟’
أسئلة بلا إجابات في هذه الليلة.
لكن المعركة الكبرى كانت تقترب.
ولم تعد هذه المعركة عندي مجرد نزال من أجل العملات. أصبحت شيئاً آخر، صراعاً تختلط فيه الحرية بالمسؤولية وتختلط فيه أسرار لا أعرف إن كنتُ أريد معرفتها لكنها باتت في جيبي وفي قلبي في آنٍ واحد.
أطبقتُ يدي على القلادة مرة أخرى في الظلام.
وأغمضتُ عيني على أسئلة لن تنام.