الفصل 93 - جارح الظلال
كان الهواء في الساحة بارداً لدرجة الصقيع.
ليس ذلك البرد الطبيعي الذي يُذكّرك بالفصول وبأن الأرض تتنفس. بل برد من نوع آخر، بارد كالمعدن حين يُترك في الليل الطويل، بارد بطريقة تقول إن هذا المكان لا يدفأ لأنه لا يريد أن يدفأ. ورائحة الموت المنبعثة من جارح الظل كانت تخنق الأنفاس قبل أن تصلها مخالبه، رائحة لا تُشبه الدم ولا الرماد بل شيئاً بينهما لم يُسمَّ بعد.
وقفنا أنا وميراثيل وبيننا وبين الوحش مسافة لا تكفي لما نحتاجه.
شعور الخمسة بالمئة من تعزيز العقل كان يتدفق في جمجمتي كتيار كهربائي مستمر لا يتوقف بين الدفقات. لم يعد العقل الفعال مجرد مهارة تحليلية أُفعّلها وأُطفئها حين أشاء. أصبح شيئاً أشبه بكاشف حسي فائق يعمل طوال الوقت دون استئذان. أرى اهتزاز ريش الوحش الأسود اللولبي حين تتغير نيته قبل أن تتغير حركته. أسمع دقات قلبه المضطربة بإيقاع يختلف عن إيقاع التحفز العادي. وأشعر بتدفق إرادته السوداء قبل أن تتحول إلى فعل.
لكن المعرفة شيء. والقدرة على الرد شيء آخر تماماً.
وأنا أعرف الفرق الآن بالجسد لا بالعقل.
لم يهاجمنا الوحش ليقتلنا فوراً.
انقضَّ كبرق أسود يتحرك بسرعة تجعل الظل الذي يتركه يصل بعده لا قبله. وبدلاً من تمزيق أعناقنا كما كان يستطيع دون جهد يُذكر، استخدم مخالب جناحيه لشرخ أكتافنا بدقة جراحية مُحسوبة.
صرخت ميراثيل وهي تسقط على ركبتيها، ذراعها اليسرى تُسقط سلاسلها بلا إرادة منها. وشعرتُ أنا بنصل مخالبه يحفر أخاديد في ظهري بعمق مقصود، يتجنب الأعضاء الحيوية كمن يعرف تشريح جسد ضحيته ويُريد أن تبقى أطول وقت ممكن.
وقف جارح الظل فوقنا.
وأصدر صوتاً.
صوتاً يشبه القهقهة البشرية لكن بصوت يمر عبر حنجرة لا تعرف شكل الكلمات. قهقهة مشوهة تُحدث في من يسمعها شيئاً يصعب وصفه، كأنها تستهدف مكاناً في الدماغ لا يُواجَه بالمنطق. منقاره الأسود يطقطق بسخرية، وعيونه الأربعة تدور بابتهاج سادي وهو يرى الدماء تُلوّن الرمال الحمراء بلون أكثر حمرة.
“إنه يعبث بنا.”
همستُها ميراثيل وهي تحاول رفع سلاسلها بذراعها المصابة التي كانت ترتجف بعنف لا إرادي.
أومأتُ دون أن أتكلم.
‘نعم. إنه يعبث بنا. وهذا أسوأ من أن يحاول قتلنا مباشرة. لأن من يعبث لا يُعبّئ دفاعه بالكامل.’
أعاد الوحش الكرة.
انطلق بسرعة تتجاوز إدراكي الجسدي مهما فعلتُ بالخمسة بالمئة، وضرب بمؤخرة مخالبه على صدري بقوة تُخبر من سمعها بالصوت أن شيئاً ما تكسّر داخل.
ضلعان على الأقل.
نفثتُ دماً ذا طعم حديد وسقطتُ بعيداً على الرمال. كل نفَس أخذته بعدها كان يحمل في طريقه ألماً حاداً يُذكّرك بدقة بما تكسّر وأين.
اقترب مني ببطء مُتعمَّد. وضع مخلبه الثقيل فوق جرح ظهري المفتوح. وبدأ يضغط بصبر وببطء شديدين، كمن يُريدك أن تفهم كل ثانية من ثوانيه.
الصرخة خرجت مني قبل أن أُقررها. جسدي قررها بدلاً مني.
لكن عقلي لم يتوقف.
في وسط هذا الجحيم، والخمسة بالمئة تعمل بجنون تحت الضغط الذي يُفاقمها ولا يُوقفها، بدأ العقل الفعال يُحلل شيئاً لم يُحلله من قبل.
سلوك الخصم.
الوحش ليس في حالة قتال. إنه في حالة استعراض. كل حركة يقوم بها مشوبة ببطء مقصود لا حاجة قتالية له. فتحات ريشه تظل مكشوفة لفترة أطول مما يجب. منقاره يُقترب ببطء لا بسرعة. لأنه لا يتوقع منا أي رد فعل. لأنه قرر أن الأمر انتهى.
وحين يقرر الأمر انتهى يتوقف عن الحرص.
وحين يتوقف عن الحرص تظهر الثغرة.
“ميراثيل.”
همستُ بأقل صوت يمكن أن يُسمع بينما رأس الوحش كان مرفوعاً نحو السماء في حركة المنتصر الذي يُعلن انتصاره قبل أن يُكمله.
“اسمعيني.”
عيناها وجدتا عينيّ عبر الرمال والدم الفاصل بيننا.
“إنه يظن أننا حطام. عندما يقترب ليضع منقاره في عيني، عليكِ ضخ كل ما تملكين من إرادة في سلسلة واحدة. سلسلة صلبة تماماً لثانية واحدة فقط. ثانية واحدة.”
كررتُها لأن الثانية الواحدة في هذا السياق ليست ثانية عادية.
طرفت ميراثيل طرفة واحدة.
كانت تفهم.
اقترب جارح الظل مني ببطء بالغ، تلك الخطوات البطيئة التي يمشيها المنتصر حين يُريد الاستمتاع بكل متر يقطعه. حنى رأسه الضخم نحوي، ووضع منقاره الحاد أمام عيني مباشرة بمسافة يمكن قياسها ببوصات. كان يتنفس رائحة دمي بانتشاء فاضح، وبدأ يفتح منقاره ببطء شديد ليُظهر الصفوف الأربعة من الأسنان المُصطفة كالمناشير، مستعداً لما قرر أنه النهاية المناسبة لهذا الاستعراض.
دفاعه كان معدوماً.
جناحاه مرتخيان. مخالبه في وضعية الإمساك لا الصد. وانتباهه كله في الاستمتاع بما يظنه لحظة الإجهاز.
‘الآن.’
صرختُها بصوت ليس كبيراً بل واضحاً.
“الآن!”
انفجرت سلاسل ميراثيل السوداء من تحت الرمال.
كانت قد أخفتها هناك في وقت لم يلاحظه الوحش لأن الوحش لم يكن ينظر إليها. كانت قد ضخّت فيها كل ما تملكه من إرادة في الثواني السابقة بهدوء لا يُشير إليه شيء على السطح.
لفّت السلاسل حول عنق الوحش وجذبت رأسه للأسفل بقوة غير متوقعة بالنسبة لكائن كان يُصنّفنا كحطام.
ذُهل جارح الظل.
الذهول الحقيقي الذي لا يُشبه ردّ الفعل بل يُشبه الاكتشاف الصادم لخطأ في معادلة كانت تبدو مؤكدة.
حاول الرفرفة بأجنحته لانتزاع نفسه. لكن السلاسل كانت مُحكمة بحرفية الثانية الكاملة التي أعطتها إياها ميراثيل.
وأنا استخدمتُ تلك الثانية.
بفضل تعزيز العقل، حسبتُ المسافة بدقة تتجاوز ما كانت تستطيعه عيني قبل أسبوع. يدي السليمة كانت مُخبأة تحت جسدي طوال الوقت، تُمسك بخنجري المكسور الذي كسره المخلب في المرة الأولى لكنه ظل في يدي لأنني لم أتركه.
استخدمتُ التكثيف. كل إرادة متبقية في جسد يئن ويتألم ويطلب التوقف. ضخّيتُها في يدٍ واحدة وخنجر واحد مكسور.
وغرزتُ الخنجر في عينه السفلى اليسرى بحركة لا ترتجف لأن الارتجاف في تلك اللحظة كان يعني الموت.
اخترق الخنجر العين. وأكمل مساره نحو الدماغ.
أطلق جارح الظل صرخة.
صرخة مزقت طبول آذاننا من مسافة قريبة لا تُريحك منها. صوت لم يُشبه قهقهته السابقة، كان صوت شيء لا يعرف الألم يتعرف عليه للمرة الأولى.
اهتز جسده الضخم في تشنجات متتالية سريعة، أجنحته تُحاول الانتشار لكنها تُخطئ اتجاهاتها. ثم سقط فوقي بثقل لا يرحم.
جثة هامدة بائسة.
ماتت لأنها ظنت أنها الأقوى.
جُرِرنا إلى الزنزانة والدم يقطر منا في كل خطوة.
لا أبالغ حين أقول إن كل خطوة كانت تُكلّف قراراً منفصلاً. جسدي كان يطلب التوقف بكل لغة يعرفها. الضلعان المحطمان، والجرح العميق في الظهر، والألم المنتشر في أماكن لا أعرف أسماءها الدقيقة.
ميراثيل كانت تسير بجانبي وذراعها اليسرى شبه معلقة، تتأرجح مع كل خطوة كأنها لا تنتمي لجسدها تماماً. جسدها مُغطى بكدمات زرقاء عميقة ستُصبح أكثر قتامة في الصباح.
لكنها كانت تسير.
وأنا كنت أسير.
كان العجوز يراقبنا من ركنه المعتاد.
ولم تخلُ عيناه هذه المرة من شيء لم أرَه فيهما من قبل. ليس فخراً بالمعنى الذي يُعلن نفسه. بل مسحة من الاحترام الهادئ الذي يمنحه من رأى كثيراً لمن فعل ما لم يكن متوقعاً.
“الغرور يقتل حتى الجبابرة.”
تمتمها وكأنه يُسجّل حقيقة في سجل طويل.
“لقد نجوتم لأنكم استعملتم عقولكم عندما خذلتكم أجسادكم.”
لم يُضف شيئاً.
ولم نحتج إضافة.
استلقيتُ على الأرض الحجرية الباردة.
شعرتُ بالفهد يبدأ عمله ببطء في أعماقي، تلك الحرارة الخفية التي تزحف من المركز نحو الأطراف حين يُعلن نفسه. الضلعان المحطمان بدآ يتلقيان اهتماماً ببطء لن يشعر بالكافي الليلة لكنه سيكون أفضل من العدم.
ميراثيل استلقت بجانبي. يدها التي لا تزال تعمل قبضت على عملاتها الذهبية بقوة تُخبر أنها أسباب أكثر من مجرد معدن.
عملات قليلة. مسافة طويلة من المئة.
لكن المسافة كانت أقصر مما كانت.
“دارون.”
همستُها ميراثيل في الظلام.
لم تُكمل. لكن همسها وحده كان يقول شيئاً.
أغمضتُ عيني.
‘لقد تركنا قطعاً من أرواحنا على رمال تلك الساحة. لكن القطع التي بقيت فينا كانت الأقوى.’