الفصل 92 - الدرس الثاني-التعزيز
لم تكن فرحة النجاح في التكثيف تدوم طويلاً في زنزانة العجوز.
بمجرد أن استعدنا أنفاسنا واستلقت أجسادنا المنهكة على الأرض الحجرية الباردة، أدركنا أن ما حققناه لم يكن إلا المفتاح الذي فُتح به الباب. لكننا لم نعبر العتبة بعد. لم تطأ أقدامنا الأرض التي خلف ذلك الباب بعد.
جلس العجوز أمامنا. عيناه تحملان برودة من يعلم أن القادم سيفوق كل ما مررنا به، وأنه لا يحتاج إلى تمهيد لذلك.
“تظنان أنكما بلغتما المستوى الثالث؟”
سأل بلهجة تحمل شيئاً من التهكم الهادئ الذي لا يُريد إهانة بل يُريد إيقاظاً.
“التكثيف والتخفيف مجرد مهارات. أدوات يستخدمها ذو المستوى الثالث. إتقانها لا يعني أنك أصبحتَ منهم. أنت الآن تقف عند العتبة وتنظر من الثقب. لكن قدمك لم تطأ الأرض بعد.”
اعتدل في جلسته.
وأصبحت نبرته أكثر جدية بما جعل الهواء في الزنزانة يبدو أثقل قليلاً كأنه تغيّر بتغير نبرته.
“الدرس الثاني هو أول مسار حقيقي للمستوى الثالث، وهو الأصعب على الإطلاق. هناك من فقدوا عقولهم في هذا الطريق. وهناك من انتهى بهم الأمر بإعاقة دائمة لا تُشفى. إنه ليس قتالاً. بل هو صهر داخلي.”
توقف. ورأيتُه يُراقب ردة فعلنا بعينين تقيسان لا تُخبران.
“عليكما أن تغوصا في أعماق وعيكما. إرادتكما الآن مبعثرة شاسعة غير مركزة كضباب لا يد تجمعه. الدرس هو حصر هذه الإرادة داخل حدود الجسد. تعزيز كل عظمة وكل عضلة وكل خلية دون استثناء. عندما يتشبع الجسد بالإرادة يحدث ما نسميه القفزة البينية. يصبح الجسد مقاوماً للزمن. تتجدد الخلايا بسرعة تفوق ما يُسميه العلم مستحيلاً. وتصبح العظام بصلابة الفولاذ الغامض.”
أغمضتُ عيني للحظة وحاولتُ تخيل ذلك.
“لكن.”
قاطع كلامي الداخلي.
“من المستحيل تعزيز الجسد كله دفعة واحدة. الشخص العادي يحتاج عاماً كاملاً. والموهوب قد يختزل الوقت للنصف. والبداية يجب أن تكون من العقل.”
شرح العجوز.
وكانت طريقته في الشرح كطريقته في كل شيء، لا يُسرف في الكلمات ولا يُقصّر في المعنى.
العقل هو العضو الأكثر تعقيداً وحساسية في الجسد. تعزيزه يعني تعزيز الأعصاب، والأعصاب هي التي تحمل الإشارات التي تُحرّك كل شيء آخر. حين تتعزز الأعصاب تصبح ردود الأفعال أسرع مما تُنتجه البيولوجيا الطبيعية. الأفكار تصبح أوضح وأكثر صفاءً كأن ضبابة رُفعت عنها. ويصبح العقل بحد ذاته سلاحاً يتحكم في كل ذرة في الجسد بإتقان لا يتحقق لمن لم يُعزز هذه القناة.
بدأنا التأمل.
لم يكن تأملاً بالمعنى الذي يُريح ويُهدئ. كان عملية جراحية نفسية مؤلمة تُجريها على نفسك دون مُخدر. كان علينا اقتطاع ساعات من النوم القليل المتاح أصلاً لنبقى في حالة الغوص العميق داخل ذواتنا.
كان عليّ تتبع كل ليفة عصبية في دماغي.
الأمر كان أشبه بمحاولة رسم خريطة لمدينة عملاقة في الظلام الدامس باستخدام شمعة واحدة تتمايل مع كل نفَس. خطأ واحد. ضغط زائد في منطقة خاطئة. وقد ينتهي بي الأمر مشلولاً أو فاقداً للذاكرة، أكثر مما أنا فاقد لها الآن وهذا يكفي وحده لجعل الأمر مُرعباً.
‘أكثر مما أنا فاقد لها الآن.’
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لأبقى حذراً بما يكفي.
بعد سبعة أيام من العذاب الذهني الصامت.
سبعة أيام من الصداع الذي لا ينتهي والأعصاب التي تُرسل إشارات خاطئة تُربك الحواس، والرؤية التي تتذبذب أحياناً بين الحدة الزائدة والضبابية المُفاجئة.
فتحتُ عيني.
الصداع كان كأن شيئاً يضغط على الجمجمة من الداخل باستمرار، لا يتوقف ولا يتصاعد، فقط ثابت مستمر كالتذكير الدائم بما حدث.
“خمسة بالمئة.”
همستُها بمرارة لا أُخفيها.
“لم أتجاوز حتى الخمسة بالمئة.”
نظرتُ إلى ميراثيل. كانت عيناها تحملان نفس الإرهاق ونفس الإحساس بالمسافة بين ما أُريد وما وصلتُ إليه. كانت في نفس الدوامة.
‘لكن خمسة بالمئة ليست صفراً. وهذا يعني أن الطريق موجود.’
لم يمنحنا السجانون وقتاً للراحة.
جُرِرنا إلى الساحة والأجساد منهكة والعقول تحمل ذلك التشويش الخاص الذي يتركه التأمل المكثف حين يعمل في حدود القدرة ويتجاوزها. الرمال الحمراء تحت أقدامنا لم تتغير لكننا تغيرنا، ليس نحو الأفضل بالكامل في هذه اللحظة.
ثم فُتحت البوابة المقابلة.
وتوقف كل شيء.
خرج منها كائن.
لم تكن لديّ الكلمات الصحيحة حين رأيته لأول مرة. كان جسده يُشبه الدجاج في الشكل العام، لكن هذا التشابه كان أشبه بالإهانة للكلمة من كلا الطرفين. مكسو بريش أسود لولبي يمتص الضوء لا يعكسه، ريش يبدو كأنه نما من داخل الظلام لا فوق جسد. حجمه ثلاثة أضعاف حجم إنسان عادي، أربعة أجنحة ضخمة تغطي الساحة بظلالها حين تمتد بالكامل، كأن اتساع الحلبة ضاق حين وقف في وسطها.
يدان طويلتان تنتهيان بمخالب فتاكة تلمع بسواد معدني، وساقان ضخمتان تمنحانه قدرة وثب لا يُتخيل مداها. ومنقار أسود أُحكم شحذه بما يكفي لاختراق الدرع الفولاذي دون مقاومة.
ثم فتح فمه.
وكشف عن أربعة صفوف من الأسنان الحادة المصطفة كالمناشير، صفوف داخل صفوف، كأن الطبيعة قررت ألا تكتفي بصف واحد.
“جارح الظل.”
همستُها ميراثيل وصوتها يرتجف للمرة الأولى التي أسمعه فيها يرتجف منذ لقائنا في العربة.
“إنه في المستوى الثالث.”
لأول مرة منذ دخولي كاريثيون، شعرتُ بالرعب الحقيقي.
ليس الخوف الذي يأتي من الخطر المحسوب. بل ذلك الرعب الذي ينبع من مواجهة شيء يتجاوز معادلاتك بالكامل. هالة الوحش كانت تضغط على وعيي المُحطم أصلاً من أسبوع التأمل المُرهِق، كأن وجوده يستهدف ما داخلك قبل ما يبلغه مخلبه. الهواء حوله كان يبدو أثقل كأنه يتجمد في المناطق التي يمر بها.
‘نحن نقف عند عتبة المستوى الثالث. وهذا الكائن يجسد رعب المستوى الثالث بكل ما فيه. المعادلة لا تنتهي بنصرنا.’
لكن المعادلة لا تنتهي بموتنا أيضاً. ليس إذا بقينا نتحرك.
انطلق جارح الظل صوبنا.
لم يكن طيراناً بالمعنى الذي يمنحك وقتاً لتتفادى. كان وثبات خاطفة متتالية تجعله ظلاً يتنقل بين نقاط دون أن تستطيع أذنك تتبع صوته قبل وصوله.
“ميراثيل! السلاسل! الآن!”
صرختُها وأنا أُفعّل الخمسة بالمئة التي عززتُها في عقلي، ذلك الجزء الصغير الذي أملكه من الطريق الطويل.
شعرتُ بومضة من الصفاء المُركّز.
الأعصاب التي عززتها بدأت تنقل الإشارات بسرعة أكبر قليلاً من المعتاد، مقدار صغير لكنه حاضر. رأيتُ الوحش يقترب بتفصيل أوضح مما كانت ستراه عيناي قبل أسبوع. كان يستهدف حنجرتي بمخالبه السفلية ومنقاره في آنٍ واحد، هجمة مُركّبة لا تُصاد بردّ مُفرد.
ملتُ بجسدي للجانب الأيمن بالمقدار الذي تسمح به الخمسة بالمئة. مرّت المخالب بجانبي بمسافة أضيق مما أريد لكنها مرّت.
وفي الوقت ذاته انطلقت سلاسل ميراثيل السوداء نحو جناحيه الأيسرين، محاولةً تقييد مجال الحركة وتضييق الزوايا التي يستخدمها.
لكن الوحش أدار نصف دورة في الهواء بسرعة تُخجل حساباتي. انتزع جناحيه من سلاسلها بقوة شدّت ميراثيل خطوتين للأمام قبل أن تثبت.
‘هل يمكننا مواجهة هذا الوحش؟’
السؤال لم يكن استسلاماً. كان تقييماً.
نحن اللذان نقف عند عتبة المستوى الثالث. وأمامنا كيان يجسد رعب هذا المستوى بكل ما فيه. كل ما تعلمناه كان يُبقينا أحياء لثوانٍ إضافية. وكل ثانية إضافية كانت تعني فرصة للتفكير.
والتفكير لم يتوقف.
أعدتُ قبضتي على السيف وأنا أُحاول أن أُركّز الخمسة بالمئة المتاحة لي في الاتجاه الصحيح، أبحث في خيوط إرادة الوحش عن نمط، عن لحظة يمكن قراءتها، عن ثغرة لا تُرى في الحجم ولا في القوة بل في الإيقاع.
لأن كل شيء يتحرك لديه إيقاع.
حتى الظلال.